تقويم الشراكة عبر المحيط الهادئ

تم نشره في السبت 4 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً

سيمون جونسون*

واشنطن- أعطى الكونجرس الأميركي الرئيس باراك أوباما ما يسمى سلطة تفاوض المسار السريع لإتمام الشراكة عبر المحيط الهادئ، اتفاقية التجارة الحرة الإقليمية العملاقة المقترحة بين الولايات المتحدة وإحدى عشرة دولة أخرى.
ولكن انتصار أوباما لم يكن سهلا: فقد عارض أعضاء حزبه الديمقراطي بأغلبية ساحقة سلطة المسار السريع، والتي تجعل دور الكونجرس مقتصراً على التصويت برفض أو قبول اتفاقيات التجارة التامة، وبالتالي استبعاد التعديلات. الواقع أن إجراء المسار السريع، المعروف رسمياً باسم سلطة الترويج للتجارة، لم يتم إقراره إلا لأن أوباما تمكن من الاعتماد على دعم نادر من الأغلبية الجمهورية في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
بيد أن رفض الديمقراطيين لم يكن بلا مبرر. فهم يريدون أن تضمن إدارة أوباما أن الشراكة عبر المحيط الهادئ تشمل معايير العمل الدولية الأساسية لجميع المشاركين، ومستوى عال من الحماية البيئية، والقدرة على الحصول على الأدوية بأسعار معقولة، بين تدابير أخرى. وإذا اعتبرت الإدارة هذه المطالب المعقولة تماماً بين أولوياتها، فإن الاتفاق الناتج سوف يحظى بقدر كبير من الدعم من قِبَل الحزبين. أما إذا اختارت تجاهل هذه المطالب، فإن الاتفاق النهائي سوف يكون استقطابياً إلى حد كبير -وسوف يحظى بموافقة الكونجرس بقدر ضئيل للغاية من الدعم الديمقراطي.
ورغم وعد أوباما بأن تكون الشراكة عبر المحيط الهادئ الاتفاقية التجارية الأكثر تقدماً في التاريخ، وهو الوعد الذي يمكن تحقيقه بالفعل، فإن ستار السرية الذي يحيط بكل تفاصيل المفاوضات تقريباً يجعل من الصعب تقييم الادعاءات والادعاءات المضادة حول هذه النقطة. ولكن بمجرد إبرام الاتفاق، سوف ينشر بالكامل، الأمر الذي لن يترك أي مجال للبلبلة والغموض.
وكانت الشروط التي أعلنها الديمقراطيون في الكونجرس بالغة الوضوح، ومحددة، ومدروسة. والواقع أن كل هذه المبادئ الأساسية تقريباً عُرِضَت بقدر كبير من التفاصيل بالفعل في اتفاق بين الديمقراطيين في مجلس النواب وإدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش في أيار (مايو) 2007.
في العام 2005، صوت خمسة عشر نائباً ديمقراطياً فقط لصالح اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الوسطى، وكان السبب على وجه التحديد أن شروطها بشأن معايير العمل والبيئة كانت ضعيفة. وعلى النقيض من هذا، في العام 2007، صوَّت 109 نائبين ديمقراطيين لصالح اتفاقية تعزيز التجارة بين الولايات المتحدة وبيرو، وكان السبب على وجه التحديد أن شروطها كانت معدلة على النحو المطلوب وبما يتفق مع اتفاق أيار (مايو). وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2011، وافق مجلس النواب على اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا، التي خضعت لمناقشات مطولة، بتصويت 59 نائباً ديمقراطياً لصالحها. إن مدى الدعم الديمقراطي في الكونجرس يعتمد بشكل مباشر على محتوى الاتفاقية التجارية.
كانت المبادئ الرئيسية في اتفاق أيار (مايو) 2007 واضحة ومباشرة ويصعب معارضتها. فينبغي أن يُسمَح للعمال بتشكيل النقابات العمالية. ولابد من إلغاء عمالة الأطفال. وبلاد من حظر أشكال العمل القسري أو الإلزامي كافة -بما في ذلك الإتجار بالبشر. والوعود الغامضة حول هذه القضايا غير مقبولة؛ ويتعين على البلدان أن تعلن امتثالها قبل أن يدخل اتفاق التجارة حيز التنفيذ.
وعلاوة على ذلك، يدعو الاتفاق إلى إدراج المعايير البيئية الدولة القائمة في اتفاقيات التجارة الحرة، بما في ذلك القواعد المتعلقة بالتلوث والحيوانات المهددة بالانقراض. وعلى نحو مماثل، لابد أن تدعم مثل هذه الاتفاقيات الوصول العادل إلى براءات اختراع الأدوية والبيانات المستخدمة لإثبات سلامة العلاجات الطبية. وينص اتفاق أيار (مايو) 2007 بوضوح على "عدم منح المستثمرين الأجانب في الولايات المتحدة قدر أعظم من الحقوق الموضوعية في ما يتعلق بتدابير حماية الاستثمار مقارنة بالمستثمرين الأميركيين في الولايات المتحدة".
في بحث صادر في كانون الثاني(يناير) 2015، ثم مرة أخرى في خطاب مهم في أيار (مايو)، كان ساندر ليفين، الديمقراطي البارز في لجنة الطرق والوسائل في مجلس النواب، حريصاً على تطبيق هذه المبادئ على كل القضايا العالقة بشأن الشراكة عبر المحيط الهادئ.
ولن يكون من الصعب أن تعطي الإدارة ليفين وزملاءه ما يريدون. ربما يرفض بعض المشاركين في الشراكة عبر المحيط الهادئ مطالبتهم برفع معايير العمل والبيئة؛ ولكن في هذه الحالة، ينبغي لصناع السياسات أن يسألوا ما إذا كانت هذه البلدان تستحق اكتساب سهولة أكبر في الوصول إلى سوق الولايات المتحدة. وعلى نحو مماثل، تُعَد القدرة على الوصول إلى الأدوية بأسعار معقولة غاية ترغب بلدان أخرى بشدة في تحقيقها؛ وشركات الأدوية الكبرى هي التي ليست متحمسة بالكامل لهذا الأمر.
ولعل التحدي الأكثر صعوبة الذي يواجه إدارة أوباما يتمثل في قضية التلاعب بالعملة. فالديمقراطيون يمارسون الضغوط لإدراج فقرات تقضي بحظر، أو الحد من، التدخل في أسواق العملة من قِبَل البنوك المركزية بقصد إعطاء المصدرين في دولة بعينها ميزة تنافسية. وهذا أيضاً يمثل مشكلة ضخمة محتملة مع اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، لأن خفض القيمة التنافسي من الممكن أن يغرق أي مكاسب أخرى كبيرة من التجارة، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على الوظائف في الولايات المتحدة. والإدارة في احتياج شديد إلى وضع هذه النقطة بين أولوياتها.
كانت "التجارة الحرة" دوماً تسمية خاطئة. صحيح أن منطق التجارة العالمية القائمة على السوق قوي للغاية. ولكن كل سوق توجد ضمن مجموعة محددة من القواعد، والتي هي ليست عشوائية وليست منزلة من السماء.
إن الشراكة عبر المحيط الهادئ تمثل فرصة مهمة لتدوين قواعد أفضل للتجارة الدولية والاستثمار. ولكننا لم نبلغ تلك النقطة بعد.

*أستاذ في مدرسة سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك لكتاب "البيت الأبيض يحترق: الآباء المؤسسون، وديوننا الوطنية، ولماذا يهمك ذلك".
حقوق النشر خاص بـ"الغد" بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق