هل تبقى من الثورة المصرية ما يستحق الاحتفال؟

تم نشره في الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً
  • مصريات يتظاهرن دعماً للرئيس المخلوع محمد مرسي - (أرشيفية)

أليساندرو باجيك* - (كاونتربنتش)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

2/7/2015
لم تكن هذه الذكرى السنوية الأخيرة ليوم 30 حزيران (يونيو) مناسبة للاحتفال بالاحتجاجات الجماهيرية التي أفضت إلى عزل الرئيس محمد مرسي. ليس فقط بسبب مقتل النائب العام المصري، هشام بركات، في هجوم بقنبلة في القاهرة قبل يوم واحد من المناسبة وحسب، وإنما لأن هناك القليل ليحتفي به المصريون، باستثناء إزاحة الإخوان المسلمين عن السلطة بالنسبة لكثيرين.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، تجمعت بعض المجموعات السياسية خارج قصر "الاتحادية" الرئاسي لإحياء الذكرى السنوية الأولى للاحتجاجات المعادية لمرسي. لكن آخرين تغيبوا عن الاحتفال، بسبب عدم رضاهم عن الحملة التي تشن ضد العديد من الناشطين البارزين بموجب قانون الاحتجاج المثير للجدل.
كان هذا العام بلا أحداث بوضوح؛ حيث بدت شوارع القاهرة هادئة يوم الثلاثاء في الأسبوع الماضي. ورغم إعلان يوم 30 حزيران (يونيو) عطلة عامة لمناسبة الذكرى السنوية الثانية لأحداث 30 (يونيو)، فقد أعلنت الرئاسة المصرية عن إلغاء كل الاحتفالات المخططة بعد اغتيال النائب العام المصري بركات، الذي قاد ملاحقة مؤيدي المجموعات الإسلامية.
وسط إدانات للهجوم المميت من داخل وخارج مصر على حد سواء، لم يهدأ تبادل الاتهامات من جانب المعسكرين المتنافسين يوم الاثنين. فقد ألقت أجهزة الإعلام الرسمي باللوم على الإخوان المسلمين، وحملتهم مسؤولية ارتكاب الجريمة، مشددة على أن استهداف النائب العام، باعتباره من الرموز العالية للقضاء المصري، يقف ليكون تأكيداً جديداً أن "هذه المجموعة الإرهابية ترفض دولة القانون، بل وترفض حتى فكرة الدولة المصرية في المقام الأول".
من جهتها، حملت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في بيانها حكومة السيسي -إلى جانب الانقلاب العسكري- المسؤولية عن مقتل بركات، قائلة إن القلاقل المتواصلة في البلاد "هيأت الساحة للعنف، وحولت مصر بعيداً عن تجربة ديمقراطية واعدة في اتجاه الإعدامات الجماعية والعنف وإراقة الدماء".
كان هجوم الاثنين على قافلة بركات هو محاولة الاغتيال الأولى الناجحة ضد مسؤول في الدولة منذ ارتفاع وتيرة العنف في أعقاب الإطاحة بمرسي يوم الثالث من تموز (يوليو) من العام 2013. وقد تم تنفيذ الهجوم، رغم وجود تلميحات سابقة إلى احتمال شن هجوم رئيسي ضد النظام القضائي. وتم توجيه تهديدات حديثة للنائب العام عبر المواقع الإلكترونية الجهادية، والتي كانت قد استشرفت وقوع العنف ترابطاً مع يوم 30 حزيران (يونيو) على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك حالات الاستهداف السابقة للقضاة والشخصيات القضائية. وكانت القوات الأمنية قد وضعت في حالة تأهب عالية عشية ذكرى الاحتجاج.
مع ذلك، فشل الجهاز الأمني المصري في منع وقوع جريمة اغتيال أعلى مدع عام مصري. ويشكل ذلك إخفاقاً تاماً لحكومة تجعل "الأمن" غايتها، مع القليل من الإشارات على أن الأمن يتحسن.
لكن ذلك كان كافياً لحفز الرئيس السيسي على التعهد بسن قوانين أشد، وباتخاذ إجراءات أمنية أقسى في اليوم التالي. فخرج وزير الداخلية بخطة أمنية مؤقتة تنص على تواجد أمني متزايد يحيط بالمرافق الحيوية والمؤسسات العامة. واعتباراً من صباح الثلاثاء، أغلقت محطة أنفاق مترو التحرير في القاهرة إلى أجل غير مسمى لأسباب أمنية. وكان قد أعيد افتتاحها مؤخراً فقط بعد عامين من الإغلاق في أعقاب فض اعتصام رابعة العدوية بالقوة.
وجاءت القنبلة المميتة عشية ذكرى 30 حزيران (يونيو)، وهي لحظة رمزية تتيح وقتاً للتأمل في ما وراء مقتل بركات.
بعد سنتين من الإطاحة بمحمد مرسي وسنة في ظل حكم عبد الفتاح السيسي، لم يشهد البلد أي تغييرات فعلية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. ويأسف المصريون على استمرار الافتقار للديمقراطية، وانتهاكات الحقوق الإنسانية والظروف المعيشية البائسة التي كانت قد تسببت في قدح زناد ثورة العام 2011.
تقول سوزان، معلمة المدرسة: "بالنسبة لي، تعني ذكرى 30 حزيران (يونيو) فقط أننا تخلصنا من الإخوان المسلمين. لكننا ما نزال نواجه المشاكل اليومية نفسها. فما الذي تغير؟".
واشتكت سوزان من معدلات البطالة العالية في البلد، ومن الفقر والأجور المنخفضة والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية في العام الماضي. وأضافت: "لي أصدقاء يعملون في القطاعين العام والخاص، والذين لم يتقاضوا رواتب منذ ما يصل إلى 8 أشهر. وتلقى آخرون نصف رواتبهم في كل شهر أو شهرين". وخلصت إلى القول: "لا نرى النقود تدور، كما أن الوظائف ليست آمنة".
مع كل التمويل الذي تضخه دول الخليج والاستثمارات المجتذبة من شركات أجنبية، يتساءل المرء أين هي الأموال التي تتدفق على الاقتصاد المصري، وما إذا كانت تذهب إلى المستفيدين الرئيسيين في البلد، تحديداً الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم والتي توظف الشريحة الكبرى من القوى العاملة في مصر.
لن يجدي نفعاً في إصلاح المشاكل البنيوية لمصر تعويل السيسي على المشاريع الضخمة مثل خطة رأس المال الجديد أو قناة السويس الجديدة، تماماً مثلما استثمر القادة السابقون خطأ في مشاريع مشابهة.
ولكن، متى سيفي الرئيس بوعوده بخلق الوظائف وتحسين مستوى المعيشة لكل المصريين؟ يلاحظ صحفي يدعى عثمان: "أعتقد أن غالبية المصريين لا يشعرون بأي تغيير رئيسي، لكنهم في الوقت نفسه ما يزالون يدعمون حكومة السيسي. الناس ما يزالون ينتظرون ليروا ما سيحصل".
حتى تحت شعار "الحرب ضد الإرهاب"، ما يزال الأمن متزعزعاً، كما أظهرت جريمة قتل بركات في رأي الصحفي. وبالنظر وراء إلى 30 حزيران (يونيو) من العام الماضي، لاحظ عثمان -تماماً كما تتضاءل احتجاجات الشوارع هذه الأيام- أنه قد انكمش التواجد المؤيد للإسلاميين اليوم، وأصبحت المجموعات السياسية غير الإسلامية أكثر تهميشاً.
بالمقارنة مع زمن مبارك، تشعر سوزان بأن الأمن كان متوافراً أكثر في السابق. وقالت: "كانت المحلات تبقى مفتوحة حتى منتصف الليل، لكنها تغلق أبوابها الآن عند الساعة التاسعة مساء، وأنا لا أشعر بالراحة وأنا أسير في الشارع عندما يهبط الظلام".
لا يبدو أن الحملة الأمنية المتواصلة التي يشنها النظام الحالي على خصومه السياسيين، وتجريم الإخوان المسلمين، هي أمور تخدم مصلحة الأمن القومي لمصر.
بدلاً من التعهد بشن المزيد من الحملات على المعارضة أو السعي إلى الانتقام عبر تغيير القانون للسماح بإعدامات أسرع، كما أعلن السيسي خلال جنازة النائب العام المصري، سيكون الرئيس المصري في وضع أفضل إذا قام بترسيخ حكم القانون وتحقيق العدالة لمنع المزيد من إراقة الدماء.
من الممكن أن يؤشر قتل بركات على بدء مرحلة جديدة في معركة الحكومة المصرية المستمرة منذ عامين للقضاء على التمرد الإسلامي. ويبدو أن هذا التمرد المقصور بشكل كبير على شبه جزيرة سيناء آخذ في التصاعد بعد هجمات منخفضة الوتيرة ضد الشرطة وأفراد الجيش -والتي خلفت مئات القتلى- منذ الإطاحة بمرسي، وهو ينتقل الآن إلى القاهرة. وقد استهدف المتشددون الإسلاميون مؤخراً العديد من القضاة في غمرة تجريم العديد من داعمي الإخوان المسلمين في قضايا تتصل بالإرهاب.
وفي الأثناء، تصف مجموعات حقوق الإنسان المحاكم المصرية بأنها مسيّسة بشكل كبير. وتجدر الإشارة إلى أن عدة آلاف من الإسلاميين تلقوا أحكاماً بالسجن، بينما حُكم على المئات بالإعدام في عدد من المحاكمات الجماعية.
إن بلداً لا ينعم بالعدالة لا يستطيع توقع الاستقرار. كما أن مصر ستظل عالقة في هذه الدورة المتواصلة من العنف مع المزيد من الهجمات ومحاولات الاغتيال ضد ضباط الشرطة والجنود ورجال القضاء أو الشخصيات الحكومية.
[email protected]
*صحفي حر.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Is there Anything Left to Celebrate about the Egyptian Revolution?

التعليق