جمانة غنيمات

الخروج من دائرة التردد

تم نشره في الاثنين 13 تموز / يوليو 2015. 11:10 مـساءً

انخفاض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الربع الأول من العام الحالي، لا يمثل مفاجأة، بل هو نتيجة متوقعة رغم الميزة الفريدة التي يتمتع بها الأردن مقارنة بمختلف دول الإقليم المضطربة وحتى الملتهبة.
فأن ينعم الأردن وحده بالاستقرار، هي مسألة تفقد بريقها نتيجة نظرة المستثمر الأجنبي الذي يتعامل مع الإقليم كوحدة واحدة. وهذا الأمر لا يقتصر على إنشاء استثمارات جديدة، وإنما يتجاوز ذلك إلى السياحة التي تأثرت فعلاً، وإلى حد كبير، بالحالة السياسية والأمنية غير المستقرة في المنطقة ككل.
رقميا، انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الأشهر الأولى من العام الحالي بمعدل يقترب من 6 %، متابعاً بذلك المسار الهبوطي الذي بدأه منذ أكثر من أربعة أعوام، وبشكل تراكمي أثر على مختلف المؤشرات الاقتصادية.
وكثير من الدبلوماسيين الأجانب المتعاطفين مع الأردن، ويسعون لمساعدته، يؤكدون أن الأمر يصبح أكثر تعقيدا، بالنظر إلى ما يحدث في الدول الجارة.
رغم ذلك، ومن باب المصارحة والإنصاف، فإن ثمة أسبابا أخرى أدت إلى تدني استقطاب استثمارات أجنبية جديدة، بعضها مرتبط بالبيروقراطية الحكومية، وغياب الحاكمية الرشيدة، كما إغفال شكاوى مستثمرين عانوا الأمرّين في السنوات الماضية نتيجة مزاج مجتمعي ساخط على الاستثمار الأجنبي عموماً، وغير مدرك لمنافعه للمجتمع والاقتصاد على حد سواء.
ضمن هذه الخلطة المعقدة، تصبح الحاجة ماسّة إلى أفق يرسم بعض التفاؤل حيال الاقتصاد، بدلاً من حالة التشاؤم القائمة الآن، والتي تنذر بأن الأحوال الاقتصادية ستبقى مقيدة بالظروف الخارجية.
إخراج المستثمر من دائرة التردد النابع من مخاوف سياسية وأمنية، تبدو -بشكل طبيعي- مسألة خارج قدرة الإمكانات الأردنية؛ فهي تعتمد فقط على أن تضع الحروب القائمة أوزارها، ونشهد حلولا سياسية للملفين السوري والعراقي تحديدا.
لكن في سورية، يبدو المجال مغلقا، كما أن سيطرة المعارضة على المنطقة الحدودية تبعد الحل إلى حين. أما في الحالة العراقية، فإن الظروف وإن بدت ظاهريا أكثر قابلية للتعامل معها، بحكم وجود حكومة مركزية يفترض أنها صاحبة القرار، إلا أنه تحت القشرة الرقيقة يختبئ الكثير من التفاصيل المتعلقة بالحالة السياسية المنقسمة على أسس طائفية قاتلة. وحالة الانقسام هذه وإن كانت مبطنة بكثير من الدبلوماسية، إلا أن أضرارها على الاقتصاد الأردني واضحة تماما وكبيرة، نشهدها يوميا.
وانطلاقا من سياسة الأمر الواقع، وفرضية أن الحلول الخارجية مؤجلة إلى حين، تهلّ علينا العروض الإسرائيلية؛ بوجه ناعم يظهر غير ما يبطن. ففي الواجهة، مساع لمساعدة الأردن، ومثالها ملف الغاز الذي يضمر نوايا خبيثة تتمثل في توريط الأردن باتفاقية غاز مدتها 15 عاما.
إذن، جميع البوابات مغلقة، باستثناء واحدة مفتوحة على مصراعيها. وهذا الموقف الصعب يحتاج إلى تفكير عميق ومتأن، حتى لا ينجرف الاقتصاد في سعيه للخروج من عزلته نحو الحل السهل على المدى القصير.
صحيح أن الاستثمار هو أهم مؤشر اقتصادي على الإطلاق؛ فمنه تكون الانطلاقة الشاملة للتخفيف من مختلف المشاكل النقدية والمالية. لكن طالما أن هذه هي الحال؛ بحجم استثمار لا يسعف حاجات البلد الاقتصادية والتنموية، فإنه تتنامى -بداهة- الحاجة إلى البحث عن حلول محلية، يبدو أهمها في تسريع وتيرة الإنفاق الحكومي المجدي، وتحديدا الرأسمالي منه، لإنشاء مشاريع بنى تحتية تخدم الاستثمار أولا وأخيرا.
السنوات الماضية كانت قاسية، وتلك المقبلة لا تبدو أقل قسوة، بنتائج سلبية يمكن استنتاجها منذ الآن. لكن الحل ليس الانتظار، وإنما العمل على برنامج وطني إصلاحي متكامل، لم تتمكن كل الحكومات من بلورته حتى الآن!

التعليق