د. جاسم الشمري

عذرا يا عراق!

تم نشره في الاثنين 20 تموز / يوليو 2015. 11:02 مـساءً

في القلب أمل، ممزوج بالألم؛ وفرحة مخلوطة بالأسى؛ وأرواح أرهقتها الغربة، وتطاردها الذكريات، وتلعب بها الأيام! ورغم كل هذه المنغصات، نريد أن نفرح بالعيد، وبمشاعره التي لا نريدها أن تموت، أو على الأقل أن تُصيبها حمم زمن القتل والكراهية، أو زمن الحضارة الدموية!
العيد هو الفرح، والسلام والمحبة، والتسامح والتكاتف والتعاطف؛ هذه هي بعض معاني العيد الجميلة والممتعة والمميزة في الحالة الطبيعية. أما في حالتنا العراقية الاستثنائية، فإن معاني العيد مختلفة تماماً، لأنها ممزوجة بالدم والإرهاب والخراب والدمار.
عذراً يا عراق!
فحالك اليوم مؤلمة ومخجلة. مؤلمة لأنها وصلت لمديات لا يمكن تحملها من الضحك على الذقون والعقول، والاستخفاف بالدماء والأرواح. ومخجلة لأننا صرنا مجرد ملايين تحوقل، وتحتسب، ولا حول لنا ولا قوة!
يا عراقنا الجريح: هذه حالك، تسر الغرباء والأعداء، وتُبكي الأحباب والأصدقاء. وحال أهلك في العيد بين التهجير والتخدير والتخذيل والتضييع!
في العيد، قصف حي العسكري بمدينة الفلوجة المظلومة بالبراميل المتفجرة، مما خلف مجزرة مروعة، اغتالت عيد العوائل المتواجدة هناك، ونتج عنها استشهاد ست  نساء وطفلين، وإصابة 15 امرأة وطفلاً آخرين. في العيد، أغلقت الحكومة جسر بزيبز لليوم الثالث على التوالي، والعراقيون -من أهالي الفلوجة، الفارين من الموت- يفترشون الرمال -تحت درجات حرارة مرتفعة وصلت إلى 54 درجة مئوية- لأنهم ممنوعون من دخول بغداد إلا بإحضار كفيل من أهالي بغداد! في العيد حصدت السيارات الملغمة حياة المئات من المدنيين في بغداد وديالى!
في ظل هذه الأتراح والآهات العميقة، كيف يمكننا أن نكتب عن أفراح العيد؟! ماذا تريدني -يا عراق- أن أكتب؟!
العيد في بلادنا له معان لا توجد في غالبية بلدان الأرض. هذه المعاني نُحتت من الحالة الموجودة في عموم وطننا. لكننا رغم هذه الآهات والآلام، نريد أن نكتب عن فرحة العيد. لكن كيف نكتب؟! وماذا نكتب؟!
هل نكتب عن السلام، وأهلنا غابت من قواميس حياتهم معاني هذه الكلمة التي اغتيلت في ظلمات الغدر والهوان؟! أم نكتب عن الفرح، وأهلنا نُحرت في صميم نفوسهم معاني السعادة، والتمتع البريء بالحياة؟!
عيد أهلك يا عراق ليس كبقية الناس! عيدهم سيارات مفخخة، وطائرات ترمي حممها على المدنيين العزل، وبراميل متفجرة تنشر الموت مع تكبيرات العيد في الفلوجة الصامدة! عيد أهلنا سيارات ملغمة تنفجر في الأسواق والطرقات لتحصد الأخضر واليابس.
غالبية زعمائك يا وطني صاروا تجاراً بقضيتك؛ منهم من يثرد بدماء أهله، ومنهم من يتباهى بقصف المدنيين بالمدفعية، ومنهم من تقمص دور المخلص المحب ليتبرع بالدم لجراحاتك يا وطني الجريح!
ما أصعب وجعك يا وطني، لأن غالبية أبنائك هم القاتل، وهم المقتول.
آهات مُزجت بفرحة العيد، وغربة قلبت موازين الحياة؛ حتى صارت معها الحياة مجرد نمو جسدي، وهرم عمري، وتسقيط لفرض الحياة!
هل حياتنا في الغربة تُعد جزءاً من الحياة، أم هي مزيج بين الحياة والموت؟!
في هذه المستنقعات الدموية، والظلمات المتراكمة، والآهات المتلاحقة، تنتظر منا -أيها العراق الحبيب- أن نفرح بالعيد؟! عذراً يا عراق، لا يمكننا أن نرقص على جراحاتك العميقة!
عيدنا الحقيقي: حينما تبقى صامداً أمام الرياح العاتية، التي تجوب زواياك من كل الاتجاهات، وعلى مدار الساعات!
عيدنا الحقيقي: حينما تحيا بلا دماء، وبلا إرهاب، وبلا سيارات مفخخة، وبلا براميل متفجرة، وبلا هدير الطائرات وأصوات المدافع!
عيدنا الحقيقي: حينما تعود الألفة والمحبة والتسامح بين العراقيين، كما كانت!
عيدنا الحقيقي: حينما نتكاتف ثانية للخلاص من الكارهين للعراق، بغض النظر عن دينهم ومذهبهم ومنصبهم!
حينها يمكن أن نحتفل معاً بعيد الحب والسلام والمحبة.
هي ليست أحلاماً بعيدة المنال، لأن الشعوب الأصيلة قادرة على صنع المستحيل. والعراقيون -عرفهم التاريخ- صنّاع للحضارة، ومدارس للحب والعطاء.
عذراً يا عراق فهذه هي طاقتنا، وما في اليد حيلة، لكن ليل الظالمين لن يطول!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »باي حال عدت يا عيد!!! (جمانة سلمان)

    الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015.
    اي عيد هذا ورائحة الدم تفوح من أم البرتقال
    واي عيد ومأذن الفلوجة لاترفع نداء الله اكبر ولله الحمد!!!
    اي عيد هذا والعراقيين مهجرين بداخل وخارج البلاد
    اهات وحسرات جاءت مع عيدنا فها نحن اليوم وقد جاءنا العيد بعيد عن اهلنا واقرباءنا ودارنا وبلدنا فاي فرحة بقت لهذا العيد؟؟؟
    باي حال عدت ياعيد وفوانيس مصر لم تضيء ومأذن دمشق دمرها الحاقدون واقصانا مازال اسير!!!
    باي حال عدت ياعيد!!!

    حسبنا الله ونعم الوكيل
    ابدعت كعادتك دكتورنا الغالي نسال الله ان يعيد عراقنا الى سابق عهده ويلم شملنا من جديد على ارض الرافدين
    وفقك الله
  • »واني للحلول اناشد (كريمة / الجزائر)

    الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015.
    بالقلب فرح عنه الام القلب تحيد ..حتي لو لبسنا اطفالنا الثوب الجديد وعلقنا قناديل وشموع عند كل درب ..ووتيد..فكيف لثوب عروس ..ان يدنس وهو جديد وكيف لصباحها ان يشرف بدون دق طبل وزغاريد..هكدا حال عراقنا الجريح..حتي الافراح مغمسه بعيش وخبز دم ..لغائب از شريد..او لاب ترك يتيما ..او جبروت عنيد ..كيف عيدك ..وابن يلبس الجديد واخر ابوه نحر بسكين حديد..كيف عيدك ..لامراه ..نست حتي لبس ثوب نظيف واخري تكحلت بالوجع ..لان كل احبتها الامس..صارو اليوم فقيد....كان حبرك استادي الشمري..يفصح عن صرخه جريح..دبحه البكا هن وطنه من الوريد للوريد ..فظل يتخبط كالدبيح ..وينتفض الا حلا لحالي ..تعجيل بالمنيه والرحيل..او كفو عني الوجع ..اني انزف واضيع..عله داك النواح يسمع ..وحرفك يصرخ ..ليسمعه الداني والقاسي...ان بلادي يا عرب تقاسي..واني للحلول اناشد ..فمن ياتيني بجواب كاف واافي..تحياتي دكتورنا مميز الطرح
  • »عراق بلا عيد (دانية عقيل)

    الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015.
    شكراً جزيلا د.جاسم على المقال
    بصدق العبارة أقول لك لم نفرح بقدوم العيد وأضحى عيدالعراق دما وسرادق عزاء تنصب في أيامه ولياليه
    الساسة يتهافتون لجمع المال والشعب العراقي يتهافت ﻷرض سلام يفترش فيها بقايا جسده المتعب
    قضية العراق ليست مستحيلة ولاصعبة قضية العراق تحتاج لرجال صادقين مع الله ثم أنفسهم
    كما تفضلت ما باليد حيلة إلا الدعاء لله أن يزيل هذه الغمامة السوداء التي طحنت اﻷخضر واليابس
  • »غمست ذراعك في الدم (د. عبد الكريم الجبوري)

    الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015.
    اخي العزيز غمست يراعك ( اليراع: قصب يتخذ منه الأقلام)
    اخي العزيز يراعك غمسته في الدم حبراً.. وقرطاساً من القلب شغافا، عندما كتبت عذرا يا عراق، سلمت ودمت محارباً في فيلق الإعلام العراق الشرف
  • »مداخلة (نوفل الماشطي الحسيني)

    الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015.
    مبدع دوما كما عرفتك في انتقائك للعناوين ولمفردات المقال والعبارات والاسلوب البسيط السلس الذي يناسب كل المستويات ..اسلوب المقال راقي في تصوير واقع عراق اليوم وترجمته على الورق بكلمات واسلوب فذ..لقد سرق منا الاعداء فرحة العيد ولم يعد لنا مانفرح به بسبب مايمر به بلدنا من مأسي متلازمة نتيجة الوضع الشائك المنهج..بارك الله في اخي جاسم الشمرى فلقد ابدعت في مقالك هذا ..حياك الله وبارك الله فيك