انتخابات "لِم لا" في أميركا

تم نشره في السبت 25 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً

إليزابيث درو*

واشنطن، العاصمة- لا ينبغي لأولئك الذين يواجهون صعوبة في محاولة فهم الانتخابات الرئاسية الأميركية أن يرهقوا أنفسهم. فهي غير مفهومة ولا يحكمها منطق. والحملة الجارية هي المسابقة الأغرب على أعلى منصب في البلاد في العصر الحديث. ولا يعود هذا إلى عدد المرشحين فحسب (في الوقت الحالي هناك أربعة عشر مرشحاً، ومن المتوقع أن ينضم إليهم مرشحان آخران أو ثلاثة قريباً) وإنما أيضاً إلى طبيعة هؤلاء المرشحين.
السؤال المعتاد المطروح على الطامحين إلى الرئاسة هو: لماذا ترشح نفسك؟ ويبدو أن الإجابة هذا العام هي: "ولم لا؟" فما دام المرء غير متعلق بكرامته، فإنه ليس لديه الكثير ليخسره، وهناك الكثير من المكاسب التي قد يحققها له ترشحه. ويمكن أن تؤدي الحملة الرئاسية الفاشلة، وحتى الكارثية، إلى تقاضي رسوم أعلى على الكلام، أو عقود أكثر سخاءً للكتب، أو البرامج التلفزيونية المدفوعة. وقد فشل كل من نيوت غينغريتش ومايك هاكابي في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري لهما، ولكنهما تمكنا من الحصول على مقاعد في البرامج الحوارية على القنوات الخاصة.
على الجانب الديمقراطي، لم يعد السؤال المطروح في الدوائر السياسية هذه الأيام هو ما إذا كانت هيلاري كلينتون قادرة على الفوز بتشريح الحزب، وإنما ما إذا كانت قد تخسره. والإجابة هي، نعم -من منطلق أن كل شيء ممكن. ولا أحد بين معارفي أنها من المرجح أن تتعثر بشكل كبير، ولكن من المعروف عن آل كلينتون أنهم ميالون إلى الحوادث، ولا يخلو تاريخ الزوجين من المفاجآت -والفضائح- منذ ظهرا لأول مرة على الساحة الوطنية قبل ربع قرن من الزمان. ولهذا السبب، فإن كثيرين من الديمقراطيين يساندونها بلا حماس.
الواقع أن بيرني ساندرز، الذي يصف نفسه بأنه اشتراكي، يلهم الحماس. فهو يمتطي الموجة اليسارية في السياسة الديمقراطية. ورغم أن العديد من مقترحاته قد لا تكون قادرة على الصمود في مواجهة الاستجواب الصارم (كيف على سبيل المثال يعتزم تمويل خططه لتقديم التعليم الجامعي للجميع بالمجان؟)، فقد تمكن حتى الآن من تجنب أي تَحَدٍ جدي لهذه المقترحات.
تتلخص الميزة الرئيسية التي يتمتع بها ساندرز في ظهوره بمظهر جدير بالتصديق والثقة -المرشح الذي مثله كمثل رجل الأعمال الملياردير روس بيروت في العام 1992 "يقول الحقيقة كما هي"- في حين لا تفعل كلينتون الشيء نفسه عادة. إنها تبدو جيدة التغليف وحذرة، وبطيئة في اتخاذ المواقف بشأن بعض القضايا الرئيسية، مثل التجارة، والتي تعمل على تفريق الديمقراطيين. ولكن في الوقت الحالي، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما إذا كان ساندرز قد يتمكن من تحويل الحشود المبهرة التي يستعرض بها قوته الانتخابية، أو حتى إلى متى قد يظل محتفظاً بشعبيته.
أحدث الداخلين إلى السباق على جانب الديمقراطيين، وهو جيم ويب -الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع، ووزير البحرية، وكان نائباً في مجلس الشيوخ عن فرجينيا- يتمتع بالموهبة، ولكنه يفتقر إلى الثبات. وقد وَعَد مارتن أومالي، النائب السابق لولاية ميريلاند، ولكنه لم ينتشر بعد. ويشكل الحاكم السابق لولاية رود آيلاند، لينكولن تشافي، سراً غامضاً بدوره. ومن غير المرجح أن يخلف أي منهما سوى أثر سريع الزوال. وتتمتع كلينتون بمزايا من حيث الشهرة والمال والتنظيم، والتي لا يتمتع بها أحد غيرها.
على النقيض من ذلك، كان السباق الجمهوري ساحة مفتوحة. ففي بداية هذا العام، كان الاعتقاد السائد هو أنه في حال ترشح جيب بوش، فإنه سوف يكون صاحب الفرصة الأفضل في تحقيق الفوز. وبدا الأمر وكأنه مرشح للفوز على الورق، ولكن المرشحين لا يخوضون الانتخابات على الورق. فهل يثبت أنه يمتلك القدر الكافي من الذكاء للمناورة عبر نظام الترشح الجمهوري، علماً بأن مراحله الأولى تميل بشدة باتجاه اليمين؟ يلعب المسيحيون الإنجيليون دوراً حاسماً في التكتل السياسي بالدائرة الانتخابية لولاية أيوا، المسابقة الأولى في السعي إلى الفوز بترشيح الحزب، ولكن بذل قدر أكبر مما ينبغي من الجهد في محاولة إرضائهم يمكن أن يجعل المرشح غير قابل للانتخاب. ويُظهِر بوش علامات تدل على تخطي ولاية أيوا، ولكنه في هذه الحالة يجب أن يفوز في ولاية نيوهامبشير.
كان اهتمام بوش بالترشح كافياً لإقناع ميت رومني، الذي خسر انتخابات العام 2012 لصالح باراك أوباما، بعدم المحاولة للمرة الثالثة. ولكن، حتى اسم بوش الهائل -كما يفترض- لم يكن كافياً لإقناع المرشحين الأصغر سناً والأكثر مشاكسة بالتنحي جانباً.
يبدو أن الساسة الشباب الطموحين، مثل عضو مجلس الشيوخ عن فلوريدا ماركو روبيو، وحاكم ويسكنسن سكوت واكر، هم المنافسون الأقوى لبوش، ولكنهم سوف يواجهون قدراً متزايداً من التدقيق والاختبار. وكان راند بول يتمتع بفترة من الصعود، لكنه يبدو أن ذلك الصعود تلاشى الآن مع تصادم نسخته من التحررية بشكل صارخ مع الحزب الذي يميل نحو المحافظة الاجتماعية والتدخل في الخارج.
يبدو أنني كنت واحدة من الصحفيين القلائل الذين لم يتصوروا منذ البداية أن دخول دونالد ترامب إلى السباق الرئاسي كان مضحكاً. صحيح أن ترامب ليس مؤهلاً ولو من بعيد لمنصب الرئيس، ولكنه لا يمزح. ومن المؤكد بالقدر الكافي أنه أظهر، حتى في خطابه لإعلان ترشحه، قدرته على مناشدة الجانب المظلم في الأميركيين.
كانت تعليقات ترامب المهينة بشأن المهاجرين من المكسيك -قوله "إنهم يجلبون المخدرات، ويجلبون الجريمة والاغتصاب. وأظن أن بعضهم أناس طيبون"- سبباً في دفع أسهمه إلى الارتفاع إلى عنان السماء في استطلاعات الرأي، على النحو الذي ألحق العار بالعديد من الجمهوريين.
يدرك المسؤولون الجمهوريون أنهم إذا لم يتمكنوا من العثور على طريقة لاجتذاب عدد من الناخبين من أصول إسبانية أكبر من عدد أولئك الذين اجتذبهم رومني في العام 2012، فإن فرصتهم في الفوز بالرئاسة سوف تكون هزيلة. وبذلك، فإن صعود ترامب ربما يغذي مشاعر الذعر. وربما كلفت تعليقات ترامب خسارته بعض علاقاته التجارية، لكن كل من يتصور أنه لا يعرف ماذا يفعل ينبغي له أن يعيد النظر مرة أخرى.
لا أحد يعرف الآن ما إذا كان ترامب قد يفشل أو يثبت قدرته على البقاء، ولكن شيئاً واحداً يظل واضحاً: إنه ليس الوحيد الذي يجعل مسابقة الترشح تبدو غريبة. والحقيقة أن أحد أغرب الجوانب في هذه الانتخابات كان نجاح بن كارسون، جراح الأعصاب المتقاعد والمبتدئ السياسي. وقد لاقت وجهات نظره المتطرفة بشأن المثلية الجنسية -حيث شبهها بالبهيمية، وزعم أن قضاء الوقت في السجون يجعل الناس مثليين- لاقت استحساناً بين شريحة من الناخبين الجمهوريين، الأمر الذي يجعل منه منافساً حقيقياً في أيوا.
لا يقتصر أمر هذه الانتخابات على أن عدد المرشحين فيها أكبر من أي وقت مضى فحسب؛ بل إنها تحتوي أيضاً على أعلى نسبة، مقارنة بأي انتخابات في الذاكرة، من المرشحين الطامحين غير المؤهلين على الإطلاق لمنصب الرئيس. وبعضهم يبلي بلاءً حسناً للغاية في هذه المرحلة. ومن المؤكد أن هذه الحملة الانتخابية لن تكون مملة.

*كاتبة، آخر أعمالها "جورنال واشنطن: الإخبار عن ووترغيت وسقوط ريتشارد نيكسون".
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق