نضال منصور

نتضامن مع مهرجان جرش

تم نشره في السبت 25 تموز / يوليو 2015. 11:03 مـساءً

انطلاق مهرجان جرش في هذا الوقت بالذات ليس رسالة ثقافية وفنية فقط، بل الأكثر أهمية رسالة سياسية وأمنية للعالم مفادها بأن الأردن بلد مختلف بين بلدان تعصف بها الاضطرابات ويلاحقها شبح التقسيم والإرهاب.
بعد أكثر من ثلاثة عقود أصبح مهرجان جرش علامة فارقة في المنطقة يتذكره الكثير من المثقفين والفنانين المرموقين بأنه كان محطة انطلاقتهم وصاحب الفضل في تقديمهم للجمهور العربي، وهو أيضاً كان وما يزال بوابة مهمة للتسويق السياحي للأردن وجذب المصطافين، ولذلك فإن الهجوم عليه والمطالبة بإلغائه وايقافه حتى وإن كان لأسباب سياسية كما فعل حزب جبهة العمل الإسلامي، يجب أن يزيدنا تشبثاً بالمهرجان والدفاع عنه لأنه مساحة للفرح، والفن والثقافة في مواجهة "غول" التطرف والتوحش الذي يسود العالم العربي.
ربما لا يكون مهرجان جرش في أحسن حالاته مقارنةً ببدايات انطلاقته أيام الدكتور مازن العرموطي، والأستاذ أكرم مصاروة، وربما تعود قوة المهرجان في ذلك الزمان ليس فقط للإدارة وان كانت عاملاً مهماً، بل وايضاً لاهتمام الدولة الكبير به وتبنيه من أعلى المرجعيات وتوفير احتياجاته من الموازنة المالية والكوادر البشرية.
ورغم التراجع الذي شهده منذ سنوات، والتوقف الاضطراري، إلا أن الكثير من المتابعين يلحظون انه بدأ يشهد صعوداً وحضوراً، وعودة الفنانين المرموقين الى مدرجاته الساحرة، فمهرجان جرش يملك كل مقومات المنافسة بين المهرجانات الإقليمية، والظروف التي تمر بها المنطقة يجب أن تدفعنا للتمسك به أكثر، فهل تخلى التونسيون عن مهرجان قرطاج خلال ثورة الياسمين وبعدها، وحتى بعد أن استهدفهم الإرهاب، والسؤال للإسلاميين في الأردن، هل طالب حزب النهضة الإسلامي الذي كان بالحكم وما يزال بإلغاء المهرجان؟
وحتى لبنان الذي يشهد منذ عقود اقتتالاً وصراعاً طائفياً لم يوقف مهرجان "بيت الدين" أو "بعلبك"، وحرصت كل الأطراف المتصارعة أن لا تمس هذه المهرجانات وأن لا تكون ساحة للتجاذب السياسي، وهذا ما فعله "حزب الله" أيضاً، فهذه المهرجانات في كل دول العالم تضع الدول على الخارطة السياحية وتصبح على أجندة الثقافة والفن، والتفريط والعبث بها جريمة لا يجوز التساهل بها.
مهرجان جرش فرصة لنعيد المطالبة بإحياء "مهرجان ليالي القلعة" الذي وئد لأسباب واهية، فهو قادر على استقطاب السياح خاصة وأنه بعمان والمكان الذي يقام به ساحر، ويقدم لزواره صورة أخرى للعاصمة غير المطاعم والمولات، وفي ذات الوقت ندعو لإعادة الاهتمام والدعم "لمهرجان الفحيص" فقد كان ايقاعه وحضوره أفضل.
"يلا على الأردن" حملة تسويقية جميلة على المحطات الفضائية تقدم البلد بصورة مفعمة بالحياة والاختلاف، والاهم أن يتحول هذا الشعار الجميل الى ممارسة تغير من أنماط وسلوكيات الأردنيين في تعاملهم وترحيبهم بضيوفنا وسياحنا، فسائق التكسي يعلم ويدرك دون رقابة وضغوط ان تلاعبه مع السياح والمصطافين يضر بالبلد ويسبب الضرر لنفسه على المدى البعيد، وكذلك الحال مع صاحب المطعم والفندق والشقق المفروشة، فالغش و"الفهلوة" ربما يحقق فائدة سريعة للبعض، ولكن تراكم هذه الممارسات والسلوكيات يصبح نمطاً ويشكل سمعة عن البلد وتضرب السياحة من جذورها وتعطي وسماً لبلد عُرف بالترحيب والضيافة للناس.
نعم الأردن مختلف بطقسه اللطيف، وتنوعه الذي لا يتوفر في أكثر الدول، بين جبال عالية في عمان وجرش، الى أخفض منطقة بالعالم البحر الميت، الى أجمل عجائب الدنيا مدينة البتراء، الى أكبر المدرجات والآثار الرومانية جرش، غير أن هذا التنوع والاختلاف لا يكفي إذا لم توفر الإمكانات لهيئة تنشيط السياحة، وأقصد الموارد المالية الكافية، وكذلك الاهتمام بوزارة السياحة باعتبارها وزارة استراتيجية وليست هامشية يعين لها خمسة وزراء في عام وبعض العام، وهي مصدر أساس لدعم الاقتصاد الوطني، وما يبعث على التفاؤل الآن وجود وزير خبير بالسياحة وليس طارئاً رغم أن الظروف الخارجية سياسياً وأمنياً تعاندنا ولا تخدمنا.
نتضامن مع مهرجان جرش لأننا نريده منارة ثقافية وملتقى إنسانيا وزمنا للفرح يقدم الأردن أنموذجاً للأمن والسلام.

التعليق