أين أخطأ أوباما بشأن إيران؟

تم نشره في الاثنين 27 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً

شلومو أفنيري*

سوف تخضع إيجابيات وسلبيات الاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي للمناقشة على نطاق واسع خلال الشهرين المقبلين، وهي الفترة التي سوف تسبق التصويت على الاتفاق في الكونغرس الأميركي. ولكن الحكم على ما يسمى "خطة العمل المشترك الشاملة" سوف يكون من خلال تنفيذها، وهو ما سوف يستغرق سنوات.
لكن هناك أمرين واضحين رغم ذلك. الأول أن أضعف بنود خطة العمل المشتركة الشاملة -وهي مرهقة ومفتوحة على التفسيرات المتنافسة- هي تلك التي تغطي الامتثال وسبل التحقق. ولذلك، فإن بعض التشكك حول تنفيذها لن يكون في غير محله.
الأمر الثاني والأكثر مباشرة، هو أن التوصل إلى اتفاق بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا (مجموعة 5+1) بدأ في حد ذاته يؤثر على توازن القوى في المنطقة. ومن المشروع أن نتساءل عما إذا كان المفاوضون من الغرب (وخاصة الولايات المتحدة) مدركين للعواقب الجيوسياسية المترتبة على هذا الاتفاق.
حتى في هذه المرحلة المبكرة، من الواضح أن الاتفاق ساعد على تمكين إيران إقليمياً. فقد أغدق نظام الأقلية العلوية بقيادة الرئيس السوري بشار الأسد الثناء على الاتفاق، مدركاً عن حق أن إيران الشيعية سوف تتمكن بفضل الشرعية الدولية والموارد المالية المعززة من تزويده بقدر أكبر من الدعم. كما حظي الاتفاق بدعم حليف الأسد الإقليمي الرئيسي الآخر، حزب الله اللبناني (والذي تصنفه الولايات المتحدة باعتباره منظمة إرهابية). كما أعربت روسيا فلاديمير بوتن عن سعادتها بتلقي المساعدة من الولايات المتحدة، وإن كان بشكل غير مباشر، في تعزيز قبضة الأسد على السلطة.
من المفهوم أن يتسبب تمكين إيران في جعل أقرب حلفاء أميركا في المنطقة يشعرون بقدر عظيم من عدم الارتياح. فقد أعربت إسرائيل والمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج الأصغر والأكثر ضعفاً عن شعورها بعدم الارتياح، كل بطريقتها.ربما تكون تركيا -حليفة الولايات المتحدة غير المؤكدة في الوقت الحاضر، ولكنها تظل عضواً في حلف شمال الأطلسي- مشغولة بالاضطرابات السياسية المحلية إلى الحد الذي يجعلها غير قادرة على الرد بشكل مفصل. ولكن من المؤكد أن الرئيس رجب طيب أردوغان ينظر بارتياب إلى الاتفاق الذي يصفه أوباما بصفات تكاد تضفي عليه طابع القداسة. كما أن القيادات المصرية، التي تواجه تحديات داخلية أيضاً، تشعر بعدم الارتياح بشكل مماثل إزاء خطة العمل المشترك الشاملة.
سواء كانت إسرائيل مستفيدة أو خاسرة من هذا الاتفاق، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سوف يكون حريصاً على الخروج رابحاً. وسيكون قادراً، بوصفه مروجاً للخوف، على تصوير الاتفاق باعتباره دليلاً آخر على عزلة إسرائيل وتخلي العالم عنها، وهو ما من شأنه أن يمكنه من الاستفادة من المخاوف الشعبية وتحويلها إلى دعم سياسي معزز لحكومته.
بل وربما ينجح نتنياهو في ضم الاتحاد الصهيوني بقيادة إسحق هرتسوغ إلى حكومته، وبالتالي دعم ائتلافه الهش. ومع أن تشبيهه للتهديد الإيراني بالهولوكوست (المحرقة) يظل سخيفاً ومبتذلاً، فإنه يبقى مع ذلك فعّالاً على المستوى السياسي. فلا شيء قد يساعد اليمين الإسرائيلي أكثر من تعظيم شعور الناخبين بكونهم محاصرين.
ربما يكون في دفاع أوباما عن خطة العمل المشترك الشاملة مساعدة لنتنياهو في هذا الصدد، وذلك بفضل بعض المزاعم التاريخية التي قد تكون أكثر إثارة للريبة من الحجج التي ساقها بشأن سياسات إيران النووية. ففي بعض تصريحاته، وفي مقابلة أخيرة مع توماس فريدمان من صحيفة نيويورك تايمز، شبه أوباما الصفقة مع إيران بانفتاح ريتشارد نيكسون على الصين في العام 1972.
وهو ادعاء ذكي ومغو. ولكنه مضلل أيضاً. ذلك أن هنري كيسنجر، وزير خارجية نيكسون، كان يستخدم استراتيجية رائعة لإضعاف الشيوعية من خلال استغلال الانقسام بين الصين والاتحاد السوفياتي. وفي محاكاة لرجل الدولة الفرنسي الكاردينال ريشيليو، ساعد كيسنجر القوة الأضعف ضد قوة عاتية. ولا يملك أوباما استراتيجية شاملة كهذه تدعم سياسته، حتى ولو كانت مبررة على أرضية منع الانتشار النووي الأضيق.
في مقابلته المذكورة مع فريدمان، أكَّد أوباما أيضاً أن المرء يجب أن يحاول فهم التاريخ الإيراني والثقافة الإيرانية. وقد يبدو هذا أمراً مألوفاً، بل وحتى حميداً، إلى أن يدرك المرء ماذا يعني أوباما. يقول أوباما: "الحق أننا متورطون بعض الشيء في إسقاط النظام المنتخب ديمقراطياً في إيران"، في إشارة إلى انقلاب العام 1953 الذي أطاح بحكومة رئيس الوزراء محمد مصدق. وعلاوة على ذلك، أضاف أوباما: "لقد ساعدت الولايات المتحدة في الماضي صدّام حسين عندما كان يستخدم الأسلحة الكيميائية ضد إيران".
وهكذا، ووفقاً لأوباما، فإن الإيرانيين "لديهم مخاوفهم الأمنية وطروحاتهم الخاصة". وهو ادعاء مناقض للتاريخ إلى حد كبير. فعلى نحو مماثل، يستطيع المرء أن يدعي أن ألمانيا كانت لديها "مخاوفها الأمنية وطروحاتها" خلال أزمة ميونيخ في العام 1938. فهل يقترح أوباما أنه كان على الولايات المتحدة أن تدعم مصدق في خضم الحرب الباردة، أو تميل إلى جانب إيران خلال الحرب بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن العشرين؟
كل هذا ربما ينبئنا بأمر أساسي حول النهج الذي تبناه أوباما في التعامل مع الاتفاق النووي مع إيران. فأولاً وقبل كل شيء، لا شك أن تركيز مفاوضيه المتواصل على القضايا المطروحة عليهم -أجهزة الطرد المركزي، ومستويات التخصيب، ومصير الوقود المستنفد، وما إلى ذلك- سمح بإتمام الصفقة، ولكن "نجاح" هذا النهج جعل مستقبل المنطقة، رغم ذلك أكثر تشوشاً وضبابية من أي وقت مضى.

*أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية. عمل مديراً لوزارة الخارجية الإسرائيلية في حكومة إسحق رابين. آخر كتبه: "ثيودور هيرتزل وأسس الدولة اليهودية.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق