ما الذي سيحدث لأطفال حلب وسورية؟

تم نشره في الأربعاء 29 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً
  • طفل يحمل الماء من شاحنة في حي مشهد في حلب التي تشهد كارثة إنسانية – (أرشيفية)

إدوارد دارك* – (ميدل إيست آي) 21/7/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كان يفترض أن يشكل عيد الفطر الذي أعقب صوم رمضان مناسبة بهيجة، خاصة للأطفال الذين يتوقعون دائماً في هذه المناسبة الحصول على ملابس جديدة، ودمى، وبعض الألعاب الترفيهية ومصروف الجيب الإضافي.
لكن الوضع لم يكن كذلك بالنسبة لأطفال حلب الذين اجتازوا مسبقاً أربعة أعياد في زمن الحرب، وأمضوا هذا العيد الأخير وهم يحملون حاويات المياه البلاستيكية من الآبار المجاورة إلى منازلهم. وكانت إمدادات المياه والكهرباء قد قطعت عن المدينة منذ ثلاثة أسابيع، وأصبحت الطريقة الوحيدة للحصول على المياه هي الاصطفاف في طوابير أمام الآبار المجتمعية في حرارة الصيف القائظ، وهو عمل يُترك معظمه للصغار بسبب إنهاك الكبار من أداء شعائر الصوم. وبدلاً من اللعب خلال عطلة المدارس، كانت هذه هي الكيفية التي أمضى بها أطفال حلب صيفهم حتى الآن. لكن هؤلاء الأطفال كانوا محظوظين مع ذلك، حيث ما تزال لهم بيوت ومدارس يذهبون إليها، بينما لا يملك الكثيرون من نظرائهم مثل ذلك.
ثمة مشهد محزن في حلب، هو أولئك الأطفال المعوزين الذين يعيشون في شوارع المدينة. العديد منهم أيتام، وبعضهم صغار السن جداً حتى أنهم لا يستطيعون الكلام؛ وليس لمعظمهم أي وثائق أو أوراق هوية. وهم يجولون في الشوارع قذرين، حفاة الأقدام ومرتدين الأسمال، وينامون على الأرصفة في الحدائق العامة أو بجوار أنابيب المولدات إذا كان الجو بارداً في الليل. ولم يكن يُسمع بمثل هذا قبل اندلاع الحرب، لكنه أصبح الآن مجرد حقيقة واحدة محزنة من حقائق الحياة، شأنه شأن القصف المستمر والموت العشوائي اللذين يسودان في هذه المدينة الممزقة.
هذا المشهد هو واحد بين أكثر المشاهد بعثاً على الصدمة مما تفعله الحرب بالمجتمع، وكيف تجرده من إنسانيته قليلاً قليلاً حتى يذهب آخر أثر للماضي. وتبدو الأزمة الإنسانية المتفاقمة في هذه المدينة ذاهبة إلى مزيد من السوء يوماً في إثر يوم. وليس ثمة ضوء في الأفق بعد أن تمددت جهود جماعات الإغاثة إلى أقصى حد، وأصبح من الصعب عليها مواكبة تردي الأوضاع إلا بالكاد.
الأيتام القادمون من الشرق
غريغوري هو متطوع في كنيسة في العزيزية، القريبة من حديقة عامة صغيرة حيث ينام هؤلاء الأطفال المنكوبين. ويقول: "إننا نقدم لهم الطعام والملابس، لكننا لا نستطيع أن نقدم لهم المأوى. لم يتبق لدينا متسع في أي مكان، وأي شيء يتوفر لدينا تأخذه العائلات المشردة الهاربة من الأحياء العالقة في الخطوط الأمامية للجبهة. هؤلاء الأطفال وحيدون، وليس لديهم وثائق أو أوراق. إننا لا نعرف من هم. بل إن بعضهم لا يستطيعون الكلام، وبعضهم لديه ذكرى باهتة عن المكان الذي جاء منه. ونعتقد أن الكثيرين منهم أيتام جاؤوا من الجانب الشرقي من المدينة، والذين قُتل اباؤهم وأمهاتهم بسبب القذائف، ولم يستطع أقاربهم الفقراء العناية بهم. إننا نعرف الكثير من الحالات حيث تم وضع الأيتام في حافلات بالملابس التي يرتدونها فقط، وربما مع دمية صغيرة، وإرسالهم إلى المدن الأكثر أمناً، حيث يقال لهم أن يذهبوا إلى حديقة عامة فقط وأن يظلوا هناك ويطلبوا المساعدة".
الحقيقة المحزنة هي أن أمر تقديم العون أصبح متروكاً للناس العاديين والجمعيات الخيرية وجماعات الإغاثة. ولا تكاد الحكومة تفعل أي شيء لهؤلاء الأطفال سوى في الحالات التي يموت فيها الآباء وهم يخدمون في الجيش. وكل البنية التحتية القائمة، بما فيها دور الأيتام ومستشفيات الأطفال، إما دُمرت، أو منيت بأضرار جسيمة، أو أنه تم تحويلها عن أغراضها لكي تستوعب الأسر المشردة. لم يبق أي شيء للتعامل مع مشكلة أطفال سورية الميتمين.
في أهوال هذه الحرب ومآسيها التي تعز عن الوصف، تشكل معاناة الأطفال أكثر المظاهر إثارة للمشاعر والأسف. إنهم الأشخاص الوحيدون الأبرياء حقاً، والذين يدفعون ثمن خطايا الآخرين. إنهم ضحايا لشيء بعيد جداً خارج قدرتهم على الفهم أو الإدراك -حتى أن أصغرهم تعلموا الآن أن يقولوا "بوم، بوم" إلى جانب كلمات "بابا" أو "دادا". والأسوأ من ذلك هي ظاهرة استخدام الأطفال في أعمال القتال الفعلي أو في أدوار الدعم القتالي، وهو شيء أصبح شائعاً جداً بين مختلف الجماعات المتمردة هنا.
أطفال "داعش" الجنود
لكن أسوأ الجناة هنا هو ما يدعى تنظيم "الدولة الإسلامية" أو "داعش"، الذي يعمل بنشاط في تجنيد وتدريب المئات من الأطفال على القتال، بل ويستخدم البعض منهم لتنفيذ التفجيرات الانتحارية أو عمليات قطع الرؤوس. ويتم تعليم هؤلاء الأطفال الكراهية العمياء فقط، ويصبحون مجرد طائرات بشرية مسلحة من دون طيار فيما يجب أن يكون أكبر الجرائم المنكرة التي ارتكبها البشر في أوقات الحرب بشاعة على الإطلاق. ويقدر أن نحو 50 طفلاً تحت سن 16 عاماً قد ماتوا حتى الآن في هذا العام وهم يقاتلون من أجل "داعش" في سورية.
لكن أكبر خسارة في الأرواح بين الأطفال السوريين جاءت نتيجة قيام القوات الحكومية السورية بقصف البلدات والمدن التي يسيطر عليها الثوار بما يدعى قنابل البراميل، وهي ذخائر ثقيلة غير موجهة يتم إسقاطها من ارتفاعات هائلة من الطائرات العمودية. وهذه القنابل عشوائية وغير قادرة على التمييز بطبيعتها، والتي تنتهي إلى قتل المدنيين بأعداد أكبر بكثير من أعداد المقاتلين من الثوار في مناطق كثيراً ما تكون سكنية ومكتظة للغاية حيث تسقط. وفي شرق مدينة حلب وحدها، قتل الآلاف من الناس بهذه الطريقة، وشكل الأطفال نسبة كبيرة منهم، بعضهم بينما كانوا نياماً في منازلهم.
هذا الدمار الهائل الذي حول الكثير جداً من أجزاء البلد إلى ركام وشرد الملايين من سكانه، أوقع أيضاً حصيلة أكبر بكثير من الضرر بأكثر مواطني البلد هشاشة وانكشافاً: الأطفال. وقد أصبحت للكثيرين منهم الآن فرص ضئيلة، أو حتى معدومة، في الحصول على التعليم في مخيمات اللاجئين القذرة، بينما كان التعليم قبل اندلاع الأزمة إلزامياً ومجانياً. وبدلاً من ذلك، أصبح الأطفال الآن مُجبرين على العمل –أو التسول- من أجل مساعدة عائلاتهم على البقاء.
ثمة الآن ما يقدر بنحو 4 ملايين لاجئ سوري يعيشون في الدول المجاورة، حيث لا تتوفر المصادر الكافية للتعامل مع احتياجاتهم ببساطة؛ والأسوأ من ذلك هو تكرار انقطاع المساعدات عنهم في أكثر من مناسبة. وحيث علق هؤلاء اللاجئون في منطقة الليمبو، بلا أمل ولا مستقبل، فإنهم ينتظرون نهاية حرب لا يبدو لها طيف في الأفق المنظور، -على الأقل، ليس في الوقت المناسب لإنقاذ أي شيء ربما يكون قد تبقى من طفولة الصغار السوريين وبراءتها.
إن مستقبل سورية –أطفالها- يتعرض للتدمير والافساد. وحتى لو أن الحرب انتهت غداً، فإنه ليس ثمة شيء يمكن أن يصف حجم أو ديمومة الندوب والصدمات النفسية التي لحقت بأكثر أبنائها هشاشة. كيف يمكنك أن تعيد تأهيل طفل لم يسبق له أن عرف أي شيء سوى القتل والحرب؟ كيف تستطيع أن تعلمه أن يحمل كتاباً بدلاً من البندقية، أو أن لا يخاف من الموت كلما سمع صوت ضجة عالية؟ كيف يمكنك أن تعلمه أن هناك أشياء أخرى في العالم غير الشر والكراهية؟ أن هناك أملاً وحباً في الدنيا أيضاً؟ ستكون هذه هي أصعب التحديات التي سيترتب التغلب عليها في سورية ما بعد الحرب.

*كاتب العمود المقيم في حلب لموقع "ميدل إيست اي"، وهو يكتب تحت اسم مستعار.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: What will happen to the children of Aleppo and Syria؟  

  ala.zeineh@alghad.jo                                                                               

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تعليق (مصدوم)

    الخميس 30 تموز / يوليو 2015.
    لا حول ولا قوة الا بالله.
    شيء محزن جدا.
    اللهم اني أعوذ بك من زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ