د.أحمد جميل عزم

إدماج "التدويل" بالمفاوضات!

تم نشره في الأربعاء 12 آب / أغسطس 2015. 11:04 مـساءً

جاء توجه القيادة الفلسطينية للأمم المتحدة لطلب الاعتراف الدولي بفلسطين دولة، ثم الانضمام لمحاكم ومنظمات دولية، عقب تعثر المفاوضات، ورفض الإسرائيليين تجميد الاستيطان، ما جعل المفاوضات غطاءً لإضاعة الوقت. وبالتالي، فمسألة الوقت أساسية في السياسة الفلسطينية. لكن مضى الآن أربع سنوات على تبني هذه "الاستراتيجية"، وعدا عن تواضع النتائج العملية لها، فإنّ هناك مؤشرات أنها أُدمجت ضمن التكتيكات والقرارات التفاوضية، فلم تعد عملية مستمرة، بغض النظر عن المفاوضات (أي لم تعد موازية)، فضلا عن أنّه من غير المطروح أنّها بديل متكامل.
أولى الملاحظات التي يمكن تأكيدها الآن، بعد سنوات من تصدر هذه الفكرة لمشهد العمل الفلسطيني، أنّه لم يعد ممكناً القول إنّها تشكل خطة عمل حقيقية. ويحدد وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، في مقابلة نشرت قبل أيّام في صحيفة "القدس"، المقدسية، وظيفة التدويل بالقول: إنّ "الجانب الفلسطيني اكتشف خلال السنوات الأخيرة أنّ هناك مسارات أخرى مهمة جدا لا تقل أهمية عن المسار التفاوضي (...) مرتبطة بالعمل السياسي الدولي والدبلوماسية الدولية والإطار القانوني الدولي". ويحدد أهداف ذلك بأنها "تعزيز عزلة إسرائيل دوليا"، حتى تضطر إلى التفاعل مع مطالب المجتمع الدولي. ويشير إلى التحرك في المحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة "اليونسكو"، ومجلس حقوق الإنسان، والانضمام للمنظمات والمعاهدات الدولية، وهذه كلها "سوف تصقل الشخصية المستقلة والقانونية لدولة فلسطين بشكل كبير، وتقربنا أكثر من المنظومة الدولية للدول المستقلة". وبالتالي، وبحسب هذا العرض، يصعب القول إنّ الحراك "التدويلي" يشكل استراتيجية عمل متكاملة؛ فهو يحسن وضع الفلسطينيين قانونياً ودولياً، ويضغط على الإسرائيليين ليتجاوبوا مع الضغط الدولي المأمول، لكن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم عملياً يتفاوضون مع الفرنسيين والأميركيين وغيرهم، بشأن التدويل، أكثر من تجنيدهم موقفا دوليا ضاغطا على الإسرائيليين.
الملاحظة الثانية هي أنّ إيقاع عملية التدويل بات مرتبطاً (بل مندمجاً) بالمفاوضات وليس مستمراً موازياً، وبشكل متصاعد أو ثابت، بغض النظر عن وجود التفاوض. فيتم إبطاء التدويل إذا حدثت مفاوضات (كما حدث إبان المفاوضات التي رعاها جون كيري في العامين 2013 و2014)، أو حتى بانتظار المفاوضات، كما يحدث الآن. إذ بحسب تصريحات أكثر من مسؤول فلسطيني، منهم رئيس الوزراء رامي الحمدالله لصحيفة "واشنطن بوست" مؤخراً، ووزير الخارجية المالكي في المقابلة المشار لها آنفاً، ينتظر الفلسطينيون الآن توقف انشغال الأميركيين بالملف الإيراني. وبعد انتظار المفاوضات النووية، ينتظرون الآن إقرار الاتفاق في الكونغرس. ومن غير المعروف حقاً لماذا الانتظار، وماذا سيفعل الطرف الفلسطيني لو لم  ينتظر. إذ لا يمكن الاعتقاد أنّ الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية، مثلا، يشكل سياسة بديلة أو كافية لأي شيء آخر، فالمحكمة في أحسن الأحوال وبعد سنوات طويلة، ستتحدث عن جرائم الاحتلال، ولن تقدم آلية فعلية لإنهاء الاحتلال. وبالتالي هي أداة مساعدة ليس إلا.
أمّا الملاحظة الثالثة، فهي أنّ عملية التدويل لم توضع ضمن سياق مؤسساتي وطني فلسطيني شامل؛ أي إنّ عمليات التحرك دولياً لا تأتي ضمن بناء جبهة وطنية واسعة، تناقش وتقرر وتحدد خطوات العمل. وليس أدل على ذلك من الجدل والغضب، واحتجاج قوى وجهات متحالفة عادة مع الرئاسة الفلسطينية وموجودة ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، وحتى من قيادة حركة "فتح"، وذلك عندما قدمت مسودة قرار فلسطيني لمجلس الأمن الدولي للتصويت عليه نهاية العام 2014، ليحدد نهاية للاحتلال. وانصب الجدل حينها، بالدرجة الأولى، على نص القرار. والعبرة الأساسية هي أنّ القرار والخطوات لم تبنِ بعد استعدادا يُشكّل موقفا وطنيا داعما بشأنها، بل أوكل أمر المحكمة الجنائية الدولية للأشخاص ذاتهم الذين أوكلت لهم المفاوضات.
هذه الملاحظات (بطء الإيقاع، وربطه بالمفاوضات وبانشغالات البيت الأبيض، وعدم بلورة جبهة وطنية فاعلة ومشاركة في صياغة خطة عمل)، تجعل "التدويل" كما كان الحراك على الساحة الدولية، ومنذ عشرات السنوات، أداة مساعدة مهمة لدعم استراتيجية عمل محتملة، ولكنها لا تشكل استراتيجية حقيقية. وربما هناك حديث عن المقاومة الشعبية كمكمل لاستراتيجية العمل الفلسطيني، لكن على الأرض تبقى هذه المقاومة ضمن مبادرات محلية؛ تتسارع وتبطئ من دون حراك مركزي أو مخطط، وتأخذ شكل ردود أفعال على ممارسات الاحتلال.

التعليق