د.أحمد جميل عزم

"نيكروبولتيكس" السجون

تم نشره في الخميس 13 آب / أغسطس 2015. 11:04 مـساءً

مما يثير الدهشة هو إصرار المستوطنين الصهاينة اليهود على استخدام الحرق في جرائمهم؛ بدءا من محمد أبوخضير، وصولا إلى عائلة دوابشة في قرية دوما، إلى حرق الأشجار والمزروعات يومياً. ومصدر الدهشة أنّ اليهود تعرضوا للحرق في الحقبة النازية في ألمانيا؛ أي إنّهم أحسوا ببشاعة الموقف مراراً. ولا تتوقف الدهشة هنا، فطريقة بناء السجون وأنظمتها في إسرائيل هي استنساخ آخر لسجون النازية.
أنا من جيل كانت قصص أبو علي شاهين في معتقلات الاحتلال، جزءا من معينه المعنوي. وبغض النظر عن الخلافية التي اكتنفت شخصيته ومواقفه السياسية رحمه الله، في النهاية، إلا أنّ دولة السجين الفلسطيني التي أسهم في تأسيسها بعد أن ترك العمل في السعودية وبعد اعتقاله نهاية الستينيات، عندما رافق ياسر عرفات في محاولة تفجير ثورة مسلحة في الأراضي المحتلة، بتسلله هناك، ستبقى أحد أهم معالم النضال الفلسطيني.
التقيت أبو علي نهاية العام 2010، لنحو سبع ساعات، تحدثنا فيها في موضوع واحد تقريباً، هو "إضراب نفحة" العام 1980. يومها، ذكر أمرا كان ذكره لي أسير سابق من أبطال نفحة، هو يونس الرجوب، إذ قال (وهنا أتحدث من الذاكرة لأني فقدت التسجيل): لقد سميناه "أوشفيتز"، أي السجن النازي الشهير؛ كنا على قناعة أنه استنساخ لسجون نازية.
ويقول الرجوب (وهو ما كتبتُه سابقا): إنّ الإسرائيليين استنفروا العقول الشيطانية بمعهد الهندسة التطبيقية (التخنيون) لإنشاء مبنى للعذاب، يُحتَسَب فيه ويُقتّر الهواء والضوء. وجُعلت ساحة المعتقل وسط المبنى، وفُتحت في جدارها الشرقي أربعة شبابيك صغيرة محصنة بقضبان حديدية، مغطاة من جهتي الجدار بلوحي صفيح مخرّمين، تستخدم مكاناً لزيارة الأهل. ثم كانت تغلق الشبابيك عقب الزيارة بصفيح مصمت، وكانت الفوهة العلوية المخصصة لدخول الهواء إلى الساحة مُغطاة بثلاثة أنواع من الأسلاك الشائكة. تصبح الحياة للجلاد والطاغية، نوعا من الهندسة البيولوجية، حيث يدرس ما الذي يمكن أن يجعل الشخص قريباً من الموت، يتعذب ولا يموت؛ أقل هواء وماء وطعام ممكن، وأقل مساحة ممكنة، وأقل قدرة ممكنة لقضاء الحاجة.
عرفت مصطلح "نكروبولتيكس" لأول مرة من الباحثة علا التميمي، في ورقة بحثية عنوانها "سياسات الموت في قطاع غزة". وهي تستعير المصطلح من الباحث "Achille Mbembe"، وحديثه عن آليات السيطرة على الحياة والموت الهادفة إلى خلق حياة مجردة. وتصف كيف تذهب السياسات الإسرائيلية في التحكم بقطاع غزة وما يدخله من طعام وكهرباء إلى خلق إنسان "غير منتج". وتشير لتقرير صادر عن وزارة "الدفاع الإسرائيلية"، العام 2012، يُظهر كيف عملت إسرائيل على حساب السعرات الحرارية اليومية التي يحتاجها الفرد في قطاع غزة.
هو ما قاله لي أبو علي أيضا، وكيف صرخوا في السجانين: نريد "حياة" لا أن "نعيش" فقط. كانوا يرفضون أن تكون حياتهم بيولوجية بحدها الأدنى. 
في نفحة العام 1980، استشهد راسم حلاوة، وعلي الجعفري، وإسحق مراغة، بعد تغذيتهم الإجبارية بواسطة إدخال "بربيش" لأمعائهم.
لقد كانت النازية حرقا للقتل، وتجويعا وحسابَ سعراتٍ حرارية لما يمكن أن يكفي الإنسان في المعتقلات ليعيش ويعمل أحياناً، ولكن من دون إشباع أو طاقة كافية للحياة، وهي السياسات الإسرائيلية ذاتها.
ينتفض الأسرى الآن، ليرفضوا تلك المنزلة بين "الحياة" و"الموت". فتقنين الطعام، والهواء، والماء، وقضاء الحاجة، موجهةٌ ضد الجسد؛ والاعتقال الإداري، والحجز الانفرادي، ومنع الزيارات، تستهدف العقل والروح والإحساس.
في الإضراب عن الطعام، تحد لشعور الجلاد بالقدرة على التحكم بالحياة والموت (هندسة البيولوجيا الجهنمية). ما يحدث الآن في فلسطين، أعمق عمليات صراع النفس البشرية،؛ بين الحياة والشر، وهي معركة روح الإنسان ومعناه.
المستوطن، كما عنصر تنظيم "داعش"، يريدان النار للقتل، فيما مناضل الحرية يريدها للدفء. أولئك يريدان تقييد النظر، والسمع، الإحساس، وتقرير من يملك ماذا ولماذا، مقابل إنسان يؤمن بالحياة والإنسان والحرية.
من هنا يقول يونس الرجوب عن لحظات نفحة: إنّه رغم آلام جوع الإضراب، فإنّ فيه "الحكايا الجميلة، والأحلام التي يشم فيها المناضل رائحة الخبز فيصحو مبتهجاً ومتهللا للحياة وكأنه في زفة أفراح". تَمسُك الفلسطيني ومن معه بالحياة، يجب أن يكون واعياً لمعنى الحياة، ورافضاً للكره والقتل والخنق.

التعليق