حرب روسيا على الاقتصاد الأوكراني

تم نشره في الأحد 30 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً
  • أوكرانيون يطالبون بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي - (أرشيفية)

أندريس أوسلوند*

واشنطن، العاصمة- ربما لم يعد اقتصاد أوكرانيا في حالة سقوط حر، ولكنه يظل في حالة يرثى لها. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني بنحو 6.8 % في العام الماضي، ومن المتوقع أن يتقلص بنسبة 9 % أخرى هذا العام -بمجموع خسارة تعادل 16 % تقريباً في غضون عامين. وفي حين تبدو الأمور، إلى حد ما، وكأنها تقترب من الاستقرار -حيث أدى خفض قيمة عملة أوكرانيا (الهيريفنيا) إلى إزالة عجز الحساب الجاري، وكان ضبط الأوضاع المالية على نطاق هائل سبباً في تحقيق ميزانية أوكرانيا لرصيد نقدي في النصف الثاني من هذا العام- فإن الوضع يظل غير مستقر.
إن التحديات الاقتصادية الرئيسية التي تواجه أوكرانيا ليست محلية؛ بل هي نتيجة للعدوان الروسي. فقد قامت الجارة الشرقية العدوانية بضم شبه جزيرة القرم، ورعاية المتمردين في شرق أوكرانيا، وشن حرب تجارية، وقطع إمداداتها من الغاز الطبيعي بشكل متكرر، فضلاً عن التهديد بشن هجوم مالي. حتى الآن، تمكنت أوكرانيا بأعجوبة من الصمود في وجه هذه الاعتداءات بقليل من الدعم الدولي -ولكنها في حاجة ماسة إلى المساعدة.
كان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في آذار (مارس) 2014 سبباً في حرمان أوكرانيا من 4 % من الناتج المحلي الإجمالي. ومنذ ذلك الحين، احتلت القوات المسلحة التي تدعمها روسيا من احتلال مناطق في شرق أوكرانيا لتقتطع بذلك 10 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في العام 2013. ومع انخفاض إنتاج منطقة الدونباس بنسبة 70 % في الأشهر التي تلت ذلك، كلف ذلك أوكرانيا نحو 7 % من ناتجها المحلي الإجمالي في العام 2013.
منذ العام 2013، كانت العقوبات التجارية الروسية سبباً في خفض صادرات أوكرانيا إلى روسيا بنسبة 70 % -والذي يمثل انخفاضاً بنسبة 18 % في إجمالي صادرات أوكرانيا. في العام الماضي وحده، انخفضت صادرات أوكرانيا إلى روسيا -والتي كانت تتضمن الآلات، والصلب، والسلع الزراعية، والمواد الكيميائية- إلى النصف. وبسبب مسائل لوجستية، والافتقار إلى الروابط التجارية، والتخصص في بعض المنتجات، لم يكن في الإمكان إعادة توجيه هذه السلع في الأمد القريب. ووفقاً لتقديراتي فإن الخسارة من المرجح أن تعادل انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني بنسبة 6 %.
الواقع أن رجال الأعمال في كل مكان على بينة من الاعتداء الروسي على أوكرانيا، ومن غير المستغرب أن عدداً قليلاً منهم قد يرغب في الاستثمار في منطقة حرب. ونتيجة لهذا، تبخر صافي الاستثمار المباشر الأجنبي في أوكرانيا، والذي كان أعلى قليلاً من 3 % من الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني قبل بداية الأعمال العدائية. وهذا يعادل انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 %. وإضافة إلى هذا، واجهت أوكرانيا حرباً متقطعة في مجال إمدادات الغاز. وربما يأتي الهجوم المالي قريباً.
إذا نحينا شبه جزيرة القرم جانبا، فسوف يكون بوسعنا أن نحاول بشكل متحفظ تقدير خسائر أوكرانيا الاقتصادية بسبب العدوان الروسي. ما يقرب من 7 % من خسارة الإنتاج في منطقة شرق أوكرانيا المحتلة، ونحو 6 % خسائر بسبب العقوبات التجارية، بالإضافة إلى 3 % من خسارة الاستثمار المباشر الأجنبي، وبهذا يصبح المجموع 16 % من الناتج المحلي الإجمالي -وهذا يمثل إجمالي خسائر أوكرانيا منذ بداية العام 2014 إلى نهاية هذا العام.
إن هدف روسيا الواضح -وغير المعلن- يتلخص في ضمان فشل أوكرانيا الديمقراطية، من دون أن تبدو مذنبة بشكل كامل بالتسبب في ذلك الفشل. ويقودنا هذا إلى استنتاج مهم: وهو أن أوكرانيا ليست الجاني بل الضحية، ولا بد من التعامل معها وفقاً لذلك. ولا أحد يستطيع أن يواجه العدوان العسكري بتثبيت استقرار الائتمان فحسب، بل بالاستعانة بالدعم العسكري أيضاً.
ينبغي للبلدان الأوروبية أن تنتبه إلى أن نزعة الكرملين القتالية في منطقة البلطيق ومنطقة البلقان تعني أن التهديد الروسي لا يقتصر على أوكرانيا. ولا بد أن تكون الأولوية الآن لتسليم الأسلحة لأوكرانيا قبل الهجمات الروسية، سواء كان ذلك علناً أو سراً.
في الأول من تموز (يوليو)، فتحت روسيا جبهة جديدة في الحرب الاقتصادية ضد أوكرانيا عندما قررت من جانب واحد شركة الطاقة العملاقة "غازبروم"، التي تملك الدولة الروسية غالبية أسهمها وتتابع أهداف السياسة الخارجية الروسية على نحو أشبه بالعبودية، قطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا. ونظراً لوجود فائض عالمي في الغاز، فإن أوروبا في موقف يسمح لها بأن تقول لروسيا بعبارات واضحة إن ممارساتها الفاسدة لم تعد مقبولة. وبشكل خاص، ينبغي للمفوضية الأوروبية أن تصر على تمكين أوكرانيا من الاستمرار في استيراد الغاز من غازبروم من أجل زيادة الإمدادات الأوروبية.
وعلاوة على ذلك، تجعل الحرب الاقتصادية من المستحيل تقريباً على أوكرانيا أن تتعامل مع الأزمة الإنسانية التي أحدثها العدوان الروسي: فقد قُتِل أكثر من 6000 مواطن، وأصيب عشرات الآلاف، فضلاً عن نزوح 1.3 مليون مواطن داخلياً. ويتعين على المجتمع الدولي، والاتحاد الأوروبي في المقدمة، أن يبادر إلى تقديم مساعدات إنسانية كبيرة.
إن برنامج دعم الاستقرار في أوكرانيا مع صندوق النقد الدولي يمثل خطوة سليمة، ولكنه يعاني من نقص التمويل. فهناك احتياج إلى أموال إضافية تبلغ نحو 10 مليارات دولار لزيادة احتياطيات أوكرانيا الدولية وتثبيت استقرار عملتها حتى يصبح من الممكن إلغاء الضوابط. ولابد أن تأتي هذه الأموال من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يجعل حرب روسيا التجارية ضد أوكرانيا نقطة محورية في أي مفاوضات تجارية مع الكرملين. كما ينبغي له أن يسارع إلى إلغاء حصص التصدير الصارمة التي يفرضها على السلع الأوكرانية.
وأخيراً، لا بد من استخدام كل السبل القانونية لتحميل روسيا المسؤولية. ولا ينبغي للعقوبات ضد محاسيب الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أن تستمر فحسب، بل لا بد من تعميقها أيضاً. وينبغي للولايات المتحدة أن تتابع نجاحها في التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم من خلال فضح المجرمين في نظام الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش وبطانة بوتن. ولأن كثيرين منهم يملكون حسابات مصرفية دولية بالدولار الأميركي، فإنهم عُرضة للملاحقة القضائية الأميركية. ولا ينبغي لنا أبداً أن نترك أوكرانيا تواجه روسيا بمفردها.

*زميل رفيع في مجلس الأطلسي في واشنطن، العاصمة، آخر كتبه "أوكرانيا: ماذا حدث خطأ وكيف يتم إصلاحه؟".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق