ثمة شيء متعفن في لبنان.. وهو ليس أكوام القمامة بالشوارع فقط

تم نشره في الأحد 30 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً
  • أشخاص يقومون بإحراق القمامة بالحاويات في شوارع بيروت - (أرشيفية)

ديفيد كينر - (فورين بوليسي) 25/8/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بيروت، لبنان- بكل المعايير، تستحق الحكومة اللبنانية الاحتجاج عليها.
إن قادتها ينتهكون قواعد الديمقراطية على نحو منتظم: مدد البرلمان ولايته بشكل غير دستوري مرتين؛ حيث يستفيد البرلمانيون من طائفة سخية من المزايا التي صوتوا لمنحها لأنفسهم؛ وما يزال البلد من دون رئيس منذ 15 شهراً، نظراً لأن البرلمان فشل في انتخاب رئيس جديد؛ كما أنه لم يقر موازنة رسمية منذ العام 2005. وفي الأثناء، تنكمش الخدمات الأساسية في البلد؛ حيث يعاني الناس من ساعات من انقطاع التيار الكهربائي في كل يوم، وثمة نقص متصاعد في إمدادات المياه.
بشكل عام، هناك نحو 1.5 مليون لاجئ سوري في البلد؛ حيث يعيش العديد منهم في ظل ظروف مزرية. وقد تمثل الرد الحكومي الوحيد في وقف تسجيل الأمم المتحدة للاجئين جدداً، ومحاولة وقف الدخول السوري إلى داخل البلد. ودعونا لا ننسى الاشتباكات المستمرة بين مجموعتي "حزب الله" و"الدولة الإسلامية" هناك، بالإضافة إلى المجموعات السنية الجهادية المتجمعة هي الأخرى على طول الحدود مع سورية -وهو ما يشكل أزمة وجودية على عتبة لبنان، والتي لا تملك الدولة حولاً ولا قوة لحلها.
لكن ما أثار التركيز على الغضب الشعبي في لبنان، كان تفجر أزمة بسبب النفايات. فبعد إغلاق مكان تجميع رئيسي للنفايات في شهر تموز (يوليو)، تكدست عشرات آلاف الأطنان من النفايات في شوارع بيروت. وبينما ارتفعت أكداس النفايات، تحولت البلديات على نحو متزايد إلى دفن وحرق النفايات بشكل غير قانوني بهدف التخفيف من المشكلة. وفي ضاحية الحمراء البيروتية، أصبحت أكداس النفايات ضخمة جداً إلى درجة أنها في إحدى النقاط أغلقت تقاطع طرق رئيسيا. وقد غطى عمال الصحة النفايات بتراب أبيض رقيق بغية القضاء على الحشرات، لكن ذلك لم يفعل شيئاً لمنع انبعاث الرائحة الخانقة في حرارة الصيف.
من جهته، قال أسعد ذيبيان، الناطق بلسان مجموعة احتجاج تطلق على نفسها اسم "طلعت ريحتكم"، والتي كانت قد نظمت مظاهرات منتظمة ضد الوضع الراهن: "إن الحكومة تلحق الضرر بكل من يعيش في لبنان. الناس يتنشقون رائحة النفايات. وتغلق النفايات الطرقات السريعة والشوارع. وهي تظهر افتقار الحكومة إلى القدرة على وضع حلول مناسبة للأزمات العامة".
يوم الأحد 23 آب (أغسطس)، نظمت حركة "طلعت ريحتكم" مظاهرة في وسط بيروت، والتي نزل خلالها الآلاف من الناس إلى الشوارع للاحتجاج على الوضع. وأطلق العديد من المتظاهرين هتافات تحيل إلى احتجاجات الربيع العربي في العام 2011، الداعية إلى الثورة. ومع ذلك، انتهت تلك المناسبة إلى فوضى عارمة: فقد اشتبك بعض المتظاهرين مع القوات الأمنية، بينما قذف آخرون قنابل المولوتوف وردت عليهم قوات الشرطة بمدافع المياه والطلقات المطاطية، في قتال شوارع ترك أكثر من 400 شخص جرحى.
يبرز كفاح حركة الاحتجاج الوليدة هذه طبيعة التناقض المركزي للسياسة هنا. فلدى لبنان واحدة من أضعف الحكومات في الشرق الأوسط برمته، لكنها استطاعت إجهاض المطالب الشعبية بالإصلاح على نحو أكثر فعالية من الناحية العملية من كل الدول العربية المحيطة بلبنان. وتشهد بلدان مثل مصر وسورية وليبيا -وهي دول تتوافر على مؤسسات عاملة وقوات أمنية مهيبة الجانب- تغييرات معمقة بفعل الاحتجاجات والحرب على مدار الأعوام الأربعة الماضية. لكن بيروت تظل، في الأثناء، تتمتع بحصانة من القلاقل الشعبية.
ليست الصورة وكأن الحكومة اللبنانية تتمتع بكفاءة قوية في الدفاع عن الوضع القائم. فردها على حركة الاحتجاج ما يزال غير متناغم. ويوم الاثنين الماضي، عمدت السلطات إلى بناء جدار لحماية السراي الكبير حيث يوجد مكتب رئيس الوزراء -فقط لتقوم بهدمه يوم الثلاثاء بعد أن ملأه المحتجون برسوم غرافيكية تسخر من الحكومة. ويوم الاثنين، أعلن وزير البيئة، محمد المشنوق، عن التوصل إلى "نهاية سعيدة" للأزمة، بينما أعلن عن أسماء الشركات التي فازت بعقود جديدة لإدارة الفضلات، لكن الحكومة ألغت العطاءات الفائزة يوم الثلاثاء.
لا يأتي التحدي الفعلي الذي تشكله حركة الاحتجاج من جانب الحكومة، وإنما من خلال تنظيم جبهة عامة تمتد عبر كل الانقسامات الدينية والمجتمعية في لبنان. ويبدو أن الأمر أصبح نضالاً أيضاً، فقد ألقى المنظمون باللائمة في اندلاع الاشتباكات على "متسللين" عازمين على تمزيق الطبيعة السلمية للمظاهرة. ونشرت حركة "طلعت ريحتكم" على صفحتها في وسيلة التواصل الاجتماعي، "فيسبوك"، شريط فيديو لمئات الشباب وهم ينضمون للاحتجاج بشكل جماعي، مشيرة لهم على أنهم "متسكعون" تم تحريضهم قصداً على ممارسة العنف ضد القوات الأمنية.
وقال ذيبيان عن المحتجين الذين اشتبكوا مع قوات الشرطة: "لقد أرادوا في الحقيقة تدمير المظاهرة. لقد أرادوا تحويل المظاهرة إلى مسألة نزاع طائفي، الأمر الذي نرفضه جملة وتفصيلاً".
في الأثناء، يعكس تعليق ذيبيان أصداء مخاوف من أن يكون بعض المتظاهرين يأملون في استخدام الاحتجاجات كوسيلة ضغط في اللعبة السياسية التقليدية للبلد بدلاً من بناء حركة علمانية حقيقية. وقد استغل بعض الناشطين والأحزاب السياسية حقيقة أن "المتسللين" الذين اشتبكوا مع الشرطة بدوا من الشيعة -مشيرين إلى أوشامهم وقلاداتهم الدينية- كدليل على أنهم أرسلوا من جانب حركة أمل المصطفة مع حزب الله/ من أجل اختطاف الاحتجاج. وقد نفت حركة أمل تورطها في الاشتباكات. ومن جهتها، نشرت القوات اللبنانية، الحزب المسيحي، منشوراًً على موقعها الإلكتروني يبرز الهتافات الشيعية أثناء الاحتجاجات، ويتهم الشباب المشاركين بأن لديهم نوازع طائفية.
يوفر هذا الجدل حالة دراسة للكيفية التي يعيق بها النظام السياسي اللبناني جهود الإصلاح. وقد لا تستدعي مؤسسات الدولة في البلد الكثير من الاحترام، لكن أحزابها السياسية المتنوعة تعد شرعية في أعين داعميها، وهي كفؤة على نحو لا يرحم في اللعب على مخاوف أعضائها.
لا يرقى ساسة لبنان فوق مستوى إرسال الشباب الغاضب لتقويض احتجاج سلمي -معظمهم كان قد نجا من الحرب الأهلية الوحشية، وقاوم بعناد التهديدات الموجهة لسلطته على مدار ربع قرن منذئذٍ. وفي الأثناء، فإن حقيقة أنه كان لمحتج وشم يحمل رسالة شيعية محددة لا تعني أن المحتجين كانوا قد تلقوا التوجيه من ساسة شيعة أكثر مما تعني أن المتظاهرين الذي كانوا يرتدون قلادات الصليب كانوا يتصرفون بتوجيهات من القادة السياسيين المسيحيين. وكانت مظاهرة سابقة يوم السبت في الأسبوع الماضي قد انحدرت نحو العنف من دون أي اتهامات بأن "متسللين" قد تسببوا في الاشتباكات.
لكن، بغض النظر عن توجهات القادة السياسيين، فإن القوة الأكثر قدرة تكمن في خوف المواطنين اللبنانيين من فقدان الأرضية في المعارك الطائفية. وكانت حركة "طلعت ريحتكم" قد نشرت مادة على "فيسبوك" تنم عن الحنق وتفصل كيفية اتهامها بالعمل كبيدق لكل واحد من حركة المستقبل السنية إلى حزب الله وإلى قوى أجنبية.
تبرز الاتهامات حقيقة أنه ينظر إلى السياسة في بيروت على أنها لعبة محصلتها صفر؛ فإذا كانت الأحزاب التي تعود إلى إحدى الطوائف رابحة، فإن الآخرين يجب أن يكونوا خاسرين.
وتأمل حركة "طلعت ريحتكم" في تفادي هذا المنطق الطائفي. وقد ألغت مظاهرة كانت مقررة يوم الاثنين الماضي لإعادة التجمع، وأعلنت أن الاحتجاجات سوف تستأنف يوم 29 آب (أغسطس). وبوجود أيام عدة للتحضير، يعتقد المنظمون بأنهم يستطيعون الحفاظ على الاحتجاجات سلمية ووفق الرسالة المبتغاة.
ووعد ذيبيان: "سيكون لدينا تنظيم أفضل وستكون لدينا اتصالات أفضل ومطالب واضحة جداً بحيث نستطيع حماية أنفسنا".
لن تكون هذه مهمة سهلة على أي حال. فما تزال النفايات تتكدس في شوارع بيروت منذ بضعة أشهر. ولكن القوانين الفاسدة للعبة السياسية في لبنان ما تزال قيد العمل منذ عقود.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: There is something Rotten in Lebanon

التعليق