خبز الشعير

تم نشره في الجمعة 4 أيلول / سبتمبر 2015. 12:07 صباحاً

الخبز غذاء رئيس لمعظم شعوب الأرض؛ عرفه الإنسان في بلادنا، كما في أوروبا والهند، قبل ما يزيد على ستة آلاف عام، وتطورت صناعته وأساليب إعداده إلى أن وصل إلى ما نراه اليوم.
يحضّر الخبز من دقيق القمح أو الذرة أو الشوفان أو الأرز، مضافا لها الملح والماء والخميرة. وقد يضيف البعض الزيت أو السماق والزبيب، وأي من عشرات المواد التي أسهمت في تنوع وتلوين وتباين نكهات أكثر أنواع الغذاء شيوعا ورمزية. وقد كان يجري خبزه من خلال تعريض عجين الدقيق للحجارة التي يجري تسخينها لأوقات محددة، أو من خلال دفن العجين المفرود على هيئة قرص دائري في خليط من الجمر والرماد، وتقليبه، بعد إزاحة النيران على زوايا وجنبات القرص الدفين.
لقرون طويلة، لم يكن الحصول على الخبز أمرا هينا؛ فقد كان بعيدا عن متناول الفقراء وأبناء الطبقات الدنيا والعبيد. ويعود ذلك لصعوبة وتعدد العمليات التي تتخذ لتحضيره؛ بدءا من زراعة الحبوب وحصادها ودرسها وتنقيتها، وصولا إلى طحنها وعجنها وخبزها، في غياب الوسائل التي نعرفها اليوم. فقد كانت جميع خطوات التحضير يدوية، تحتاج إلى وقت وجهد يصعب توفيرهما في غياب الأدوات التي نملكها اليوم. إذ كان يتطلب إعداد كمية محدودة من الدقيق دق القمح يدويا لساعات بأدوات بدائية. فلم تظهر المطاحن التي وفرت لنا الدقيق بشكله المألوف اليوم وكمياته التي نحتاج لها، إلا قبل قرابة قرن من الزمان.
في بلادنا وأوروبا، اكتسب القمح شهرة واسعة كمصدر لدقيق الخبز، بعكس مجتمعات أميركا اللاتينية وإسبانيا الذين أقبلوا على إنتاج الذرة، واتخذوا من دقيقها مصدرا أساسيا لصناعة التورتيا "الخبز" الذي يرافق جميع وجباتهم، إلى جانب الفاصولياء والفول والجبن. أما الشعوب الآسيوية الأخرى، فقد كان الأرز غذاءها الأساسي إلى جانب الخبز، ومئات النباتات والمنتجات الزراعية التي ميزت أطباقها لقرون.
من بين كل أصناف الخبز، كان خبز الشعير أقلها جودة، لأسباب ترتبط بقوام حبات الشعير وخشونة قشورها التي لا تنفصل عن الدقيق بسهولة، وتبقى لصيقة بما في داخلها. ولذا، فقد ظل الشعير غذاء العمال والزراع والخدم والفقراء؛ يجري دقة أو طحنه في المطاحن الحجرية، فتختلط قشور حباته مع دقيقها في مادة أولوية، يجري عجنها وخبزها لتتفتت الأقراص وتتفطر وتتبدى من شقوقها قشور حبات الشعير التي غالبا ما تعلق بين الأسنان وسقف الفم وحلق من يتناولها، ما جعل الناس مضطرين لتناوله للتخلص من قرصات الجوع. خبز الشعير كان البديل الغذائي الوحيد للفقراء؛ يقبلون عليه لأن لا خيارات لديهم. فخبز القمح حكر على الميسورين والضيوف. والكثير من أجدادنا لم يعرفوا غير خبز الشعير، فظلوا يتناولونه وعيونهم على خبز القمح الذي أبقاه الولاة بعيدا عن متناولهم.
في ثقافتنا الشعبية، مثل يردد عند ملاحظة قيام الناس بفعل لا يبدون ثمة رغبة فيه، أو عندما يتعاملون مع أشخاص لا يحترمونهم، إذ يُقال: "والله فلان مثل خبز الشعير.. مأكول مذموم".
ثنائية القمح والشعير مفيدة في المراجعة التي تجريها المؤسسات والدول والأفراد لعلاقاتهم بمحيطهم. فالقمح دائما أكثر جاذبية مهما تغزلنا بقدسية الشعير وفوائده المكتشفة في علاج السكر والسمنة واعتلالات الكلى.
بقي أن نستذكر أن الكثير منا يختزل سؤاله عن الأحوال والأوضاع بالقول: "قمحة وإلا شعيرة؟".

التعليق