د. جاسم الشمري

وطن الظلمات!

تم نشره في الاثنين 7 أيلول / سبتمبر 2015. 11:02 مـساءً

أيها الوطن الموشح بالرعب والإرهاب، يا من تلعب بربوعك عصابات الاختطاف والقتل والجريمة المنظمة، يا من لا يعرف غالبية أهلك إلا التفكير بالهجرة من هول الأحداث الجسام التي تنهمر عليهم! يا عراق الخوف، الناس فيك حيارى من هول الخراب المادي والفكري المحيط بهم، وصارت النتيجة الطبيعية للخلاص هي محاولات، بل مغامرات أهلك للهروب -رغم المخاطر والمصاعب التي تغلف هذه الرحلات- نحو المجهول شرقاً وغرباً، لعلهم يجدون مكاناً ينعم بالأمن والسلام.
وسط هذه الأمواج المتلاطمة، فجر النائب عباس البياتي قنبلة إعلامية، حينما طالب السلطات الألمانية بـ"إعادة المهاجرين العراقيين لعدم أخذهم إذن السلطات العراقية في المغادرة"!
تخبّطات سياسية وإعلامية في عموم الملفات، تزيد من عتمة المشاهد القاتمة في بلاد كتب عليها أن تعيش في الظلام المادي والمعنوي والروحي. ظلمات لا تقل عتمة ورعباً عن قصة الطفل السوري الذي رمته أمواج البحر المتصارعة على الشواطئ التركية جثة هامدة قبل أيام، بعد أن حاول أهله الهروب نحو المجهول!
صورة هزت ضمائر الشرفاء في العالم، وأكدت نكبة حقيقية لا يمكن أن توصف إلا بأنها بعض ثمن الحرية التي يناضل من أجلها السوريون.
فجيعة هذا الطفل السوري تقع منذ سنوات في العراق، لكن بأشكال وصور مختلفة، وهي مستمرة في كل يوم. ففي نهاية الأسبوع الماضي، وفي منطقة جيكور بالبصرة الجنوبية، عُثر على جثة الطفل "كرار" (ست سنوات)، بعد يوم من اختطافه من أمام دكان والده، وعلى جثته آثار تعذيب في مناطق مختلفة من جسده الرقيق!
الأسبوع الماضي أيضا كان أسبوعاً حافلاً بالجرائم. إذ شهدت بغداد، منتصف الأسبوع، جريمة مؤلمة في وضح النهار. الحادثة وقعت في تمام الساعة الثانية ظهراً، حيث تم اختطاف رجل كان مع زوجته -أمام أعين الناس وبعض أفراد الشرطة في ساحة هدى عماش- وأجبر على الترجل من سيارته الخاصة، والركوب في إحدى سيارات الخاطفين -الرباعية الدفع والمظللة، وغير الحاملة للوحات تسجيل- ثم لاذ أفراد العصابة بالفرار إلى جهة مجهولة، وبقيت زوجته المسكينة تستغيث وتصرخ، ولكن لا حياة لمن تنادي!
وفي اليوم ذاته، أكد نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتلموش، أن 18 عاملاً تركياً في شركة للأشغال العامة خطفوا شرقي بغداد. وهذه الجريمة أكدها العميد سعد معن المتحدث باسم قيادة العمليات، الذي بيّن أن "عناصر الجماعة المسلحة الخاطفة، كانوا يرتدون الزي العسكري، ويستقلون سيارات دفع رباعي".
مجلس محافظة بغداد بدوره أكد أن العاصمة تشهد نحو 35 حادثة قتل وخطف أسبوعياً، وهناك عصابات منظمة تتحدى الحكومة، وتنفذ هذه الجرائم، وتتم عملياتها بصفات رسمية وسيارات حكومية. وهذا الكلام عن الحالات المسجلة لدى الأجهزة الأمنية فقط، وهناك عشرات الحالات الأخرى التي لم تسجل.
وبحسب تصريحات مجلس محافظة بغداد، يكون أن ما لا يقل عن 140 مواطناً يُختطفون ويقتلون في العاصمة شهريا، عدا بقية المحافظات. وهذه الإحصاءات المرعبة، للجرائم المسجلة فقط، ينبغي التوقف عندها طويلاً في ظل انتشار الجريمة المنظمة في البلاد!
في ضوء هذا الارتباك الواضح في مجمل الملفات المركبة، صار السلام أو الأمن في أرض الرافدين ضرباً من الخيال. فبعد أن أكد معهد الاقتصاد والسلام، في بياناته عن مؤشر السلام العالمي للعام 2015، والذي يصنف 162 دولة في جميع أنحاء العالم بناء على مستوى الجريمة، ودرجة العسكرة، أن العراق في مقدمة الدول التي لا تعرف الأمن وتنتشر على أراضيها عصابات الجريمة المنظمة، صار الرعب والخوف والقلق من المستقبل هي السمات الأبرز في حياة العراقيين!
الواقع المرعب، والتأكيدات الدولية والحكومية على انتشار الجريمة، جعلت دوائر الجوازات العراقية تزدحم بعشرات الآلاف من المواطنين، ومنهم فئات الشباب الذين يريدون الهجرة نحو المجهول لعلهم يجدون متنفساً من المأزق الأمني الذي أنهكهم في ظل انتشار عصابات الجريمة المنظمة والعصابات الرسمية!
فهل الهروب نحو المجهول هو جزء من الحل، أم جزء من المشكلة العراقية المركبة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فعلا انه وطن الظلمات وطن المجهول (نوفل الماشطي الحسيني)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2015.
    من اجمل ابداعات كاتبنا المبدع د.جاسم الشمري وصفه للعراق بتلك الصورة الرهيبة المأساوية عندما اطلق عليه وطن الظلمات فانت لاتامن على حياتك حتى في بيتك..فامر مألوف جدا وشائع ان تحيط بمنزلك على غفلة من الليل او النهار سيارات ذات دفع رباعي نفس التي تستخدمها القوات الامنية ويترجل منها بضعة مسلحون يتقدمهم ضابط و بزي رسمي ويداهمون منزلك او مقر عملك باسلوب استفزازي حقير وبعدها يعصبون يديك وعينيك ويعتقلونك لكونك مطلوب لجهة امنية ما ويغادرون موقع الحدث وانت معهم وبعد ان يذهب اهلك او احد منهم للاستفسار عنك يكتشف بان الخاطفين ليست لهم اي صفة رسمية ولا لهم علاقة بالدولة ولا بامنها..او تصطف بقرب سيارة لاتحمل ارقام ومضللة وينزل شباك الباب الامامي للسيارة او الخلفي رويدا رويدا ليظهر منه بعد ذلك مسدس من النوع الكاتم للصوت ويصوبه على احد المارة بالشارع او على سيارة بجانبه ويردي صاحبها قتيلا ويلوذ القاتل مسرعا واللطيف في ذلك ان هذا الامر يحصل امام مسمع ومرئ القوات الامنية المتواجدة ولاتحرك ساكن بحجة انه لا امر لهم بالتدخل ... وهذا غيض من فيض ونقطة في بحر لما يحدث يوميا في بلد اسمه العراق وهذا يدل على سطوة المليشيات وسيطرتها على الشارع العراقي ويدل ايضا على ضعف الاداء الحكومي وعدم قدرتها في توفير الامن والامان للمواطن .. فاخي مثلا منذ سنة واربعة اشهر اختطف من مكان عمله قرب الجامعة التكنلوجية على يد مجموعة ادعت انها تتبع امن الدولة والى هذه اللحظة لم نستدل على مكانه ..وهذا ايضا واحد من الملفات المهمة الذي فشلت فيه الحكومة فشلا ذريعا وهو ملف الامن حاله من حال بقية الملفات المعنية بشؤون الدولة واعتقد ان الحل لايكمن في المظاهرات ولا في الاصلاحات ولكن في قلع هذه الحكومة من جذروها والاتيان باخرى قادرة على انتشال العراق محنته...وشكرا للكاتب لتناوله هذا الموضوع وندعو له بالموفقية والنجاح .....
  • »إلى متى نعيش الظلمات؟ ؟؟ (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 8 أيلول / سبتمبر 2015.
    نعم أصبح العراق وطن الظلمات بعد أن كان منار لكل بلدان العالم
    ماذكره الكاتب في متن المقال هي كلها أحداث حقيقية تجري نهارا وليلا وتحدث كل يوم تقريبا
    حال محافظتي لايقل خطورة عن مايحدث في بغداد وبقية المحافظات حيث يكاد لايمر يوما الاوتحدث حالة اختطاف أو اعتقال أو العثور على جثث لمغدورين مجهولي الهوية
    هذه الأعمال لايفلت منها الصغير ولاالكبير شاب أو شيخ امراءه أو طفل في يوم واحد وفي نفس المنطقه تم اختطاف ثلاث أشخاص أحدهم رجل كبير في السن ولديه عدة أمراض وغير هذه الحالات وووووووووو.........الخ
    ولهذا كله غالبية شباب المحافظه يفكرون بالهروب من هذا الواقع المرير للمجهول غير اهيبين بما سيحدث لهم أثناء رحلة الهرب المظنية
    بالنسبة لنا نحن من يعيش في داخل البلد نحمد الله إذا عدى يومنا بسلام لكن نخاف من اليوم الذي بعده
    اتسال إلى متى يمكننا الإستمرار على هذا الوضع المأساوي بمعنى الكلمه وإلى أي مدى يمكننا العيش في وطن الظلمات؟ ؟
    نسأل الله الفرج القريب كي يعود البلد لسابق عهده شكرا لك دكتور جاسم على طرحك لمعانات العراقيين في داخل البلد هذه المعانات التي لم يشعربها الاابن البلد نفسه سواء كان بالداخل أو الخارج
  • »دع الارض تطهر من الظلم (كريمة / الجزائر)

    الثلاثاء 8 أيلول / سبتمبر 2015.
    ابدا لم يكن الهروب من الالم بعمره حل ...يكفي جرح طفوله ..ينزف والموت من كل جانب يحدق
    الموت من امامكم والبحر من ورائكم وكل لعنات الهزيمه والضياع تحيط بك يا وطن من كل جانب
    تلي متي؟؟..دمع ام لا ينضب ..وجرح يتم يضل ينزف وقلب ابي يدمي..اليس هناك حل ام اصبح هدا هو حالنا ككل يوم..
    سحقا لكرسي ارتفع علي اكتاف الاهات ..وبلد يبتسم للوجع ويد متسخه تربت علي راس يتم طهور..لا تبكي يا امه..لا ترثيه يا اخاه..او عمه ..واياك ان تنجب غيره يا اباه ..دع الارض تطهر من ظلم اشقاه...
  • »نطقت حقاً د. جاسم الشمري (د.عبدالكريم الجبوري)

    الاثنين 7 أيلول / سبتمبر 2015.
    نعم .. وطن الظلمات الدامسة.. وطن الهجان اليائسة.. وطن الاختناق .. وسلطة النفاق..