التفكير الترانزيتي

تم نشره في الخميس 10 أيلول / سبتمبر 2015. 11:08 مـساءً

هذه ثاني مرة، ربما بعد أكثر من عشرين سنة، أكتب تحت هذا العنوان الذي صغته من عملي في إحدى الشركات في أحد الأوقات. وأعني به قيام الناس، أفراداً وجماعات، بنقل معلومة ما من فم شخص أو جماعة، إلى أذن شخص أو جماعة أخرى من دون تمحيص وتبصر. مثلهم في ذلك مثل الناقل بالسيارة أو الطائرة أو القطار أو السفينة التي تنقل البضاعة من مكان لآخر، من دون الاطلاع على محتوياتها، لتقوم أخرى -سيارة أو طائرة... ثانية- بنقلها وهكذا. إنه النقل بالترانزيت. وعليه، يمكن تسمية التفكير الذي على منواله "التفكير الترانزيتي" أو النقلي (Transit Thinking).
لا يتوقف أصحاب هذا التفكير، مهما علا تعليمهم أو كان تخصصهم أو المركز الذي يحتلون عند نقل المعلومة أو الإشاعة، لفحصها أو تدقيقها. مع أن هدف الإشاعة قد يكون الإساءة لطرف آخر أو التحريض عليه أو إيقاع فتنة.
لقد أدهشني قيام أشخاص معروفين، درسوا في جامعات أجنبية راقية وعملوا هناك، ثم عادوا واستقروا في بلدهم، بنقل المعلومة المشبوهة أو الإشاعة هكذا من دون تبصر أو تدقيق، وبخاصة المعلومة المشبوهة إياها التي تتكرر بين الحين والآخر! إنك تراهم يقتربون منك ويهمسون: "معك خبر إن أم عرفات يهودية!". وفي مناسبة أخرى يهمسون: "معك خبر أم القذافي يهودية!". وهكذا، لأن جملة الناس على استعداد لتصديق أي خبر أو إشاعة إذا قيلا له همساً في الأذن.
ومع أن المصدر (المفترض) لكل إشاعة معروف بعدائه لمن يُشاع عنه، إلا أن الناقل (المتعلم) لا يفكر بذلك، ولا يتوقف عنده، لأن المعلومة أو الإشاعة تدغدغه وتحقق هدفه منها، وإلا لاكتشف بقليل من التدقيق أو التحليل -أي بالتفكير الناقد الغائب من التعليم والتعلم- أنها مفبركة ومغرضة، وأنها دليل الفشل أو اليأس في التصدي لمن يشاع عنه.
وبما أن الإشاعة -وعادة السلبية أو العدائية- تنشر على شكل متوالية هندسية، فإنها سرعان ما تصبح متداولة عند الجميع، لأن من يصدقها ينقلها على الفور. فقبل أن تبدأ بهمسها يهمسون لك بها، وكأنهم فائزون بالجائزة الأولى في اليانصيب الإسباني.
ثم ما العيب أو الجريمة في أن تكون أم فلان أو علاّن يهودية أو يابانية أو صينية؟! لقد تجسس ابن الشيخ حسن يوسف -أحد قادة "حماس"- على أبيه وحركته، مع أن أباه مسلم وأمه مسلمة. لكن السؤال: كيف رتبت الجهات المعادية (الموساد هنا) زواج هذه اليهودية بهذا الشخص، لتنجب قائداً أو زعيماً سياسياً مجنداً لها؟ أم أنها وقد علمت بولادته نذرته عميلاً لها وأوصلته إلى أعلى مراتب السلطة؟ أليس أسهل على تلك الجهات تجنيده قبيل وصوله أو في أثنائه ما دام لديه استعداد للخيانة، أو احتواؤه وهو لا يدري؟ لا يحتاج الأمر إلى أم يهودية لكل هذه الغلبة، لأن مجرد وجود هذه الأم والصراع يحتدم يجعل كل الناس يشيرون إليها، مما يمكن أن يعطل حظوظ ابنها (البطل). إن مثل هؤلاء "الترانزيتيين" أو "النقليين" مثل الحمار يحمل أسفاراً.
في أثناء انهيار سعر الدينار العام 1989، زارني حيث كنت أعمل، أستاذ كبير في جامعة أردنية. وليدهشني بالمعلومة التي يتميز بامتلاكها قبلي، قال لي: لقد ألقوا القبض في المطار على فلان وزوجته وهما يهرّبان خمسة عشر مليون دولار إلى مصر. فقلت له: أين وجدوهما؟ فتلعثم وذعر. فقلت له: هذا المبلغ بحاجة إلى "بكب". ثم قلت له: لماذا إلى مصر، فالأحوال فيها (آنذاك) ليست أكثر أمناً من الأردن؟ وهكذا تساقطت معلومته أو إشاعته التي نقلها بالتفكير الترانزيتي أو النقلي.
يمكن تخطيط الإشاعات لتصبح جزءاً من حملة دعائية، كما تفعل المخابرات الدولية. وأياً كان الأمر، فإن الإشاعات تشتد كماً ونوعاً في الشدائد والأزمات، ولدى تسلط الرقابة على الأنباء، والتضييق على حرية التعبير، وغياب الشفافية والنزاهة؛ فعندئذ تصبح مصدرا قويا للتأثير على الرأي العام حتى وإن كانت زائفة، مما يجعل الناس مستعدين لقبول الإشاعة وتصديقها ونقلها باعتبارها سلوكاً دفاعياً. وعندئذ تصبح الإشاعة ثقافة اجتماعية سياسية خطرة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ناقل الإشاعة ومروجها؟؟ (يوسف صافي)

    الجمعة 11 أيلول / سبتمبر 2015.
    استاذ عايش تشبيه خجول اضف الى ذلك اختلاف الحس اوالعقل مابين الجماد والإنسان(السيارة والمروج وصانع الإشاعة ) يأتي التشبيه في غير محلّه ومن تدبر وابصر في كتاب الله عزّ وجل لسهل عليه التشبيه المؤكد حيث الخالق ادرى بخلقه وهو العالم مايسّرون ومايعلنون؟؟ وفي اعتقادي ان الأية "فمثله مثل الكلب ان تحمل عليه يلهث وان تركته يلهث" جاءت لتمثيل ذلك المشيع كاذبا واوناقلها دون تمحيص وتأكد من صحتها وترويجها " ليبين لمن اراد سوء وضرر وكذا ناقل السوء انهم في درك الحيوان بل اضل سبيلا؟؟ حتى يكون ترهيبا لشنيع صنعتهم وآثارها ظلما للناس وطعنا بهم"