الولايات المتحدة ما تزال هي التي تدير العالم

تم نشره في الجمعة 11 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً
  • منصة عملاقة لاستخراج النفط من البحر في الولايات المتحدة - (أرشيفية)

سايمون جونسون*

واشنطن، العاصمة - كانت التقارير عن وفاة القوة الأميركية تتسم غالباً بالمبالغة الشديدة. ففي خمسينيات القرن العشرين، كان من المعتقد أن الاتحاد السوفياتي تفوق على الولايات المتحدة؛ واليوم لم يعد للاتحاد السوفياتي وجود. وفي الثمانينيات كان من المتصور على نطاق واسع أن اليابان توشك على تخطي الولايات المتحدة؛ واليوم، بعد أكثر من عقدين من الزمن من الركود الياباني، لم يعد أحد يأخذ هذا السيناريو على محمل الجد. وفي التسعينيات، اعتبر كثيرون أن الاتحاد النقدي من المرجح أن يدفع أوروبا إلى اكتساب قدر أعظم من الأهمية العالمية؛ واليوم أصبحت أخبار الاقتصاد الأوروبي تحتل العناوين الرئيسية على مستوى العالم بشكل متكرر، ولم تكن الأخبار طيبة.
والآن، يأتي الدور على الصين. حتى وقت قريب، كانت الصين في نظر كثيرين تستعد لتولي زمام القيادة العالمية، إن لم تكن قد فعلت ذلك في حقيقة الأمر. واليوم، تعمل الشكوك المحيطة بآفاق الاقتصاد الصيني في الأمد البعيد على زعزعة أركان أسواق الأسهم في مختلف أنحاء العالم (بما في ذلك في الولايات المتحدة).
لا شك أن الصين تشكل أهمية كبيرة، ولابد أن تؤخذ سياستها الاقتصادية، بما في ذلك الكيفية التي تدير بها سعر الصرف، على محمل الجد. ولكن الصين لا تدير العالم، ومن غير المرجح أن تفعل ذلك في أي وقت قريب. ولا تزال القدرة على قيادة العالم تكمن لدى الولايات المتحدة، حتى ولو لم يرغب كثيرون في تصديق ذلك.
في كتابه الأكثر مبيعا "الكسوف: الحياة في ظل الهيمنة الاقتصادية للصين"، الذي نُشِر في العام 2011، يسوق ارفيند سوبرامانيان الحجة لصالح أخذ الصين على محمل الجد باعتبارها قوة عالمية. (كان المؤلف، الذي يتولى حالياً منصب كبير المستشارين الاقتصاديين لوزارة المالية الهندية، زميلاً لي، وكنا نشترك أحياناً في التأليف أثناء عملنا في صندوق النقد الدولي ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي).
ويأمل المرء أن تصغي الحكومة الهندية لحديث سوبرامانيان حول الكيفية التي حققت بها الصين النمو من خلال الصادرات من السلع المصنعة وما ارتبط بذلك من التحسينات التي أدخلت على الإنتاجية. كما أصبحت الصين كياناً مندمجاً في سلاسل العرض والتوريد العالمية -إنتاج الأشياء لشركات في أماكن أخرى- على نطاق لم يكن من الممكن تصوره في السابق، كما تعلم المديرون الصينيون كيف يصنعون منتجات أفضل.
ولكن بعض الأجزاء الأخرى من تجربة الصين لم تخدم مصالحها كما ينبغي بمرور الوقت. فقد أدارت الصين فائضاً ضخماً للغاية في الحساب الجاري في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وكدست مخزوناً هائلاً من الاحتياطيات الأجنبية -بما في ذلك ما لا يقل عن عِدة تريليونات من الدولارات من سندات الخزانة الأميركية. وعلى الرغم من أن هذا يبدو مبهراً على الورق، فإن احتياطيات بهذا الحجم الهائل تصبح عديمة الفائدة في جوهر الأمر. فإذا كان للصين أن تبيع أصولها الأميركية، فسوف يؤدي هذا إلى ضعف الدولار، وسوف تجد الشركات الأميركية أنه من الأسهل أن تعمل في التصدير وأن تنافس الواردات.
ولكن مشاعر القلق التي تقض مضاجع الأميركيين إزاء احتمالات تفوق الصين على الولايات المتحدة ليست جديدة. فقد كان القلق عظيماً في أواخر ثمانينيات القرن الماضي عندما اشترت شركة يابانية مركز روكفلر في مدينة نيويورك. والآن، نستطيع أن نعتبر ذلك واحداً من أعظم الأحداث تضخيماً في القرن العشرين. وعلى نحو مماثل، في المستقبل سوف ينظر الأميركيون في الأرجح إلى تكديس الصين لسندات الحكومة الأميركية ويهزون أكتافهم بلا مبالاة.
أما القضية الأكبر فهي سياسة سعر الصرف التي تتبناها الصين. لفترة طويلة، منعت الصين الرنمينبي من تجاوز قيمته الحقيقية ارتفاعا، وكانت هذه سياسة جيدة، كما تؤكد أبحاث سوبرامانيان. لكن الصين ذهبت في أوائل العقد الأول من القرن الحالي إلى ما هو أبعد من هذا بكثير. فلأسباب ما تزال موضوعاً للمناقشة، أصبح الرنمينبي مقوماً بأقل من قيمته الحقيقة بشكل مبالغ فيه بشدة؛ وكانت الصادرات أعلى كثيراً من الواردات، وتجاوز فائض الحساب الجاري مستوى 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وبدلاً من السماح لقيمة الرنمينبي بالارتفاع والحد تدريجياً من الاعتماد على أسواق الصادرات، فضلت السلطات الصينية تكديس الاحتياطيات الأجنبية (سندات الدين التي تصدرها خزانة الولايات المتحدة).
الآن، يتعين على الصين أن تجد طريقة لدعم النمو والحفاظ عليه عندما يتباطأ الطلب في بقية العالم. ويكاد يكون من المؤكد أن تؤدي العودة إلى سعر الصرف الأقل من القيمة الحقيقية للعملة إلى استدراج استجابة دولية، بما في ذلك من الكونغرس الأميركي. ولكن التحول فجأة إلى النمو الذي يقوده الطلب المحلي ليس بالأمر السهل.
صحيح أن الصين لن تنهار (فهي ليس الاتحاد السوفياتي)، والركود على الطريقة اليابانية أيضاً غير مرجح أيضاً، ولكن المجتمع الصين يشيخ بسرعة، ومن الممكن أن يتقدم في السن كثيراً قبل أن يصبح ثرياً.
في كل عقد من الزمن، كان بعض كبار المفكرين يتكهنون بنهاية القوة الأميركية. وهناك من الأسباب ما قد يدعو إلى القلق، وخاصة عندما يرفض بعض الساسة في الولايات المتحدة الاعتراف بطبيعة الدور العالمي الذي تلعبه أميركا. على سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة هي التي بنت النظام التجاري والنقدي العالمي قبل سبعين عاماً، ولكن الجمهوريين في الكونغرس يرفضون دعم التغيير في صندوق النقد الدولي -بما في ذلك إصلاحات معقولة تنال استحسان كل الدول الأخرى تقريباً.
على الرغم من هذا، فإن الولايات المتحدة هي التي تقود حالياً الحملة لجعل التجارة أكثر حرية عبر منطقة المحيط الهادئ وخفض الحواجز بشكل كبير أمام التجارة مع أوروبا. وإذا وضعت أميركا القواعد على النحو الصحيح، لصالح المواطنين العاديينوليس الشركات الطليقة، فإن مبادراتها التجارية كفيلة بتقديم إسهام كبير في النمو العالمي وازدهارها شخصياً.
على نحو مماثل، تتمثل القضية الكبرى في ما يتصل بالسياسة النقدية على مستوى العالم على مدى العام المقبل في تحديد متى وبأي قدر سوف يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة. وعندما يلتقي المسؤولون النقديون الأميركيون في اجتماعهم السنوي الخاص في جاكسون هول، فإنهم سينظرون في عدد لا حصر له من الأبعاد المهمة للاقتصاد العالمي. ولكن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية التي تضع السياسات سوف تحرك أسعار الفائدة على نحو يستند بشكل شبه كامل إلى قراءتها الجمعية للظروف الاقتصادية في الولايات المتحدة. ومرة أخرى، سوف يتفاعل العالم مع ما تقوم به الولايات المتحدة.

*اقتصادي بارز سابق في صندوق النقد الدولي، وزميل رفيع في، وأستاذ سلون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو زميل بارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، والمؤسس المشارك لموقع ألكتروني رائد في مجال الاقتصاد، "بيس لاين سيناريو". وهو المؤلف المشارك، مع جيمس كواك، لكتاب: "البيت الأبيض يحترق: الآباء المؤسسون، دَيننا الوطني، ولماذا يهمك ذلك".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق