في ذكرى رحيل المفكر العربي منيف الرزاز: الطبيب والسياسي الذي علم أبناءه تقبل الآخر

عمر الرزاز: هاجس والدي الأساسي في الحياة الحرية ووحدة الأمة

تم نشره في الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً
  • عمر الرزاز يتحدث لـ"الغد" - (تصوير: محمد مغايضة)

غيداء حمودة

عمان - يؤكد الدكتور عمر الزازر، أن هاجس والده، المفكر العربي المعروف د.منيف الرزاز، الأساسي في الحياة كان "الحرية ووحدة الأمة العربية".
ويضيف في لقاء خاص أجرته "الغد" معه تزامنا مع الذكرى السنوية لوفاة والده والتي تصادف اليوم، أنه "لم يكن رومانسيا، ولم يؤمن أن الأمور ستصلح بين ليلة وضحاها"، بل أدرك أن "حجم الخراب الذي حل بالأمة كبير، ولكنه في نفس الوقت آمن بأن نهضة الأمة العربية حتمية".
ويضيف في هذا السياق أن والده " كان يسعى بكل ما أتوي من قوة ومعرفة لدفع العجلة بهذا الاتجاه، مهما كلفه الأمر أو استغرق وقتا من الزمن". 
وحول أهم ما تعلمه منه في الحياة، يشير إلى أن منيف الرزاز "لم يكن واعظا بطبيعته، لكنه أثر علي من خلال ثلاثة أبعاد في شخصيته".
ويبين أن البعد الأول كان أنه "يفعل ما يمليه عليه ضميره"، حيث كان دائما يطلب منه ومن شقيقه مؤنس وشقيقته زينة أن يكونوا منسجمين مع أنفسهم بحيث "لا نفعل غير ما نقول، ولانقول غير ما نفعل".
ويضيف أن هذا دفعهم إلى "السعي دائما وراء الوضوح وانسجام العقل والقلب والفعل"، وإن كانت الأمور "تلتبس عليهم أحيانا".
أما البعد الثاني فهو أنه "لم يتعامل مع أي سلطة سياسية أو دينية أو اجتماعية بقداسة، بل كان يُخضع كل الأمور للمساءلة"، وهو الأمر الذي "أدخله في اشكالات كبيرة مع حزب البعث العربي الاشتراكي" الذي كان ينتمي إليه، وعرضه للاعتقالات في الأردن، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في العراق، ومن ثم تمت تصفيته.
أما البعد الثالث الذي كان في شخصية منيف وأثر بشكل كبير على أبنائه، فهو "إيمانه العميق بعروبته وتراثه ونديّة هذا التراث والحضارة لكل حضارات العالم".
ويوضح عمر الرزاز أن والده لم يشعر يوما بعقدة النقص تجاه الحضارات الغربية، ولم يتردد بأن ينهل منها فلسفة وعلما وأدبا، وكان في نفس الوقت متعمقا في الجذور الثقافية لحضارته إبتداء من القرآن الكريم الذي قرأه بعقله وفؤاده ولم يرضى بكتب التفسير بديلة عنه"، فضلا عن أنه أحب الشعر الجاهلي وانكب على كتب النهضة العربية ورأى فيها ملامح نهضة حداثية.
من المواقف التي ما يزال يتذكرها عن والده، موقف حدث معه وهو في الصف الخامس الابتدائي في عمان، عندما "كنت أتشيطن في المدرسة"، وقد رمى الممحاة على زميله، فكان أن قال له الأستاذ "فعلا الوردة تنجب شوكا"، وعاتبه الأستاذ قائلا "كيف تتصرف بهذا الشكل وأنت ابن منيف الرزاز!"
لم يفهم عمر وقتها العبارة، وشعر أنه خذل والده، وظل يومين وهو يشعر بأنه تسبب بإساءة كبيرة لوالده، إلى أن عرف والده بالموضوع، وقال له وهو يضحك "هدول ما بيفهموا إنك عم بتكون إنسان وبتمارس حقك في إنك تكون طفل.. فاهمين الدنيا غلط، وفاهمينك وفاهميني غلط".
أيضا من الأمور المهمة التي تركت أثرا في شخصية من حوله، "تأكيده الدائم على أن الاحترام ينبثق من انسانيتنا وهو غير مرتبط بالسلطة". ويضيف "لم يمارس والدي يوما السلطة علينا، بل كان يحثنا على التعبير عن ذاتنا وعدم الخجل من شيء وعدم الخوف أيضا".
ويبين أن منيف الرزاز كان "صاحب نكتة، وكان غالبا ما يواجه مقولات الحكمة بالدعابة"، موضحا أنه "لطالما تندر ان مفهوم الوحدة التى يؤمن بها القادة العرب هو مفهوم: الوحدة خير من جليس السوء!".
ويشير إلى أنه كان يحب الموسيقى والمسرح والأدب، وكان يستمع دائما لسيد دوريش وأم كلثوم، ولم يفوت حفلة استطاع أن يحضرها لها، كما كان "يعشق طه حسين" ويطالع بشكل مستمر.
ويضيف أن والده كان يمتلك صوتا جميلا، وكان يتقن العزف على العود الذي تعلمه من جدته (جدة عمر)، ويشير إلى أنه حتى في معتقل الجفر "كان ينهي جدالا سياسيا مع رفاقه بوصلة غناء يشارك فيها الجميع".
ولم يكن منيف الرزاز، الذي خصص فصلا كاملا للمرأة في كتابه "معالم الحياة العربية الجديدة"، يُفرق بين ذكر وأنثى، بل كان يعتبر "كل شخص هو إنسان كامل الوجود". ويبين هنا عمر أن والده كان لديه قناعة قوية بما يخص حقوق المرأة، و"لم يكن من المنظرين في هذا الموضوع". 
وبحسب شقيقة د. منيف، نبيلة الرزاز، فقد كان أخوها يتدخل دائما بطريقة دبلوماسية بينها وبين والدتهم إذا ما شعر أن شقيقته تطمح لأمر ما قد لا تقبل به الأم بسبب خوفها على ابنتها.
وتقول نبيلة "كان دائما يحل الأمور ويترك كل طرف راضيا بالحل". وتضيف "كان يشعرني دائما بأنني انسانة حرة، لي حق الاختيار والتجربة، كما كان دائما يتعامل معنا بشفافية ومحبة كبيرة".
وتستذكر "كان يهتم بي كثيرا ويهديني الكتب، خصوصا كتب طه حسين" حيث كانت هداياه من الكتب هو ما شجعها على القراءة بشكل دائم حتى اليوم. 
أما علاقة منيف بزوجته لمعة بسيسو، فقد كانت علاقة ترتكز على "الحب والتفاهم والشراكة الحقيقية" كما يصفها عمر. وكانت لمعة من أكثر فتيات عمان تعلما وثقافة، وهي تخرجت من الجامعة الأميركية في بيروت، وعملت في عمان في الهلال الأحمر، وكانت تكتب الشعر، كما كانت أول صوت نسائي يظهر في مقابلة على اذاعة المملكة الهاشمية حول حقوق المرأة والرجل.
ويشير عمر الرزاز أن والدته "لم تكن لتقبل بدور أقل من شريك كامل ومساو في الحقوق والواجبات لزوجها الذي دعمها بشكل دائم واختارها لصفاتها وشخصيتها من بين النساء"، وهو الأمر الذي يظهر في رسائلهما في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لبعض والتي نشرت في موقع www.razzaz.com.
 وحول جمعه بين الطب والسياسة، يقول أن والده "لم ير تعارضا في المضمون بين مهنته كطبيب ودوره السياسي"، ولكنهما في الواقع تعارضا كثيرا، وفق عمر، موضحا أن مرضاه كانوا يفتقدونه في عيادته في شارع بسمان كلما انتهى به الأمر الى المعتقل او اللجوء خارج الوطن، ولكنه مارس الطب حتى في معتقل الجفر حيث كان يستعان به في مستشفى معان الحكومي كلما كثرت حالات المراجعين.
ومن الأمور المهمة التي يتذكرها عن والده "قدرته على التعامل مع الكبوات والهزائم بنفس رباطة الجأش التي تعامل فيها مع النجاحات، واستعداده للقبول بالنتائج طالما لم يساوم على قناعاته".
اليوم يشعر عمر الرزاز أنه محظوظ جدا لأنه نما في بيئة جعلته، هو وأخوته، قادرين على "احترام الآخر حتى لو اختفلنا معه، فلا يوجد اختلاف بين احترام الآخر والتعبير عن الذات والانسجام مع الذات".
ويؤكد "مع الوقت أدركت حقا أهمية كل هذه الأمور" .
ويشير إلى أن والده كان سيحزن كثيرا للوضع الحالي الذي وصلت إليه الدول العربية والاقتتالات الدائرة فيها وبينها. ولا يشك في أن والده كان سيقول كما قال دائما "هذا مشوار طويل وأساسه بناء الأنسان. لا يملك الانسان الحي إلا أن يفعل، فأما من يفعل ما بوسعه ليحقق أحلامه، فقد عاش، وأما من لم يفعل فقد مات قبل ان يموت".

ghaida.h@alghad.jo

التعليق