سقوط الأقنعة.. ومأزق الحوار السوداني!

تم نشره في الأربعاء 16 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً
  • لاجئات سودانيات من منطقة دارفور يجلبن المياه لأسرهن في احد المخيمات بدولة أفريقيا الوسطى - (أرشيفية)

عادل عبدالرحمن عمر*

في كانون الثاني (يناير) 2014، بادر الرئيس عمر البشير في خطابه "البليغ" الذي كُتب بلغة منتقاة، إلى الحديث عن ضرورة الحوار بين الفرقاء السياسيين المتخاصمين؛ من غير شروط مسبقة، أو تهميش لأحد، أو إقصاء للآخر. أما الشرط الوحيد، فكان أن يتم الحوار في السودان، وتقدم لأجله الضمانات المتعارف عليها في مثل هذه الأحداث، خاصة للمتمردين الحاملين للسلاح ضد الدولة.
والهدف الوحيد من إجراء الحوار داخل البلاد، هو أن لا تتدخل أيادٍ أجنبية عديدة لها أطماع ومصالح بعيدة عن روح الوفاق السوداني، فتقعده حتى لا يؤتي ثماره، بحيث يعتصم المتخاصمون بمواقفهم، خاصة وأن التمرد له صلات خارجية لا تخفى على أحد.
فاتفاقية "نيفاشا" التي نفذت كاملة في العام 2005 بين الحكومة السودانية والمتمردين الجنوبيين، والتي كان من المفترض أن تجلب وحدة عميقة بين الشمال والجنوب، انتهت إلى انفصال جارح للجنوب، رغم التطبيق الصارم للاتفاقية؛ من تقسيم للثروة والسلطة، وتنفيذ مخلص لروحها لدرجة التقديس. وعندما أجري الاستفتاء على حق تقرير المصير، كان السودان أول من اعترف بالدولة الوليدة "جنوب السودان". وهو الموقف الذي وضفه قائد ومفكر استراتيجي عالمي، بـ"الخطأ التاريخي"، لأنه يعتقد أن الدولة لا تفي بوعودها ضد مصلحتها الوطنية العليا.
الخطاب المشهود في العام 2014، والذي سُمى بخطاب "الوثبة"، جاء في ظرف سياسي دقيق وحساس، شعرت فيه القيادة السياسية للبلاد بأنه لا بديل عن الحوار السياسي، حتى لو قدمت له أثمان باهظة. إلا أن المعارضة بدت خائفة؛ من فقد مكاسب الارتماء في أحضان الأجنبي، أو على أقل تقدير هي لا تستطيع الخوض في حالتي التفاوض والسلم!
بعض المراقبين يعتبر أن الحكومة السودانية تباطأت في الحوار، ومددته لآجال، حتى تحقق مكاسب "تكتيكيّة". بينما يرى الكثير من المحللين أن التأخير أملته ضرورات سياسية مقدرة جداً، منها أن بعض القوى السياسية المعارضة تأخرت في الموافقة على الانضمام لركب الحوار، خاصة المعارضة المسلحة التي ما تزال رافضة للحوار، رغم انحسارها ميدانياً في مواقع العمليات العسكرية.
الحكومة السودانية سعت إلى السلام في أطراف شتى من المعمورة، داخل البلاد وخارجها، فذهبت إلى مدن عديدة، أفريقية وعربية وغربية، لملاحقة السلام، وقدمت تنازلات كبيرة ليستقيم السلام، خاصة بشأن مسائل الثروة والسلطة، كما تنفيذ النظام الفيدرالي الذي بسط السلطة لأفراد المجتمع من أدنى مستوياتها حتى أعلاها، لكيلا يشعر المواطن بالتهميش والإقصاء. ودفعت ثمناً باهظاً من شهداء ومال وانفصال لثلث البلاد، حتى لا يُزايد أحد عليها. كما عمدت إلى تنفيذ مجموعة من الإصلاحات التشريعية والإدارية والسياسية العميقة، والاستراتيجية، لإزالة الكثير من الاحتقان والتوترات.
في نيسان (أبريل) 2015، جدد الشعب السوداني ثقته بالحكومة والرئاسة. وفي ذروة الانتصار، قدم الرئيس البشير دعوته للحوار مع المعارضة، من دون شروط أو أي سقوف.
ومن الواضح لمتابعي الشأن السياسي السوداني أن الحكومة جادة في دعوتها، بل تعتبر إنجاز الحوار مع المعارضة، ومع كل فصائل المجتمع المدني فيما سُمي "الحوار المجتمعي"، كسباً تاريخياً في الخمس سنوات المقبلة.
ليس هناك برنامج للحكومة غير الحوار المفضي للسلام، ووضع البندقية جانباً، وتحصيل كل إيرادات الدولة للتنمية والرخاء، بدلاً من إنفاق مئات الملايين من الدولارات على حرب لا تبقي ولا تذر، من الممكن تفاديها بالحوار البناء المفضي إلى معالجات مهما كانت قاسية، تظل أفضل بكثير من الحرب.
يعتقد بعض المحللين السياسيين أن الحكومة السودانية أدركت مآلات الواقع الذي تعيشه دول عديدة في العالم العربي، أو الجوار الأفريقي للسودان؛ من مظاهر عنف وفوضى وتمزيق، بسبب التجاهل أو إقصاء الآخر أو الاستبداد، ولذا فقد لجأت هذه الحكومة إلى خيار الحوار الذي يؤدي للتهدئة والسلام. لكن هناك منْ يرى غير ذلك، بأن الضغط على الحكومة بإشعال الأطراف سيسقطها في ظروف اقتصادية حرجة، ومجتمع دولي متآمر ضد الحكومة، ولذا تتمادى المعارضة باعتبارها دعوات الحكومة للحوار ما هي إلا فقاعات هواء، وإضاعة للوقت.
لكن يبدو من قراءة الواقع السياسي أن دعوة الحكومة للحوار أكثر من ملحة.  
فمن القضايا التي يبذل الإعلام الخارجي جهداً خرافياً لإدامة جذوتها كذباً، حالة التمرد في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. لكن كل التقارير المحايدة الواردة من تلك المناطق تفيد بأن دارفور أصبحت آمنة وخالية من التمرد بنسب عالية ومرتفعة، ولا يكاد يكون للمتمردين موطئ قدم إلا في منطقة أو منطقتين معزولتين ووعرتين، ولذا يأتي الحوار لأجل بناء الوطن من غير عزل لأحد.
من المؤكد أن الحكومة السودانية راغبة وجادة في الحوار، وكذلك يجب أن تكون المعارضة التي أرهقتها العمليات العسكرية، وسقط القناع عن وجهها إزاء دعوة الحكومة المتكررة للحوار، وانكشاف ظهر هذه المعارضة بتفتت أنظمة داعمة لتمردها. هذا إضافة إلى سقوط مريع لكل المبررات بمعالجة ملف الثروة والسلطة، وفشل مشروع السودان الجديد الذي أنتج دولة ضعيفة بكل المعايير بعد انفصال جنوب السودان، المولود الشرعي لكل حاملي السلاح والمعارضين للحكومة!
مطلوب من المجتمع الإقليمي والدولي أن يدفعا الطرفان، من دون انحياز لفئة على حساب أخرى، للحوار. فقد أفسدت سياسات الاحتواء والدعم والتدخل في شأن الآخر، ذائقة التسامح الإنساني السوداني الفسيح.
وفي اعتقادي أن الحوار هو بين نقيضين للتوصل إلى نقطة ثالثة أو أخرى، لا لعبة لتسجيل أهداف؛ سواء في مرمى الحكومة أو المعارضة؛ فالمطلوب من الطرفين إبداء المرونة الكافية لأجل تسوية تاريخية.

*كاتب وصحفي سوداني

التعليق