هذا هو دماغك. هذا دماغك كسلاح (2 من 2)

تم نشره في الأحد 20 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً
  • الدماغ البشري، السلاح الفتاك في الحروب المستقبلية - (المصدر)
  • جان شويرمان، المصابة بالشلل الرباعي، تجلب قطعة شوكولاته إلى فمها باستخدام ذراع آلية تحركها بأفكارها. وشغلت فيما بعد محاكاة لمقاتلة ف- 35 – (المصدر)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تيم ريكوارث* - (مجلة فورين بوليسي) عدد أيلول (سبتمبر)/ تشرين الأول (أكتوبر) 2015

ليس هناك ما يضمن عدم استخدام تقنيات التحكم في الدماغ البشري كأسلحة، أو عدم وقوعها في الأيدي الخاطئة لقراءة البيانات العقلية، وتوظيف القتلة، وسرقة كلمات السر وقرصنة بيانات البطاقات الائتمانية.
*   *   *
ربما تكون أكثر الأمثلة شهرة على انتهاكات الولايات المتحدة وسوء استخدامها لعلم الدماغ والأعصاب ما حدث في فترة الخمسينيات والستينيات، عندما تابعت واشنطن برنامجاً بحثياً واسع النطاق لإيجاد طرق لرصد أفكار الإنسان والتأثير عليها. وقد عززت تحقيقات وكالة المخابرات المركزية، التي أطلق عليها الاسم الرمزي MK-Ultra، "البحث في -وتطوير- مواد كيميائية وبيولوجية وإشعاعية ومواد قابلة للاستخدام في عمليات سرية للسيطرة على السلوك البشري"، وفقاً لتقرير المفتش العام لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العام 1963. وكانت نحو 80 من المؤسسات، بما في ذلك 44 من الكليات والجامعات، متورطة في هذا المشروع، لكنه تمويلها كان يجري غالباً تحت ستار أهداف علمية أخرى، وتُرك المشاركون غير مدركين لحقيقة أنهم ينفذون العطاءات لمصلحة "لانغلي". وتضمنت أكثر الجوانب لا أخلاقية للبرنامج إعطاء جرعات لأفراد -بعضهم بدون معرفتهم- من مركب ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك LSD (1). وتم إعطاء هذا العقار لرجل من كنتاكي على مدار 174 يوماً متتالية. ومع ذلك، وعلى نحو مروع بالمقدار نفسه، كانت مشاريع MK-Ultra تركز على آليات الإدراك والتنبؤ فوق الطبيعي والتلاعب الإلكتروني بأدمغة الخاضعين للتجارب، فضلاً عن محاولات لجمع وتفسير والتأثير على أفكار الآخرين من خلال التنويم المغناطيسي والعلاج النفسي.
اليوم، ليس هناك أي دليل على أن الولايات المتحدة تقوم بإساءة استخدام التقنيات العصبية بطريقة مماثلة لخدمة أغراض الأمن القومي. ومع ذلك، ما تزال القوات المسلحة ملتزمة بقوة بتطوير هذا الحقل. وفي العام 2011، وفقاً لأرقام مارغريت كوسال، أستاذة معهد جورجيا للتكنولوجيا، خصص الجيش مبلغ 77 مليون دولار، وخصصت قوات البحرية 34 مليوناً، وسلاح الجو مبلغ 24 مليون دولار لمتابعة الأبحاث العصبية. (يجب ملاحظة أن الجيش الأميركي هو الممول الأساسي لحقول علمية مختلفة، بما فيها علوم الهندسة والحاسوب). وفي العام 2014، تعهد نشاط مشاريع البحث الاستخبارية المتقدمة، (إياربا) IARPA، وهو منظمة بحثية لتطوير التكنولوجيات المتطورة لوكالات الاستخبارات الأميركية، بمبلغ 12 مليار دولار لتصميم تقنيات لتحسين الأداء في مجال الأعصاب، بما فيها التحفيز الكهربائي للدماغ من أجل "تحسين منطق التكيف البشري" -أي، من أجل جعل عملية التحليل أكثر ذكاء.
مع ذلك، فإن الطاقة الحقيقية في هذا المجال هي التي تأتي من وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة (DARPA)، وهي وكالة للمؤامرة والحسد الدوليين في واقع الأمر. وتقوم الوكالة بتمويل نحو 250 مشروعاً في أي وقت من الأوقات، وتجند وتقود فرقاً من الخبراء من الحقل الأكاديمي والصناعة للعمل على تكليفات طموحة وعالية التعريف والدقة. وتتمتع (داربا) هذه بموهبة لا تضاهى في تمويل مشاريع رؤيوية تعيد تشكيل العالم -الإنترنت، ونظام التموضع العالمي GPS، والمقاتلة الشبح، على سبيل المثال لا الحصر. وفي العام 2011، خصصت "داربا" التي تعمل بميزانية سنوية متواضعة (بالمعايير الدفاعية) قدرها 3 مليارات دولار، مبلغ 240 مليون دولار للأبحاث العصبية والعقلية وحدها. كما أنها خصصت مسبقاً نحو 225 مليون دولار للسنوات القليلة الأولى من مبادرة "برين" المذكورة، أي أقل من 50 مليوناً فقط من أكبر ممولي المشروع، المعاهد الصحية الوطنية الأميركية NIH، خلال نفس الفترة.
مع نموذج (دابرا) المغير لقواعد اللعبة والمصادقة الدولية على التوجهات المماثلة، كانت مسألة وقت فقط قبل أن تبدأ قوى دولية أخرى بالسير على خطاها. ففي كانون الأول (يناير) الماضي، أعلنت الهند أنها ستعيد تشكيل "منظمة أبحاث وتطوير الدفاع" لديها لتصبح على غرار (دابرا). وفي العام الماضي، أعلن الجيش الروسي عن تخصيصه مبلغ 100 مليون دولار لدعم "مؤسسة الأبحاث المتقدمة" لديه. وفي العام 2013، أعلنت اليابان على الملأ إنشاء وكالة لأغراض مماثلة "مع وضع نموذج (دابرا) الأميركية في البال"، حسب كلمات وزير العلوم والتكنولوجيا الياباني إشيتا ياماموتو. (لقب المراقبون الوكالة اليابانية باسم (جابرا)، تشبيها بدابرا الأميركية). كما تأسست الوكالة الأوروبية للدفاع في العام 2001، استجابة لدعوة إلى إنشاء "(دابرا) أوروبية" –حتى أن هناك جهوداً تبذل لتصدير نموذج (دابرا) إلى الشركات الخاصة، مثل "غوغل".
ما يزال الدور الذي سيلعبه علم الدماغ والأعصاب في هذه المراكز البحثية غير محدد بعد. ومع ذلك، وبالنظر إلى المنجزات الأخيرة التي تم إحرازها في تكنولوجيات الدماغ، فإن اهتمام (دابرا) به، ورغبة المراكز والحاضنات الجديدة في أن تحذو حذو وزارة الدفاع الأميركية، سيجعلان من المرجح أن يحصل هذا الحقل على الأقل على بعض –إذا لم يكن قدراً كبيراً- من الانتباه. ويقول روبرت مكريت، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، والذي كان متخصصاً في السيطرة على الأسلحة، من بين قضايا أمنية أخرى، لأكثر من عقدين، إن هذه "البيئة التنافسية" يمكن أن تغذي نوعاً من سباق الفضاء العصبي؛ مسابقة للسيطرة على الخلايا العصبية وتسليعها -في اتجاه جعل الدماغ أداة لخوض الحروب بطريقة أكثر فعالية.
ليس من الصعب أن نتخيل ما قد يبدو عليه ذلك. اليوم، تستطيع خوذة مزودة بأقطاب كهربائية مثبة في فروة رأس شخص أن تجمع من تخطيطات دماغه الكهربية إشارات تتصل فقط بتحقيق هدف مقصود معين، مثل ركل كرة قدم؛ أما غداً، فسيكون بوسع أقطاب تخطيطات الدماغ الكهربية أن تجمع بطريقة فائقة، وخلسة، رموز الوصول إلى الأسلحة مثلاً. وبالمثل، يمكن أن تصبح الأقطاب الموصولة بالدماغ بمثابة أنابيب شفط وسرقة -والتي تستخدم، مثلاً، للتسلل إلى أفكار جاسوس للعدو. أما الأكثر إثارة للرعب، كما يمكن القول، فإنه إذا تمكن الإرهابيون، وقراصنة الحواسيب، أو مجرمون آخرون من امتلاك مثل هذه التكنولوجيات العصبية، فإنهم يمكن أن يستخدموا هذه الأدوات لتصميم قتلة عازمين لا يردعهم شيء، أو سرقة المعلومات الشخصية، مثل كلمات السر وأرقام البطاقات الائتمانية.
فيما يدعو إلى الكثير من القلق، يبدو أن ثمة القليل مما يمنع هذه السيناريوهات من التحقق. وهناك القليل جداً من المعاهدات الدولية، أو حتى القوانين المحلية، التي تحمي الخصوصية الفردية، ولا يتصل أي منها مباشرة بمسألة التقنيات العصبية والدماغية. وعندما يأتي الأمر إلى الاستخدام المزدوج لهذه الأدوات وتزويدها بالتسليح، فإن عدداً أقل بكثير من الحواجز يتوفر، مما يجعل الدماغ البشري مكشوفاً باعتبارها منطقة هائلة ينعدم فيها القانون.
الآن، يسكن علم الدماغ والأعصاب في نوع من الفجوة في القانون الدولي. فالسلاح العصبي الذي يتضمن استغلال الدماغ "ليس بيولوجياً. وليس كيميائياً. وإنما إلكتروني"، كما تقول ماري شفرييه، أستاذة السياسة العامة في جامعة روتغرز. وهذا تمييز حاسم، لأن معاهدتي الأمم المتحدة الموجودتين -معاهدة الأسلحة البيولوجية، ومعاهدة الأسلحة الكيميائية- اللتين يمكن استخدامهما، نظرياً، للحد من سوء استخدام التكنولوجيات الدماغية، لا تحتويان على أي أحكام متعلقة بالأسلحة الألكترونية. وفي واقع الأمر، لم تكن تلك الوثائق مكتوبة بطريقة تغطي كل الاتجاهات الناشئة، وهو ما يعني أن بالإمكان وضع أنظمة تخص أسلحة معينة بعد أن تصبح هذه الأسلحة موجودة فقط.
تقول شفرييه أنه باعتبار الأسلحة العصبية يمكن أن تؤثر على الدماغ، وهو جهاز بيولوجي، فإن معاهدة الأسلحة البيولوجية، التي تحظر استخدام العضويات البيولوجية القاتلة أو الضارة، أو سمومها، يمكن تعديلها لتشمل هذه الأسلحة. وهي ليست وحيدة في ذلك: فهناك الكثير من الأخلاقيين الذين يدفعون في اتجاه مشاركة أوثق لعلماء الأعصاب في المراجعات الدورية للاتفاقيات والمعاهدات، عندما تقرر الدول الأعضاء إجراء تعديلات على معاهدة ما. لكن ما تفتقر إليه المبادرة حالياً، كما تقول شفرييه، هو وجود مجلس علمي. (في اجتماع يتعلق بالمبادرة في آب/ أغسطس الأخير، كان واحد من الاقتراحات الرئيسية المطروحة على الطاولة خلق مثل هذا الكيان، والذي سيشمل علماء الأعصاب؛ ولم تُعرف نتيجة تلك المداولات). ويمكن أن تعمل المدخلات التقنية التي يوفرها المختصون على دفع الدول الأطراف إلى العمل. وتقول شفرييه: "إن الساسة لا ينطوون على فهم مدى الخطورة الذي يمكن أن ينطوي عليه هذا التهديد".
مع ذلك، وحتى مع وجود مجلس للعلماء، فإن البطء الشديد الناجم عن بيروقراطية الأمم المتحدة سيصنع مشكلة على الأرجح. وتعقد مؤتمرات مراجعة معاهدة الأسلحة البيولوجية، حيث تقدم الدول تقاريرها حول التقنيات الجديدة التي يمكن تبنيها في الأسلحة البيولوجية، كل خمس سنوات فقط –وهو ما يضمن إمكانية دراسة التغييرات التي يمكن إجراؤها في المعاهدة بعد وقت طويل من تحقيق آخر منجزات التقدم العلمي. ويقول جيوردانو، عالم الأعصاب والدماغ في مركز جورجتاون الطبي: "الميل العام دائماً أن العلم والتكنولوجيا يقطعان خطوات كبيرة، بينما تزحف الأخلاق والسياسة في الخلف. إنهما يميلان إلى المساهمة برد فعل، وليس بطريقة استباقية". (لدى الأخلاقيين اسم فعلاً لهذا التأخر: "معضلة كولينغرايد"، نسبة إلى ديفيد كولينغرايد الذي قال في كتابه الصادر في العام 1980 "السيطرة الاجتماعية للتكنولوجيا"، أن من الصعب التنبؤ بالتأثير الممكن لتقنية جديدة ما، ولذلك يستحيل سن سياسة يمكن أن تكون سابقة عليها).
لكن مورينو، عالم البيولوجيا في جامعة بنسلفانيا، يقول أن هذا ليس عذراً للتقاعس عن العمل. إن على الأخلاقيين واجب التأكد من أن أن يتم شرح التطورات العلمية والتهديدات المحتملة التي تشكلها هذه التطورات بشكل كامل لصناع السياسات. ويقول مورينو أن على مؤسسة المعاهد الصحية الوطنية الأميركية أن تؤسس برنامجاً دائماً للأبحاث العصبية. وقد اتخذت الجمعية الملكية البريطانية خطوة في ذلك الاتجاه قبل خمس سنوات، عندما أسست جماعة توجيه مكونة من علماء الأعصاب والأخلاقيين. ومنذ ذلك الحين، نشرت المجموعة أربعة تقارير عن التقدم الذي تم إحرازه في علم الأعصاب والدماغ، بما في ذلك واحد عن الصراع والتداعيات على الأمن القومي. وتدعو تلك الوثيقة إلى أن يكون علم الأعصاب والدماغ موضوعاً محورياً في اجتماعات مراجعة معاهدة الأسلحة البيولوجية، وتحث الهيئات، مثل الجمعية الطبية العالمية، على إجراء دراسات حول التسليح المحتمل لأي تقنيات تؤثر على النظام العصبي البشري، بما في ذلك تلك المتعلقة بالطرفيات والأجهزة التي توصل بالدماغ، غير المغطاة بوضوح في القانون الدولي.
مع ذلك، تزال الأخلاقيات المتعلقة بعلم الأعصاب والدماغ حقلاً جديداً نسبياً. وفي الحقيقة، لم يتم نحت اسمها حتى العام 2002. ومنذ ذلك الحين، نما هذا الحقل كثيراً -مولداً برنامجاً للأخلاق العصبية في جامعة ستانفورد، ومركز أكسفورد للأخلاق العصبية، والشبكة الأوروبية لعلم الدماغ والأعصاب والمجتمع، من بين برامج أخرى- كما اجتذب التمويل من مؤسسة ماك-آرثر ومؤسسة دانا. ومع ذلك، ما يزال تأثير هذه المؤسسات وليداً. ويقول غيوردانو: "لقد تم تحديد مكان العمل، لكن المسألة الآن هي الانطلاق إلى العمل".
من المقلق أيضاً افتقار العلماء للمعرفة حول الاستخدام المزدوج للتقنيات العصبية -بالتحديد، الفصل بين البحث العلمي والأخلاق. ويتذكر مالكولم داندو، أستاذ الأمن الدولي في جامعة برادفورد في إنجلترا، تنظيم العديد من الندوات لدوائر العلوم في أنحاء المملكة المتحدة في العام 2005، السنة التي سبقت مراجعة معاهدة الأسلحة البيولوجية، من أجل تثقيف الخبراء حول إساءات الاستخدام المحتملة للعوامل البيولوجية والأدوات العصبية. وقد صدمه اكتشافه أنهم "لم يكونوا يعرفون الكثير"؛ وعلى سبيل المثال، أنكر أحد العلماء أن ينطوي ميكروب يمكن تحويله إلى سلاح، والذي يحتفظ به في ثلاجته، على أي إمكانية للاستخدام المزدوج. ويتذكر داندو ذلك على أنه "حوار طرشان". ومنذ ذلك الحين، لم يتغير الكثير: إن الافتقار إلى الوعي، كما يشرح داندو، "ما يزال هو واقع الحال بكل تأكيد" في أوساط علماء الدماغ والأعصاب.
لكن من المشجع أن هناك اعترافاً بالمآزق الآخلاقية التي ينطوي عليها علم الدماغ والأعصاب، والذي أصبح يظهر في أماكن رئيسية، كما يشير داندو. فقد عين الرئيس أوباما لجنة رئاسية لدراسة القضايا البيو-أخلاقية، وكلفها بإعداد تقرير حول القضايا الأخلاقية والقانونية الممكنة المتصلة بالتكنولوجيات المتطورة لمبادرة "برين"، كما قام مشروع الاتحاد الأوروبي للدماغ البشري بإنشاء برنامج للأخلاق والمجتمع، ليرشد حوكمة المساعي المتعلقة بهذا الشأن.
لكن هذه الجهود ربما تلتف حول القضية المخصوصة المتعلقة بلأسلحة العصبية. وعلى سبيل المثال، لا يتضمن التقرير المكون من مجلدين و200 صفحة حول المضامين الأخلاقية لمبادرة "برين"، والذي نشر في آذار (مارس) الماضي، مصطلحات مثل "الاستخدام المزدوج" أو "التسليح". ويقول داندو أن وجود هذه الفجوة -حتى في أدبيات علم الأعصاب، حيث قد يتوقع المرء أن يبرز هذا الموضوع- يشكل القاعدة، وليس الاستثناء.
عندما صنع نيكوليليس من ديوك أول آلة تتصل بالواجهة الدماغية في العام 1999 -فأر، استطاع باستخدام الأفكار فقط، أن يضغط على ذراع لاستقبال الماء- فإنه لم يتخيل أبداً أن يتم استخدام هذه الآلة كأداة لإعادة تأهيل البشر المشلولين. أما الآن، فقد أصبح بوسع مرضاه أن يركلوا كرة عبر ملعب كرة قدم في مسابقة كأس العالم، من داخل هيكل خارجي روبوتي مسيطر عليه دماغياً. وما تزال تطبيقات أبحاثه في تقدم. ويعمل نيكوليليس الآن على صناعة نسخة موسعة من الشبكات الدماغية -قبعات مزودة بأقطاب يرتديها المستخدمون- في العيادات العلاجية، حيث يتمكن مختصو العلاج الطبيعي من استخدام موجات أدمغتهم الخاصة لمساعدة الناس المصابين على المشي. ويقول عن ذلك: "إن المعالجون الطبيعيون يقومون بإعارة عقولهم للمرضى 90 في المائة من الوقت، بينما يستخدم المريض دماغه في 10 في المائة من الوقت، وبفعل ذلك، يرجح أن يتعلم المريض بشكل أسرع".
لكن نيكوليليس يعترف بأنه يشعر بالقلق بينما يشاهد ابتكاراته وهي تكسب الجاذبية والانتباه، من أن يتم توظيفها في استخدامات أخرى شائنة. وبعد مشروع نُفذ في أواسط العشرية الأولى من القرن الجديد، والذي استخدم الأقطاب المرتبطة بالدماغ لمساعدة المحاربين القدامى على كسب قدرة التحرك، أصبح نيكوليليس يرفض الآن قبول نقود (داربا). وهو يستشعر أنه أصبح من فئة أقلية، في الولايات المتحدة على الأقل. ويقول: "أعتقد أن بعض علماء الدماغ والأعصاب، في الاجتماعات، يعبرون عما يكفي من الحمق للتفاخر بحجم المبالغ التي حصلوا عليها من (داربا) لإجراء البحوث، حتى من دون أن يفكروا بما قد تريده (داربا) من وراء ذلك".
تتسبب فكرة احتمال تسليح الأقطاب الكهربية والأجهزة المرتبطة بالدماغ، عمل حياته المهنية كلها، بألم شديد لنيكوليليس. ويقول: "كنت أحاول خلال السنوات العشرين الماضية أن أفعل شيئاً ربما تكون له فائدة فكرية لفهم الدماغ، وتكون له في نهاية المطاف فوائد سريرية وعلاجية".
مع ذلك، أصبحت حقيقة أن الأسلحة العصبية تتطور هي الأخرى إلى جانب التطبيقات العلاجية والسريرية لتقنيات الدماغ، أمراً مفروغاً منه. أما أي أنواع من الأسلحة ستكون عليها تلك الأجهزة عندما تظهر، وفي أي أيدٍ ستكون، فعلينا أن ننتظر لنرى؛ ولا يحتاج الناس اليوم بالتأكيد إلى الخوف من احتمال أن تكون عقولهم على شفا التعرض للانكشاف والاستغلال. لكن التفكير في سيناريو كابوسي، حيث تقوم التقنيات الناجمة بتحويل الدماغ البشري إلى أداة -أكثر حساسية من الكلاب البوليسية، ومسيطراً عليها مثل طائرة من دون طيار، أو أكثر انكشافاً من خزنة مفتوحة- يشكل ضرباً من التصور القاتم، والذي يستدرج السؤال المستحق: هل يتم فعل ما يكفي للجم هذا الجيل القادم من الأسلحة الفتاكة قبل فوات الأوان؟

*تيم ريكوارث: صحفي علمي مقيم في نيويورك. جاك الهاي: مؤلف "جراح الدماغ: عبقرية علمية مافريك الطبية وسعيه المأسوي لتخليص العالم من الأمراض العقلية"، والذي شارك في إعداد هذه المادة.
 *نشر هذا الموضوع تحت عنوان: This is Your Brain. This is Your Brain as a Weapon
هامش
(1) ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك: هو مركب شبه قلوي ومن المهلوسات القوية المؤثرة على العقل، حيث تكفي جرعة صغيرة جداً منه لإحداث اضطرابات في الرؤية، والمزاج والفكر.

التعليق