إبراهيم غرايبة

نحو جبهة علمانية يشارك فيها المتدينون

تم نشره في الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:06 صباحاً

تتشكل فرصة كبيرة اليوم لتيار اجتماعي قادر على تحرير الدين والصراعات القائمة في البلاد العربية من بعضهما بعضاً. ويمكن أن يكون هذا التيار ائتلافاً تعددياً من مجموعة من الأفكار السياسية والدينية؛ من المتدينين الذين يشاركون في الحياة السياسية والعامة على أسس وقواعد علمانية بهدف التأثير في العملية السياسية من دون إضرار بها، ومن علمانيين متدينين، يؤمنون أن العلمانية موقف ديني أو هي التطبيق والفهم الأكثر صواباً للدين، ومن علمانيين غير متدينين، لكنهم لا يتخذون موقفاً عدائياً من الدين، ويؤيدون حياد الدولة الإيجابي تجاه الدين، بمعنى الالتزام بحرية التدين مع استقلال الدين والدولة عن بعضهما بعضاً.
هناك تفاوت بالطبع في نضج الفكرة ووضوحها لدى التيارات الثلاثة. فالعلمانيون غير المتدينين هم الأكثر وضوحاً وفهماً للعلاقة الممكنة بين الدين والدولة، وإن كانوا يتعرضون لسوء فهم وعداء من الإسلام الشعبي الذي تحول إلى إسلام سياسي أكثر تعصباً من الإسلام السياسي المنظم في جماعات وأحزاب. أما المتدينون العلمانيون، فكانوا التيار الأكثر عرضة للإقصاء وسوء الفهم، واجتمعت عليهم سهام السلطات السياسية وجماعات الإسلام السياسي، وإن كانوا الأقدر والأكثر كفاءة في تقديم رؤية فكرية ودينية واضحة وعملية للخروج بالحالة السياسية والتعليمية من التطرف والجمود الراسخ والمتغلغل في كل أنحاء ومستويات المؤسسات التعليمية والدينية الرسمية وفي الإعلام والدعوة والإفتاء. وأما المتدينون المؤيدون للمشاركة العامة والتأثير فيها بأدواتها وقواعدها، فهم الأكثر غموضاً، وما يزالون في حالة صراع مع الذات وفي اجتهاد فكري مضنٍ لأسلمة الديمقراطية أو تحويلها إلى فكرة إسلامية. وهم وإن كانوا يناقضون أنفسهم وينشئون رؤية ومواقف ليست إسلامية ولا ديمقراطية، إلا أنهم في واقع الحال مقتنعون عملياً بضرورة استقلال الدين والدولة عن بعضهما بعضاً، لكنهم يواجهون أزمتين تربكانهم: مع أنفسهم وضمائرهم التي تؤمن بمطالب تطبيقية دينية للدولة لا تحتملها الديمقراطية بما هي نسبية وعدم يقينية؛ ومع قواعدهم التنظيمية المأسورة لصورة مثالية للتاريخ لا تقبل أنصاف الحلول، لكنها على أي حال تلتزم بعملية سياسية واجتماعية مع الاختلاف معها في الوقت نفسه.
المسألة الإيجابية في التيار الثالث أنه واضح في مطالبه، ويحدد على نحو واقعي الفرق بين ما يريده والواقع القائم؛ ويوضح أيضاً فكرته لتطبيق ما يدعو إليه على أسس ديمقراطية وسلمية، وهو في ذلك شريك ملائم، يمكنه أيضاً أن يؤثر في قطاع واسع من المتدينين، سواء من أعضاء الجماعات المنظمة أو الفئات الاجتماعية الواسعة المؤمنة بالإسلام السياسي. لكن نقطة الضعف الأساسية في هذا التيار أنه وإن كان مؤيداً للديمقراطية، إلا أن إيمانه بها مستمد من دوافع ومبررات دينية، وسوف يظل الدين هو القيمة العليا المرجعية والمنظمة للحياة السياسية، وليس المواطنة وولاية المواطنين على مصائرهم ومواردهم، وهي مسألة خطيرة ولا يجوز غض الطرف عنها، حتى مع الاتفاق في المحصلة مع أصحاب هذا الاتجاه، لأننا سنظل في تنظيم الدولة والمجتمع وفي ممارسة المواطنة والحريات تحت رحمة فتوى دينية.
والحال أن ما نحتاج إليه هو أن نعمل ونفكر معاً بحثاً عن الحكمة والصواب، موقنين بنقص معرفتنا واحتمالات الخطأ والصواب والمصالح والأهواء فيما نفكر فيه ونخطط لأجله، لكننا نواصل حياتنا بما هي كذلك ولأجل أن نعيشها كما نتطلع وقبل أن نموت، وليس لأجل حياة أخرى بعد الموت! وسيكون بطبيعة الحال فرق كبير بين الأولويات والأفكار عندما نعمل لأجل تحسين حياتنا القائمة أو حياتنا بعد الموت، حتى ونحن متفقون على الاحتكام بصدق لصناديق الانتخاب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غريب (صالح)

    الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    طرح غريب ليس على مستوى الفكرة فقط بل ايضا على مستوى التطبيق تعلم يا كاتب ظروف نشأة العلمانية ومبررات وجودها في القرنين الماضين، ومشلكة العلمانية لا تقل عن مشكلات التدين المنقوص، ولا يعني ذلك التخلي عن فكرة التعاون بين ابناء الوطن على خدمته، لكن الطرح هنا يحاول بفجاجة ابعاد الدين وهو الإسلام عن الحياة العامة وتركهه للعلمانيين ولم تقل لنا ما ذا تقصد بالدين لأن الدين فيه اجتهادات البشر و النصوص القطعية. واجتهادات البشر يمكن ببساطة أن تتغير تبعا للظروف ولكن كليات الدين لا يمكن تغييرها، والمواطنة مصونة مادامت ضمن القانون وهذا معمول به في كل العالم المتقدم، ومن يخترق القانون يعاقب،
    أحيانا لا أعرف كيف أخاطبك رغم قناعتي بأن تطورالأفكار شيء طبيعي لدى الناس ولكن الكفر بالقناعات إلى مثل هذه الدرجة يعب تفسيره.
  • »دعوة غير واقعية (يوسف الحوراني)

    الجمعة 2 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    هذا كلام غير واقعي اطلاقا فلا يمكن أن يقبل المتدينون الإلتقاء بالعلمانيين لأنهم يعتبرونهم كفرة , والاسلاميون عموما لا يعترفون بأي فكر أو جماعة أو تنظيم او دين ، فكل ما هو غير اسلامي يجب محاربته لأن لا فكر ، حسب اعتقاداتهم، ولاعقيدة غير الإسلام وان كانوا في لحظة تاريخية يتحالفون أو يلتقون مع هذه الجهة او تلك فذلك لأغراض (انتهازية)
  • »الى يوسف (طارق)

    الجمعة 2 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    الى مسلسل ربط الاخلاق بالدين، يضحكون علينا باسم الدين لمصالحهم الشخصية،
    سيدي، من يتاجر بالدين هو عديم الاخلاق لركوبه موجه الدين للوصول الى الشهرة و التبعية المطلوبة.
    العلمانية هي بكل بساطة فصل اجهزة الدولة عن كل ما هو ديني لبقاء الدولة حيادية و بعيدا عن الطائفية ، بينما الدولة الدينية هي تطويع الدولة لخدمة طائفية رجال الدين.
  • »أوراق تعلم لحركة الدولة المدنية (سمر دودين)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    الاستاذ ابراهيم غرايبة يبدع في هذا المقال و يطرح ورقة تعلم هامة للحراك المدني و يستشرف فرصة ملهمة لتمتين الخطاب المدني الذي يحترم التعددية الدينية و الفكرية. شكرًا جزيلا لصوتك الحكيم الناقد و الملهم
  • »الديموقراطية والمال السياسي (المغترب)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    ان الذين يدعون اليوم للديموقراطية يؤمنون بها من باب الانتهازية لانهم يملكون المال وهم الاخوان المسلمون الذين يكفرون في الأصل بالديموقراطية لانها حكم الشعب وهم يشتركون مع حزب التحرير بالقول ان الحاكمية لله ،والاية ( ومن لا يحكم بما انزل الله،،،،الخ) فالاخوان يملكون ثروة طائلة من أموال البترول ولهذا فهم يملكون جمهورا من الفقراء في كل مكان في المحافظات والمخيمات بالاضافة الى البرجوازية المؤمنة الخائفة من الآخرة والتي علموها ان الخلاص من الخطأ وكسب الجنة يكون باتباع الاخوان
    هذا هو الوضع بعد اكثر من نصف قرن من الانفراد بالمجتمع والمدرسة والمسجد والإذاعة والتلفزيون والراي العام
    فهل هناك من منافسة شريفة ؟.؟؟؟
  • »العلمانيون (يوسف)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    العلمانيون مبدأهم المصلحة الشخصية .. ومواقفهم رخوة على كل الاصعدة وهم اسهل للتطويع والابتزاز من الاسلاميين الذين هم بالأغلب على مبدأ صحيح وملتزمون بالغالب أخلاقيا وذوي ذمة نظيفة فليس من السهل ابتزازهم أو المساومة على موقفهم..
  • »العلمانية و المتدينون (خلدون)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    سيدي العزيز العلمانية دائما تحرج رجال الدين و جماعات الاسلام السياسي ، فهي تسحب كرسي السلطة من تحتهم و يفوتون امتيازات شخصية بحتة.
    العلمانية هي الحل الوحيد للخروج من دوامة الطائفية التي نعيشها و هي التي تحصر خطاب رجال الدين بدور العبادة و التركيز على الاخلاق بدلا من التكفير.
    يجب على رجال الدين من يغار على دينه ان يدعو للعلمانية بدلا من تكفيرها.
  • »"خليط مشوه" (يوسف صافي)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    لكل خلطة لابد من ناظم متفق عليه حتى تخرج حصيلة التمازج قابلة للتذوق اولا ومن ثم قابلة ل الإستهلاك البشري؟؟ ما يعشعش من بين مكوناتها الدعوة للصراع واي صراع اشد من صراع المعايير ؟؟؟ يقال ان الشيطان يسكن التفاصيل... وهل يعقل ان يكون المخلوق شريكا لخالقه (معاذ الله) ؟؟؟؟ ونتيجة ما تساءلت مذيلا مقالك جوابه واجري على الله ناصحا سيكون اشبه بالمثل "لافي الدمّر عيدت ولافي الشام الحقت العيد"ا ؟؟؟ "قل هل من شركائكم من يهدي للحق قل الله يهدي للحق افمن يهدي للحق ان يتبع ام من لايهدي إلا ان يهتدي فما لكم كيف تحكمون"