"فاذكروا الله كذكر آبائكم أو أشد ذكرا"

تم نشره في الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • حجاج يطوفون حول الكعبة في مكة المكرمة (أرشيفية)

د. محمد خازر المجالي

يا لروعة القرآن وهو يوجه الفكر ويغذي الروح، ويهدي للتي هي أقوم. وهو واقعي في معالجة الأمور وتوجيه الإنسان إلى ما فيه مصلحته، دنيا وآخرة. فالذين يعيشون في هذه الدنيا وهم مدركون لطبيعة الحياة والإنسان والكون، يتطلعون إلى الاستقرار الحقيقي الآمن، والإيجابية في الحياة، بعيدا عن كل سلبيات الحياة والتصرفات، مما نشهده هذه الأيام حتى في بيئاتنا المحافظة؛ حيث الانتحار والجريمة والشذوذ والتوترات والخيانات الزوجية وازدياد نسب الطلاق وتفكك الأسر، بما ينذر بويلات قد تعصف بالمجتمعات وتتركها كما هي سلبيات المجتمعات الغربية.
يعز علينا أن ترتفع أصوات المنادين بفصل الدين عن الحياة توجيها وتهذيبا وتربية ومرجعية، إذ ينسى هؤلاء أن الوازع الأهم في حياة الإنسان هو ربطه بخالقه في سلوكياته كلها، بل في مشاعره وأمنياته؛ هكذا يكون تكريم الإنسان حقيقة، فهو بقدر تعلقه بخالقه عبودية ومخافة ومراقبة، وهذا الذي ينتج إنسانا سويا مستقيما معطاءً إيجابيا، وهي الحضارة الحقيقية التي ترفع من قدر الإنسان، بينما يحاول آخرون ترك التوجيه لقوانين ومبادئ وقيم بشرية، قد تصيب أحيانا، ولكن شتان بين صنع الله وصنع البشر: "هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ..." (لقمان، الآية 11).
وعودة إلى عنواننا؛ فهي نهاية مشاعر الحج وشعائره، حين يخاطب الله أهل الموقف: "... فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (البقرة، الآيات 198-201).
ونلحظ التركيز على ذكر الله. والذكر هنا ليس مجرد التلفظ باللسان، بل هو التعظيم الذي يربط اللسان بالقلب، لنحيي الله في نفوسنا فيكون الإنسان مع الله تعالى في شأنه كله. وشتان بين من يعظم الله ويخشاه ويحبه ويرجوه ويتوكل عليه حق التوكل (لا التواكل)، ويطبق شرعه ويعدل ويحسن إلى الآخرين ويحرم ما حرمه الله ويستقيم في حياته، وبين من حياته بلا مبادئ ولسان حاله: "إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر".
ونلحظ لفتة واقعية في النص؛ فالإنسان بعد إنهاء المناسك يكون في شوق شديد لأهله ووطنه، فيجيء الخطاب هنا بأن يذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا. فمع هذا الشوق العظيم الذي هو في فطرة الإنسان وطبعه، إلا أن المطلوب أن لا يشغله ذلك عن ذكر الله. وذكر الآباء هنا لتعزيز فضل الوالدين على وجه التحديد. قيم رائعة لا يدركها إلا أصحاب المبادئ؛ فقد يكون الشوق للولد الصغير أكثر، ولكن الإسلام بعظمته يرد الأمور إلى نصابها الصحيح، فحق الوالدين أعظم وأوجب.
ثم يتحدث النص عن صنفين من الناس: صنف يعيش بمجرد آماله ولا يعنيه أمر دين ولا توجه إلى خالق أو قيم حقيقية يعيش من أجلها؛ فهو لاه لاعب رغم كونه مسلما أحيانا. فهذا ليس له في الآخرة أي نصيب، لأن حدود آماله ورغباته هي الدنيا فقط، وقد يعطيه الله الدنيا. وصنف دعا الله أن يعطيه خيري الدنيا والآخرة، فلهم نصيب مما كسبوا وفق حكمة الله وتدبيره. فهذا الصنف اهتم بالآخرة، يتطلع إلى الدار الحقيقية: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (القصص، الآية 77)، "تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (القصص، الآية 83). إذ جاءت هاتان الآيتنان في قصة قارون وغروره وتجبره وتكبره على قومه وعلى خالقه، فكان جزاؤه الخسف. ووضعت القصة القيم في مكانها الصحيح، فالإنسان بمبادئه وقيمه وعبوديته لربه وإحسانه لا بماله وجاهه.
ونلحظ من النص كيف ركز على كلمة "الناس"؛ فموقف الحج بذاته مذكِّر بالآخرة، والآخرة بعث وحشر وحساب وموازين وصحف متطايرة وصراط وجنة ونار، وحينها يكون الحساب للناس كلهم، فهو من هذا الجانب عام لا يخص دينا ولا فئة، ومن جانب آخر فإن النص يؤكد على المبادئ الإنسانية التي ينبغي أن يكون عليها المسلم على وجه التحديد؛ فدينه عالمي، وكتابه عالمي، ورسالته عالمية، وهو في موقف الحج بالذات يشهد مؤتمرا عالميا فيه من الألوان واللغات والأعراق الكثير، يوحدهم المكان والاعتقاد، تلهج ألسنتهم جميعا بذكر الله وتعظيمه.
وأخيرا، نلحظ كيف ذكر الله تعالى أمر الحساب. ومرة أخرى، فهو تذكير بالآخرة، وأن نحسب لها حسابها. وهنا لا بد من الرد على أولئك الذين يتهمون أهل التدين بأنهم لا يقدمون للدنيا شيئا، فالحضارة لغيرنا ونحن تبع لهم. والرد، بكل بساطة، أننا عندما كنا أهل تدين حقيقي، وعرفنا قيمة الحياتين الدنيا والآخرة، وأننا أمة رسالة ومبادئ، قدنا العالم إلى ما فيه الحضارة الحقيقية. والغرب نفسه يدرك هذه المعاني، فقد قدّم علماء المسلمين للبشرية ما لا يمكن إنكاره، فالدين ليس عامل تقاعس بل تحفيز، فهو دين "اقرأ"، وهو الدين الذي يجعل العلم فريضة في الجوانب كلها. والمشكلة الحقيقية فينا حين نقصّر عن الفهم، وحين يشغلنا الخصم، وحين تتيه بوصلتنا. فلا بد من تصحيح المسار وترتيب الأولويات والثقة بالنفس، عندها تتبوأ الأمة مكانها الصحيح اللائق بها.

التعليق