ليوحدنا "الأقصى"

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 06:11 مـساءً

د. محمد خازر المجالي

في ظل ما يحدث للمسجد الأقصى المبارك من انتهاكات وتدنيس، وفي وقت تتشتت فيه اهتمامات العرب والمسلمين بسبب ما هم فيه من انشغالات؛ حيث الحروب والدماء والخلافات والفقر والقهر والتبعية، فإننا نستذكر صورا سيئة مرت على الأمة قديما، حين أغرت انقساماتها وضعفها آخرين ليغزوهم ويحتلوا القدس و"الأقصى" على وجه التحديد. فكان الصليبيون والتتار والاستعمار الحديث. ومن امتدادات هذا الاستعمار، أن تعيش أمتنا حالة من الضياع والحيرة والتيه غريبة شديدة، لنكون في الغالب بلا هوية ولا قيمة ولا غَيْرة. فقد فرقتنا الصراعات والخلافات الجانبية، فكان الاقتتال ليتحقق فينا قول النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبح بأسنا بيننا شديدا، وأن يضرب بعضنا رقاب بعض. وبذلك تجاوزنا حدودا كثيرة؛ دينية وقيمية وأخوية.
ليست المسألة الآن خلافات فقهية، ولا حتى فروعا في العقيدة جائزة، أو اختلافات في وجهات النظر، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا مما هو وارد في سنة اختلاف البشر؛ بل هي في صلب العقيدة، مما أدى إلى الكراهية والاقتتال. وربما يوازي هذا في الخطورة ما نراه من تشكيك في أمر الدين عموما على أيدي بعض بني جلدتنا بمسمياتهم المختلفة. فالخلاف معهم أمر عادي، لكن المثير هو الوصول إلى ما يعتقده المسلم ثوابت، ليتم تشويهها وتدميرها! وتواكب هذا كله حالة من اليأس يعيشها المسلمون، وفرقة وتسلط للعدو ولعب بمقدرات الدول وإحياء للنعرات القومية والطائفية، ووضع اقتصادي مدمر ترك المسلمين يعيشون على هامش الحياة في غالب بلدانهم.
اليوم، تتكرر الاعتداءات على "الأقصى" الحزين الأسير، فتسمع له أنينا وكأنه ينادي: أين أحفاد عمر وصلاح الدين؟ إلى متى هذا الاستخفاف بي واللهو عن حرماتي؟! ألهذا الحد تخلى المسلمون عني، أنا أولى القبلتين ومسرى رسول الله ومعراجه؟! فمن الذي ينال شرف النصر بأن يحقق قول الله تعالى: "... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا" (الإسراء، الآية 7)؟
لسنا في شك من وعد الله عز وجل، ولا من وعد رسوله صلى الله عليه وسلم في حتمية قتال المسلمين واليهود، ولكننا أمام حقيقة مرّة، هي أن المسلمين في سبات عميق، وبوصلة منحرفة، وهوية شبه ضائعة، ومسؤولية تكاد ترتفع إلا في شؤون الأسرة والعمل، أما مسؤولية الأمة والمقدسات وسعادة الإنسانية كلها، فلا تكاد مثل هذه المفاهيم تهم إلا العدد القليل منا. ولهذا تشكو أمتنا داء الغثائية والقزمية وضيق الأفق وضيق الصدر، بعد أن كنا عمالقة كبارا، وآفاقنا بعيدة، وصدورنا رحبة.
بحثت كثيرا هل هناك ما يمنع من هدم "الأقصى"؟ وهل ورد شيء في هذا الخصوص؟ وتذكرت أن الكعبة هدمت أكثر من مرة، فما المانع من هدم "الأقصى" الآن، وقد أعد اليهود الصهاينة كل الوسائل لهدمه وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه؟ وأعني بالأقصى هنا الحرم، بما يحتويه من معالم بارزة، أهمها المسجد القبلي وقبة الصخرة المشرفة. فلا يوجد ما يمنع هدم المسجد. وقد شرع اليهود الآن في مشروع التقسيم المكاني والزمني للأقصى كما فعلوا في الحرم الإبراهيمي بالخليل. وهذا التحدي الجديد خطوة صهيونية ينبني عليها مشروع الهدم الذي يعتقده اليهود في كتبهم، من حتمية بناء الهيكل ليكون الخلاص الأعظم بظهور المسيح الحقيقي. فعقيدة اليهود الحقيقية هي إنكار عيسى ومحمد عليهما وعلى أنبياء الله جميعا الصلاة والسلام.
لم يكن لليهود هذا الموقف وهذه الجرأة في اقتحام "الأقصى" وضرب أهله، إلا لانشغالنا بأهوائنا تارة، وبالاقتتال الداخلي بيننا، تارة أخرى، في سورية والعراق ومصر واليمن وليبيا، وفي لحظة تصاب فيها الإرادة العربية بالشلل تجاه ما يجري. ففجأة، ندرك أن الجامعة العربية مشلولة، ومنظمة التعاون الإسلامي غائبة؛ نجتمع على أمور تافهة، ونترك الأمور المصيرية المهمة!
ليوحدنا "الأقصى" جميعا، عربا وعجما، مسلمين ومسيحيين؛ ليوقظنا من غفلتنا وتيهنا. فالأمر جد خطير. قد يُهدم "الأقصى"، فماذا نحن فاعلون؟ وقد يُبنى الهيكل. ندرك أن لله وعدا، وقد يغير الله من حال إلى حال، لكن الغصة تملأ قلوبنا أننا نعمل بلا تخطيط، وأن سياسات معظم بلداننا بعيدة عن مثل هذه الأمور، فهل هي الفوضى التي ستحل ولا تلبث أن تتوحد الأمة، أم أن أمارات القيامة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ستبدأ، بما فيها من ملاحم واقتتال، بما فيها ما هو بين المسلمين واليهود؟!
نحن بحاجة إلى حب واحترام فيما بيننا، وثقة بإسلامنا، وحسن فهم لديننا من جهة، ولما يجري بيننا وحولنا من جهة أخرى. لتكن لنا قيمة حقيقية بصدقنا وإخلاصنا وعملنا، لتكن لنا إسهامات ولو بسيطة من أجل كرامتنا وحضارة الإنسانية كلها.
لا يمنع الإسلام من وجود وجهات نظر مختلفة، ولا حتى توجهات مختلفة، فقد أقر أهل الأديان على دينهم فقال تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..." (البقرة، الآية 256). فمبدأ الإكراه منفي عن ديننا، ويدخل في هذا المعنى الإكراه على الدين من باب أولى، فهو دين تحرير العقول والإرادات، ودين حقوق الإنسان الحقيقية التي كرم الله لأجلها الإنسان؛ فلا يمنع الإسلام من وجود التوجهات ولو ابتعدت، ولكنه يطلب الاحترام والأدب، ويحرم الاعتداء والمكر والبغضاء بين الناس. لكن طبيعة البشر واضحة في الاقتتال والكره والاختلاف، ويبقى المسلمون أصحاب منهج، الأصل الالتزام به، ومن تمسك به فلن يضل أبدا.
ندرك أننا أصحاب قرآن، والقرآن أيضا يجمعنا ويوحدنا ويبارك حياتنا وجهودنا. فليوحدنا المسجد الأقصى في هذا الظرف العصيب، وليجمعنا القرآن بما ضمنه الله لنا فيه من هدى ونور وروح وفرقان وبركة. ليكن الأمر جادا، فلا مجال للالتفاف والتهرب، فهو جد خطير، إذ قد تنطلق الشرارة وتسيل الدماء ويهدم "الأقصى"، فماذا نحن فاعلون؟ فلنعذر أنفسنا أمام الله و"الأقصى" والأجيال القادمة.

التعليق