مقام الإحسان في الجدل المعرفي

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 06:11 مـساءً

د. نارت قاخون

يقول تعالى: "... وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..." (النحل، الآية 125). فتطلب الآية من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُجادل مخالفيه، لكنه جدل مشروط بكونه بالتي هي أحسن. والإحسان الذي تشترطه الآية هو الذي يُخرج "الجدل" من "دائرة العقم والمكابرة وغياب الإنصاف" إلى آفاق النقاش المعرفيّ الجاد الحارّ المثمِر الفعّال، الذي يكون به "الجدل" محرّكاً من محرّكات المعرفة والإبداع الإنسانيّ الخلاق.
و"الجدل" فعلٌ معرفيّ يقوم على أسس معرفيّة ومنهجيّة وأخلاقيّة، تجعله فعلاً في "مقام الإحسان"؛ هذا المقام الذي ينفتح على المعرفة والإنسان أيّاً كان مصدرها طالباً لها من أيّ مكان؛ فالحكمة -وهي رأس المعارف- ضالة "المؤمن" أنّى وجدها فهو أحقّ بها.
وحتى يكون "الجدل" إيجابيّاً حيويّاً كاشفاً عن الحكمة، منتجاً لمعرفة ذات مقبوليّة علميّة منهجيّة، لا بدّ من توفّر شروط أقرب ما تكون لميثاق شرف معرفيّ بين "المتجادلين"، تجعل "الجدل" فعلاً في "مقام الإحسان"، وهي –أي هذه الشروط- من بدهيات مفهوم الجدل الفكريّ، لكنها من أكثر البدهيات إغفالاً وتجاوزاً، ولاسيما في سياقات "الجدل المعاصر" في ثقافتنا، ممّا يجعلها نقاشات فاضحات، تعيد إنتاج "الأزمات" وتقوّيها عوض اقتراح آفاق خلاّقة لتجاوزها.
ومن شروط بلوغ "مقام الإحسان في الجدل":
1. القدر الكافي من الفهم المشترك. وهذا أوّل ما تقوم عليه ثقافة "الجدل". لذلك، لا بدّ أن يعيَ المجيب قصد السائل، ضابطاً المفاهيم والاصطلاحات، وإلا سيكون الجدل والحوار "حوار طرشان". فعلى المتجادلَين أن يفهما المقاصد الدلاليّة والاستدلاليّة لكلٍّ منهما حتى ينشآ جدلاً إحسانياً، وإلا ماذا نتوقّع من جدالٍ بين فئتين عن "الدين" و"العلمانية" مثلاً، وكلّ طرف لا يفهم اصطلاح الآخر عنهما؟
2. القدر الكافي من الاتفاق المشترك.إذ لكلّ سؤال موضع في الأصول والفروع، فالسؤال قد يكون فرعاً عن أصل آخر، ويكون في الوقت نفسه أصلاً لفرع آخر، وما لم يكن المتجادلان متفقين في أصل السؤال، فإنّ خوضهما الإجابة عن "الفرع" عبث.
وقضية الأصول والفروع يُمكنها أن ترتفع درجة أو درجات حسب السائل والمجيب، وصولاً إلى الأصول الكبرى التي تقوم عليها المعرفة الإنسانيّة الدينيّة وغير الدينيّة جملة. وهنا لا بدّ من انتباه إلى اتفاق وتفاهم هو في مقام الأصل لأيّ جدل، وهو الاتفاق في "العيارات الحاكمة"، و"المرجعيّات" التي يُحكم بها بصواب رأي أو خطئه. فليس من الإحسان في الجدل أن تحتجّ على مخالفك بما ليس حجّة عنده، كما يفعل كثيرون من الاحتجاج بالقرآن على مَن لايؤمن به! أو مَن يحتجّ بالأحاديث المرويّة على "قرآنيّ" مثلاً لا يرى الحجّة إلا في القرآن، وبعبارة موجزة: الاتفاق في الدليل قبل الخوض في الاستدلال.
3. القدر الكافي من الاختلاف لحدوث الجدل. فالجدل فرع عن الاختلاف بالضرورة، لذلك على المتجادلين المتناظرين أن يعيا اختلافهما موضعاً وقدراً، ومن دون ذلك فإمّا أن يصير الجدل "مونولوجاً" أي حديث نفس، أو أن يصير اختلافاً شكليّاً غير ذي قيمة جدليّة. وهذان الأمران يحصلان عادة حين لا يحقّق الطرفان الشرطين الأول والثاني، أو حين لا يعيَ أحد الطرفين لوازم قوله ونتائجه، فتجد طرفين يتجادلان في قضيّة ويشتدّ الجدل بينهما وهما في واقع الأمر يكادان يتّفقان في الفكرة نفسها، لكنهما لعدم ضبطهما المفاهيم ودلالاتها وقعا في وهم "الاختلاف".
ومن نماذج هذا الجدل الشكليّ الفارغ، ما نراه من بعض "منكري" أفعال "داعش" من "أنصار الحلّ الإسلاميّ"؛ فكثير من هذه الجدالات لا تقوم على اختلاف ومخالفة جذريّة وحقيقيّة لطروحات "داعش"، بقدر ما تكون خلافات على "وصف الأفعال وأسمائها" لا حقيقتها.
4. قبول الطرفين باحتمال وقوعه في الخطأ وصواب مخالفه. وهذا مطلب نفسي وعقلي يكثر الإخلال به، فالغالب أنّ المجادِل يفترض صوابه المطلق وخطأ الآخر المطلق، وهذا الافتراض ينقل "الجدل" من جدل إقناعيّ برهانيّ إلى جدل إفحامي خطابيّ غايته "الانتصار" في المناظرة، لا "الوصول" إلى الصواب أو أقرب المقامات إليه. وهذا "المجادِل" الذي يُغيّب احتمال خطئه، أو يرفضه، يحصرُ نتيجة "الجدال" بنتيجة واحدة، وهي "وجوب اقتناع الطرف الآخر"، ومتى لم تتحقّق له هذه الغاية انتقل إلى وصف الآخر بـ"المكابرة" و"العناد" و"إنكار الحقّ" و"عمى البصيرة" وغير ذلك من أوصاف غايتها رفض الإقرار باحتمال صواب الآخر وخطئه هو. وهذه الآفة الجدالية سمة عامة غالبة في الجدالات بين أهل الأديان والفرق والمذاهب والطوائف، لذلك يندر بينهم مَن يبلغ "مقام الإحسان" في الجدل المعرفيّ، فالجدال محصور عندهم في اتجاه واحد وصورة واحدة، وهي أنّ "الحقّ والحقيقة" معي وليس للطرف الثاني إلا "الاقتناع". ولعلّ السبب الأهمّ لذلك هو أنّ هذا المجادل يرى "رأيه" هو "مراد الله وحكمه" من دون ريب أو شك، فينزل رأيه منزلة "الله" وكأنّه يقول: "أفي الله شكّ" (إبراهيم، الآية 10).وبذلك ينحصر حال الطرف الثاني بأحد حالين: طالب حقٍّ فسينتهي الأمر معه بالضرورة إلى "الاقتناع" بما يراه الطرف الأوّل، أو طالب فتنة وجدال و"بدعة" و"ضلال" و"كفر"، وهذا ليس أكثر من "مكابر" "معاند" "مفسد" "فاسد"! والأمر أنّ هذا المجادل الذي يحتكر "الصواب" يلجأ إلى هذا "الحصر" هروباً من "عجزه وضعف حجّته" إلى "سلطان الدين" و"استثارة مشاعر النّاس" التي تتميّز بـ"الحساسيّة" حين يقترب الأمر من "الدين".
5. إلمام طرفي الجدل بالحدّ الكافي من قواعد الجدل ومنطقه. فالجدل فعل عقليّ معرفيّ له شروط يكون من دونها مجرّد "هراء" و"عبث". وفي هذا المقام، لا بدّ أن يخلو الفعل الحِجاجيّ من "المغالطات المنطقيّة" أولاً، ثمّ أن يتسمَ بالاتساق والصحة الاستدلاليّة. وكم من جدالٍ ونقاشٍ شهدناهما ونشهدهما يمتلئان بالمغالطات ويخلوان من الصحة الاستدلاليّة! فكثير من جدالاتنا تقوم على "مغالطة المصادرة على المطلوب" أو "الدوران"، كمن يحتجّ لحفظ القرآن من التحريف بالآية "إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون" (الحجر، الآية 9)؛ فالآية وحدها ليست دليلاً بل هي جزء من المطلوب إثبات حفظه، فحاله كحال من يحتجّ لصدق "فلان" بقول "فلان" عن نفسه: أنا صادق!
وما أكثر الجدالات التي تقع في مغالطة "الشخصنة"، أي الحكم على الأقوال بالحكم على أصحابها وقائليها؛ فأتباع "دين ما" يصدّقون "الحجج" التي تأتي من "شيوخهم" لأنّهم "شيوخهم" لا لأنّها صحيحة في ذاتها منطقاً واستدلالاً، ويرفضون حجج المخالفين لرفضهم قائليها.والذي أدّعيه أنّ محاكمة جدالاتنا وأبحاثنا بعيارات المنطق وآليات الاستدلال المعرفيّ، تكشف عن مدى شيوع "الهراء" و"العبث" في هذه الجدالات والأبحاث، مشيراً هنا إلى أنّ "المنطق" لا يعني ذلك "الفن الأرسطي" الذي ساد قروناً، بل أعني "المنطق" بتطوّراته المعاصرة، وآفاقه المعرفيّة المتزايدة، الذي أرى أنّ حظّ العارفين به من "علمائنا" و"مثقّفينا" قليل جداً، فكثير من "الأسماء اللامعة" سواء من المحسوبين على "الخطاب الإسلاميّ" أم "الخطابات الفلسفيّة المتعدّدة المختلفة" تقع في "مصائب منطقيّة" تُفقد حِجاجهم أيسر شروط "الصحة" و"الاتساق"، وذلك نتيجة "الجهل" بهذا "الفن" أو "الاستخفاف به".
6. يأتي على رأس شروط المقام الإحسانيّ، شرطُ "النزاهة الخُلُقيّة"، الذي لا يمكن من دونه بلوغ مقامات الإحسان في الجدل. و"النزاهة الخُلُقيّة" تتأسّس أوّل ما تتأسّس على "الإخلاص للحقيقة" إخلاصاً يجعل المجادِل باحثاً عنها أينما كانت، قابلاً بها بعد ثبوتها أين وجدت، ولا يجعل غايتَه "الانتصار" الوهميّ على المخالف، فلا يلجأ إلى "الكذب" و"التعمية" و"التحريف" و"المخاتلة"، وهي وسائل تحقّق في كثير من الأحيان "انتصارات سهلة مضمونة" لكنّها تقوم على "التضحية بالنزاهة الخُلُقيّة"، ممّا يؤدي إلى تضييع "الحقّ والحقيقة".
وهذا الشرط "الخُلُقيّ" يحتاج مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء، ومقاومة "الانحيازات المسبقة" التي تجعل "الجدل" معركة غايتها "الانتصار" بأيّ ثمن، فتمسي "الجدالات المعرفيّة" جدالات "ميكافيليّة" تسوَّغ لأجل الانتصار فيها "أرذلُ الوسائل المعرفيّة والخُلُقيّة".

التعليق