علاء الدين أبو زينة

الكفاح المسلح كخيار فلسطيني..!

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:06 مـساءً

بطرق شيطانية ابتكرها تحالف مستحيل من القوى المتآمرة ضد الفلسطينيين، أصبح مجرد ذكر "المقاومة المسلحة" كخيار فلسطيني، يرادف النطق بالكفر! وهذا الفصل المادي والنفسي بين الفلسطينيين والسلاح بالغ الغرابة؛ إذ الكفاح المسلح خيار مشروع، وفي جوهر كل حركة تحرر وطني. بل إن الحالة الفلسطينية لا يشبهها سوى اغتصاب أميركا من الهنود الحمر. ففي حين انسحب الإمبرياليون من مستعمراتهم إلى بلدانهم -حتى تحت ضغط مقاومة سلمية، مثل تجربة غاندي ضد البريطانيين- فإن احتلال الصهاينة لفلسطين هو مشروع إحلال (شعب محل شعب). وهو بذلك محدد شرطياً بأنه صراع وجودي: "أنا أو أنت". لكن كل شيء تآمر لتجريد الطرف الفلسطيني في الصراع من السلاح بالكامل، وتسليح الطرف الآخر بالكامل، بمصادقة عدد هائل من الأطراف -بعضها غير متوقع.
المفارقة هي أن هذا الوضع بالتحديد يغلق كل إمكانية لحل سلمي يمنح الفلسطينيين أي حقوق. ليس هناك سبب يدفع محتلاً أقام مشروعه على استبعاد أصحاب الأرض بالقوة، إلى منح شيء لضحاياه وهو مدجج وهم عزل مخذولون. ومع تواطؤ الضمير العالمي، والخذلان العربي، وعمل أميركا المعادية لحريات الشعوب، يصبح توقع أخذ الفلسطينيين شيئاً بلا مقاومة مؤثرة، ضرباً من الحماقة، إن لم يكن استغراقاً مجنوناً في الطوباوية.
أدرك الفلسطينيون دائماً مكان الكفاح المسلح في نضالهم التحرري، وضمّنوه ميثاقهم الوطني الذي أقره، بتسميته ونصه، المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة في تموز (يوليو) 1968. وقال الميثاق الوطني الفلسطيني في المادة (9): "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكاً. ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة، لتحرير وطنه والعودة إليه، وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه، وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه".
لكن مجموعة من العوامل أقنعت القيادة الفلسطينية بالتخلي عن "ثوابت" نضالية، بما فيها الكفاح المسلح، منها: طرد البندقية الفلسطينية من كل الأماكن بالتعاقب؛ وخطأ استراتيجي، أو موضوعي، هو تركيز المقاومة الفلسطينية المسلحة خارج الوطن؛ ووعود كاذبة من الأميركي الغادر بمنح الفلسطينيين وطناً إذا ألقوا سلاحهم. وبذلك، حذفت المادة (9) من الميثاق، في تعديل صادق عليه المجلس الوطني الفلسطيني في غزة في العام 1998، بضغط عربي ودولي، وبحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، التزاماً بتنفيذ اتفاقية "واي ريفر" القائمة على أسس "أوسلو" 1993. ورافق ذلك التنازل عن فلسطين التاريخية، وحق العودة، والقبول بوعد وطن أشبه بخيمة.
الآن، تأكد المؤكد بأن المفاوضات من موقف الضعف المطلق لن تجلب الحرية للفلسطينيين -خاصة بإشراف عدو على المفاوضات مع العدو. وعاد الحديث عن "الكفاح المسلح" متسللاً من عتمة الراهن المحبط. وكشفت استطلاعات الرأي الأخيرة في الأراضي المحتلة أن نسبة دعم الفلسطينيين للكفاح المسلح ارتفعت في ثلاثة أشهر من 36 % إلى 42 % في أيلول (سبتمبر) الماضي. وأيد 57 % من الفلسطينيين عودةً إلى انتفاضة مسلحة.
يعبر ذلك عن اكتمال خيبة الفلسطينيين من الأداء السياسي لقيادتهم ومشروعها التفاوضي الفاشل، ومن العدالة الدولية. لقد أصبح ظهرهم إلى الحائط، ودفعهم اليأس المطبق إلى "كفاح مسلح" فردي انتحاري، بالمتاح من السلاح: الحجارة والسكاكين والمفكات، ضد عدو مدجج يقتل بحصانة من العقاب. وتؤيد نسبة 51 % من الفلسطينيين حل السلطة الفلسطينية، التي كانت نتيجة وسبباً للانحراف الخائن للذات عن الثوابت الفلسطينية، ومنها الكفاح المسلح.
تاريخياً، لم يكن هناك تكافؤ عسكري بين أي حركة تحرر وطني وبين قوة الاستعمار. لكن ذلك لم يجعل المقاومة المسلحة غير مؤثرة. ويعني بقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال أنهم في حالة حرب دائمة مفروضة، يخوضونها بلا سلاح. ومع استحقاق قيادة فلسطينية جديدة تعلمت من سوء مشورة تغيير الثوابت، يجب استعادة احتمال الكفاح المسلح، واستكشاف إمكانياته كمتغير ضروري في المشروع الوطني، يمكن أن يزود الفلسطينيين بشيء يجعل محصلة اشتباكاتهم الحتمية مع العدو شيئاً غير الصفر.
الواقع صعب حتماً، والعرب يلتزمون بإغراق عرب آخرين بالمال والسلاح لإسقاط أنظمتهم المحلية -وإنما ليس الفلسطينيين لمقاومة احتلال أجنبي. لكنّ الفلسطينيين معنيون باستدعاء عبقريتهم النضالية، لتزويد أنفسهم وأبنائهم بما يقاتلون به لأجل كرامتهم وأرواحهم ومشروعهم الوطني، غير السكاكين والمفكات، والبسالة العزلاء.

التعليق