"إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد"

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

لم يرِد أن شيئا من القرآن نزل أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة، إلا هذه الآية من سورة القصص: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (الأية 85). أما الآية في سورة التوبة: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا..." (الآية 40)، فقد نزلت في قصة تبوك حين تقاعس الناس، فكان الحث لهم بأن الله ناصر نبيه كما نصره في الغار؛ فهي تذكير بنعمة قديمة آن أوان التذكير بها، كي لا يظن الناس أن الله محتاج لهم؛ فمن نصر نبيه وحيدا مع صاحبه في الغار، قادر على نصرته مجددا أمام أقوى الجيوش، ولكنها مشيئته سبحانه في الاختبار والابتلاء: ".... ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ..." (محمد، الآية 4)؛ فهذا الدين لا ينتصر بالمعجزات، بل بجهد أبنائه.
واللافت في الآية من سورة القصص التعبير بـ: "فرض عليك القرآن"، ولم يأت هذا التعبير إلا هنا. فالله فرض على نبيه القرآن. والشائع في الاستخدام القرآني هو نزول القرآن وقراءة القرآن، أما هنا فهو فرض القرآن، والمقصود تبليغه. والمقصود بـ"رادك إلى معاد"، على الأرجح، هو رجوع صلى الله عليه وسلم إلى مكة. فهذه الآية من المبشرات، حين حزن النبي صلى الله عليه وسلم على فراق مكة وإخراج أهلها له وصحبه، فبشره الله تعالى بالعودة إليها من خلال هذه الآية. أما ما ورد بأن المقصود هو يوم القيامة، وأن الله سيسأله عن تبليغ القرآن الذي فرضه عليه، فهو أمر معروف، ودلالة الآية وسياقها وسبب نزولها كل ذلك يرفض هذا المعنى، والله أعلم.
هي من المبشرات ومن أخبار الغيب في ذلك الوقت. وقد كان هذا بعد سبع سنين معتمرا (عمرة القضاء)، وبعد ثماني سنين فاتحا. بشره الله تعالى بأنه سيعود، وشتان بين حال الخروج، خائفا شريدا طريدا، وبين حال العودة فاتحا، ليقول للذين أخرجوه: ما تظنون أني فاعل بكم، فيجيبونه: أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
الهجرة دروس لا درس واحد؛ هي حركة مستمرة بهذا الدين. وما دام المسلم يسير من أجل الله ونصرة منهجه، فهو في ذمة الله وتوفيقه. وما يبدو في ظاهره ألما وحزنا، هو مرحلة عابرة يريد من ورائها سبحانه الابتلاء والتمكين وإظهار حقائق الناس. ومن دروس الهجرة هذا الأمل بالله تعالى؛ فمن كان يظن أن هذا الذي خرج خائفا طريدا سيعود بعد ثماني سنين ليخاطبهم بما ذكرنا، ولتكون له السيادة؟ ربما في عرف البشر هذا مستحيل، ولكن بالإرادة والتصميم وحسن التوكل على الله تعالى، لا شيء مستحيل، خاصة إن كان هذا الأمر نصرة لدين الله؛ فلا حظ للنفس أبدا، ولا هوى ولا شيء من حطام الدنيا.
ومن الدروس هذه التضحية حتى بالوطن من أجل الدين، وبعد ذلك سترجع الأوطان. والرسول صلى الله عليه وسلم اضطُر للخروج، ولكنه ليس الخروج النهائي بمعنى نسيان الوطن، بل كان متحرِّفا لقتال ومتحيِّزا إلى فئة، ينشر دين الله ويبلغ الرسالة وما أُنزِل عليه، وفي الوقت نفسه يريد تحرير الأوطان والإنسان.
والهجرة مدرسة في الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله تعالى. فقد كان بالإمكان أن تكون المعجزات ويصل النبي إلى مكة بطريقة معجزة، وقد كان قبلها بأقل من سنتين قد أُسري به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماوات في ليلة واحدة. ولكنه التدبير الإلهي، أن تكون الهجرة بكامل الأسباب في التوقيت والمسير والتزود بالطعام وإخفاء آثار الأقدام والتوجه جنوبا إلى غار ثور، وهكذا، حتى نأخذ بالأسباب ولا نتواكل في شؤوننا، فلا بد من بذل الجهد.
ومن دروسها ضرورة ترتيب الأولويات. فما إن وصل النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بنى المسجد، حيث إدارة الدولة الجديدة وبناء الروح؛ وآخى بين المهاجرين والأنصار في بيان أهمية الأخوة واللحمة بين أبناء المجتمع؛ وبنى السوق كي لا يبقى المسلمون عالة على اليهود وهم المشهورون وقتها بالشأن الاقتصادي؛ ووضع وثيقة المدينة في بيان الحقوق والواجبات بين سكان المدينة من مسلمين وأهل كتاب ومشركين. وهي الوثيقة التي بناء عليها أخرج النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ حين غدروا بعهودهم، وهذا شأنهم في كل حين. إذ كانت البداية مع يهود بني قينقاع، ثم بني النضير، ثم بني قريظة. ونحن بحاجة ملحة إلى ترتيب أولوياتنا، لأننا شعوبا وحكومات نسير في الغالب على ما يريد أعداؤنا لنا، لا بما هي مصلحتنا حين نملك إرادتنا الحقيقية.
إن الذي فرض على محمد صلى الله عليه وسلم القرآنَ، هو الذي فرض علينا جميعا القرآنَ ليكون بالنسبة لنا دليلا ودستورا. فكأن الله تعالى سبحانه يوجه نبيه إلى أهمية التزود بالقرآن الذي هو زاد العزة والقوة والبصيرة، وبها يكون الرد إلى الأوطان والسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة. فكان هذا، ودخلت الجزيرة كلها في دين الله تعالى. فما هو إلا الصبر والتصميم والتزود من القرآن في مسيرنا إلى الله تعالى، لتكون العزة والمنعة لكل المسلمين، فوعد الله قائم لا يتخلف: "... إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ..." (محمد، الآية 7)، "... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ..." (الحج، الآية 40).

التعليق