كيف كان لورنس العرب ليهزم "الدولة الإسلامية"؟

تم نشره في الأحد 18 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • مقاتلون من مجموعة "الدولة الإسلامية" المتشددة - (أرشيفية)

جيمس ستافريديس - (فورين بوليسي) 15/10/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

شاهد زميل لي مؤخراً الفيلم الكلاسيكي الحائز على جائزة الأوسكار للعام 1962، لورنس العرب. وكان تعليقه القصير على مزايا الفيلم فيما يتعلق بفهم الشرق الأوسط اليوم، هو أنه هز كتفيه في تعبير عن التشاؤم، وقال: "لم يتغير شيء".
من الواضح أن قدراً كبيراً من الأشياء قد تغير في المجموع منذ أوائل القرن العشرين، والذي يعرف صديقي بعضه تماماً في واقع الأمر. لكن هناك قدراً مهماً من الحقيقة في تعليقه، وهو ما قد يمكننا من أن نقضي بعض الوقت المفيد في تأمله من خلال النظر في حياة وأوقات توماس إدوارد لورنس، المعروف للأجيال التالية باسم "لورنس العرب". ومن قصته، تبرز بعض الأفكار التي تنطوي على إمكانية الإفادة، ويمكن أن ترشد سياستنا المهيكلة بطريقة رديئة، كما هو حالها، تجاه منطقة الشرق الأوسط عموماً -وسورية على وجه الخصوص.
ولد لورانس في إنجلترا العصر الفيكتوري، وانتقل والداه إلى أكسفورد عندما كان طفلاً. وهناك درس العالم العربي بشكل مكثف في السنوات 1907-1910، وتخرج بمرتبة الشرف من الدرجة الأولى في علم الآثار. وأمضى وقتاً في الحفر والتنقيب والسفر عبر الشرق الأدنى في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. وفي الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب، أجرى مسحاً لصحراء النقب (المهمة استراتيجياً، لأنه سيترتب على الجيش العثماني عبورها لمهاجمة مصر البريطانية في ذلك الوقت).
عندما بدأت الحرب، كان لورانس يحمل صفة ما يمكن أن نصفه اليوم بأنه ضابط منطقة أجنبية مؤهل تأهيلاً عالياً، مع خبرة عميقة في بلاد الشام وكلا العالمين، العثماني والعربي. وكما تم تصوير الأمر في الفيلم الذي يغلب عليه طابع الإثارة بطبيعة الحال، لعب لورنس دوراً مهماً في المساعدة في قيادة ثورة العرب ضد الأسياد العثمانيين.
ما الذي يمكننا أن نتعلمه من تجربته في ما أصبح اليوم مسرحاً لحرب أسوأ كثيراً من تلك التي واجهها؟ ما الذي كان تي. إس. لورنس ليخبرنا به عن كيفية التعامل مع التحديات التي نواجهها اليوم في بلاد الشام والعالم العربي؟
أولاً، وربما الأهم، كان ليقول لنا أن نفهم التضاريس الاستراتيجية للمنطقة بطريقة أعمق بكثير مما نفعل اليوم؛ أن نعرف لغة وتاريخ وثقافة المنطقة. وكان لورانس قد أمضى عقداً في التحضير للدور الذي لعبه، بدءاً من الفصول الدراسية في أكسفورد. وكان يعلم أن أي انخراط ناجح في المنطقة يجب أن يكون مبنياً على قاعدة من المعرفة والفهم قبل اتخاذ القرارات بشأن مسارات العمل.
في عالم اليوم، يعني هذا القيام بعمل أفضل لفهم تاريخ المنطقة الطويل، والاعتماد أكثر على آراء الخبراء الإقليميين، ودراسة ما عمل وما فشل هناك بطريقة أفضل بكثير مما نفعل الآن. ويمكن كثيراً تطبيق "برنامج أفغانستان وباكستان" التابع لوزارة الدفاع الأميركية، والذي يبني كادراً من الخبراء في آسيا الوسطى، بشكل جيد هنا، بمعنى زيادة أعداد ومعرفة الخبراء في شؤون الشرق الأوسط بين العاملين في التخطيط العسكري.
ثانيا، يمكن أن يشير علينا لورانس ببناء تحالفات مع القادة المحليين، وخاصة أهل السنة. كان هذا هو المسار العام الذي سلكه هو. ومع أنه واجه الكثير من التقلبات والمنعطفات والتعرجات في طريقه، فإنه أدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق النجاح أخيراً في صراع إقليمي، سيكون من خلال تجنيد وتدريب وتنظيم ونشر المقاتلين المحليين. لكنه كان يعرف أيضاً أن وجوده كمعلم وقائد هو أمر حاسم.
بينما ننظر إلى الشرق الأوسط اليوم، فإن أفضل رهان لدينا سيكون العمل مع أصدقائنا وشركائنا السنة -المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، والأردن ومصر. ومن المفارقات أننا سنحتاج أيضاً إلى العمل بشكل وثيق مع ورثة الإمبراطورية العثمانية، مع أتراك اليوم. ومن دون تعاون جيد بين هذه الدول، فإن القليل يمكن أن يتحقق. وتحتاج الولايات المتحدة إلى لعب دور في المساعدة على جلبهم معاً بمعنى تكتيكي واستراتيجي.
ويعني هذا أيضاً النظر إلى ما هو أبعد من مجرد التجارب غير المشجعة التي مررنا بها مع برنامج التدريب في سورية الذي ألغي مؤخراً، وانهيار قوات الأمن العراقية، والنكسات التي نشهدها لقوات الأمن الأفغانية. كانت هناك برامج وأماكن أكثر نجاحاً؛ حيث أحدث التدريب والانخراط الأميركيين فرقاً كبيراً، بما في ذلك الأردن، ومصر، ودول الخليج العربي. وعلينا أن نبني على تلك النجاحات وأن لا نفقد الحماس لفكرة بناء قوات محلية قادرة.
ثالثاً، هناك دور مركزي لقوات العمليات الخاصة في تحديد مستوى الحملة، وفي تحقيق الكثير مما نرغب في تحقيقه. تماماً مثلما احتاج لورنس إلى تنفيذ عمليات خاصة قوية وحاسمة، فإننا نحتاج نحن أيضاً إلى التفكير في خطة استراتيجية متماسكة ومتساوقة، والتي تندمج فيها القدرات الأميركية وقدرات شركائها في المنطقة. ولا يقتصر الأمر على أن العديد من الحلفاء السنة يمتلكون قوات قادرة، وإنما يمتلك أصدقاء الولايات المتحدة الإسرائيليون مثل ذلك أيضاً. وربما يكون ضمهم معاً هدفاً صعباً جداً عند هذه النقطة، لكن التفكير بمنطق الحملة وإسناد أدوار للقوات الخاصة هو أمر حاسم. وتبدو قيادة العمليات الخاصة التابعة للقيادة المركزية الأميركية في وضع جيد للقيام بذلك، ربما بالعمل مع قيادة العمليات الخاصة لحلف الناتو.
رابعاً، كان لورانس لينصح بعمل ما هو غير متوقع عسكرياً. وكان قد قال ذات مرة: "إن تسعة أعشار التكتيكات محددة ومؤكدة، وتُدرس في الكتب. لكن التكتيك العاشر غير المنطقي هو أشبه بطائر الرفراف الذي يومض عابراً بركة ما، وهذا هو اختبار الجنرالات".
إننا نحتاج إلى مخططين عسكريين من أعلى طراز للتفكير في مفاهيم عملياتية جديدة في هذا المسرح الأكثر تعقيداً على الإطلاق.
كبداية، يمكن أن يشمل ذلك جمعاً أكثر قوة بين العمليات السيبرانية والنشاط الحركي، عن طريق شن غارات تنفذها القوات الخاصة المشتركة مع الشركاء الأكراد والسنة، والاستفادة من القدرات والاستخبارات الإسرائيلية، وإنشاء وفرض مناطق حظر للطيران، وحظر الدخول على طول الحدود بين تركيا وسورية، وزرع ميدان المعركة بأجهزة استشعار مستدامة في مناطق الخدمات اللوجستية وطرق التهريب.
خامساً، وربما الأهم من ذلك كله، يجب علينا أن نتحلى، مثل لورنس، بالتواضع الكافي للاعتراف بمحدودية النفوذ الغربي في هذه المنطقة الأكثر تقلباً من بين كل المناطق. وفي تقييم للتأثير الكلي لأنشطة بريطانيا في المنطقة، كتب لورنس ذات مرة "لقد تم اقتياد شعب انجلترا في بلاد ما بين النهرين إلى فخ سيكون من الصعب الإفلات منه والخروج بكرامة وشرف". ولا ينبغي أن تكون المنطقة فخاً في نهاية المطاف، ولكن علينا أن نقدر بالتأكيد طبيعة التعقيدات والتحديات التي نواجهها هناك، وأن نعترف بأن تحقيق بعض النتائج المثالية قد يكون شأناً بعيد المنال.
لا توجد حلول سحرية للتعامل مع منطقة الشرق الأوسط المضطربة. ويتطلب تحقيق النجاح النظر في كل عنصر متاح في صندوق الأدوات -القوة الصلبة والناعمة على حد سواء. ولكن، ولدى اختيار ما ينبغي عمله تالياً، فإنه يمكننا أن نقوم بعمل أفضل إذا تطلعنا إلى أولئك الذين يعرفون المنطقة جيداً من أجل الحصول على الأفكار -بما في ذلك من خبراء القرن الماضي، وحياة تي. إي. لورانس.

[email protected]
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:? How Would Lawrence of Arabia Defeat the Islamic State

التعليق