أمة القرآن لا ينبغي لها أن تحار

تم نشره في الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً

د. محمد خازر المجالي

نعجب من أحوال الأمة الإسلامية هذه الأيام؛ لا من سبب تراجعها بين الأمم، وإنما من استمرارها في سباتها، وإحجامها عن دورها الذي ربطه القرآن الكريم بها. فالحقيقة أن سبب تراجعها واضح، وهو تنكب الطريق الصحيحة التي ربط الله بها عزتنا وكرامتنا، وهي كتاب الله وسُنّة رسوله، وعدم الأخذ بأسباب النصر والتمكين؛ الأسباب المرتبطة بسنن الله الكونية. هذه السنن التي من أخذ بها وُفق، ومن أعرض عنها أعرضت عنه؛ فهي لا تحابي أحداً كائناً من كان، حتى لو كان جيل الرسول صلى الله عليه وسلم.
حين تعجب الصحابة الكرام أن تصيبهم مصيبة الهزيمة يوم "أُحد"، جاءهم الجواب الشافي: "... قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ..." (آل عمران، الآية 165)، حين خالف بعضهم أمراً واحداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنا أن نقارن وضعنا اليوم؛ فماذا نعدد من المعاصي؟! وماذا نحصي من المقترفين لكل ما يغضب وجه الله؟! وبعد ذلك يريد معظمنا ويتوق إلى أن يرى الإسلام عزيزاً!
والله سبحانه يوضح أنه لم يكن ليصيب قوماً بسوء إلا بسبب من أنفسهم، حين يغيرون ويبدلون ويلتفون على شرع الله، فقال سبحانه: "... إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ..." (الرعد، الآية 11). فهي آية واضحة لسببي العزة أو الذل؛ فلا بد أنه التغيير من الخير إلى الشر، هذا الذي يجر إلى الهزيمة والذل، وهو نفسه التغيير من الضعف والهوان والسوء إلى القوة والخير الذي يقود إلى العزة والسؤدد. ولعل جولة سريعة في تاريخنا تبين لنا حقيقة هذا الأمر، مروراً بالحملات الصليبية، ثم الهجمة التترية، ثم التراجع الإسلامي الواضح في كثير من البلدان الإسلامية في الأندلس وأوروبا، ثم الاستعمار الحديث، ثم في واقعنا الحالي حيث احتلال فلسطين... فهذه كلها بسبب من أنفسنا حين تهنا في أسباب الضلال، ووقعنا في حفر المكر والخديعة.
والذي نقوله هو أنه لا بد من إرجاع الأمر لنا نحن أتباع المنهج إلى الأخذ بسنن الله، وما يترتب عليها من الأخذ بالأسباب، وهنا بيت القصيد. فأمة منهجها القرآن لا ينبغي لها أن تعيش في الحيرة ولو للحظات، فضلاً عن أن تعيش لقرن من الزمان، وهنا التعجب الحقيقي.
إن أمتنا خير أمة أخرجت للناس: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..." (آل عمران، الآية 110)، فربط الله هذه الخيرية بعمل يعمله المسلمون. بمعنى أن الله هيأ الأمر، ولكنه ربطه بجهد منهم يقومون به، كي يحافظوا عليه، ويشعروا بلذة هذا الوصف، حين يكون لهم دور في حيازته. فلا بد من المسؤولية؛ لا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولا بد من الأصل الذي لا يقيم الله لنا قيمة بغيابه وهو الإيمان بالله تعالى. فإن تحققت مقومات الخيرية، وخاصة أن نكون أمة المسؤولية والحرص على الهداية لكل الناس، فنقوم بدور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، عندها نكون فعلاً مستحقين لهذا اللقب، وإن كان غير ذلك فالحقيقة أن المنطق لا يقبل وصفاً لإنسان وهو لا يتمتع به، أو أن نعتمد على ماضي سلفنا في استحقاقهم لهذا اللقب. ولا نريد أن نكون كاليهود الذين ما يزالون يظنون أنفسهم شعب الله المختار، وهي عقدتهم الرئيسة التي استكبروا بسببها على الناس وكرههم الناس عبر العصور. إننا نفضل الأمم الأخرى بأننا آخر الأمم، ونبينا آخر الأنبياء، وكتابنا آخر الكتب، فنحن المؤهلون لا غيرنا لقيادة البشرية، ولكن لا بد من الأخذ بالأسباب، كما أخذ بها سلفنا الصالح في غالب عصرهم.
وهذه هي أمة الشاهدة على الأمم: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..." (البقرة، الآية 143). والأمة الوسط هي الأفضل والأعلى. فأوسط الشيء أعلاه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. والوسطية هي التي أكسبت ديننا هذه الروعة والواقعية، حين أقبل عليه الناس راغبين فيه. فلا بد من الشهادة على الأمم، ولكن كيف نكون شهداء عليها إن لم نكن مميزين بسلوكنا وعبادتنا لله وجديتنا في ديننا؟ كيف نشهد على الأمم ونحن الآن نشهد على أنفسنا هذا الضلال المبين الذي نرتع فيه؟ فلا بد من التغيير والتصويب لحقيقة ما نحن فيه، وإلا بقينا في ذيل القافلة.
إننا نقرأ قول الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (الجاثية، الآية 18)، ونقرأ: "فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ..." (الشورى، الآية 15)، وما أشد هذه الآية التي قيل إنها مما شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين يأمره الله بالاستقامة على المنهج وأن يدعو إلى الله. ونقرأ: "فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الزخرف، الآية 43)، ونلحظ الطلب من النبي أن يمسك بهذا الذي أوحي إليه، وأنه يقود إلى الصراط المستقيم.
نلاحظ من جملة هذه الآيات خطاباً جدياً وجهه الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم. وهذه الجدية، والتهديد في بعض الأحيان، لم تكن إلا في معرض الحديث عن المنهج وصدقه وكونه حقاً. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: إن كانت الآيات بهذا الحزم مع النبي في شأن المنهج وتطبيقه واليقين وصدقه وأحقيته، فماذا نقول عن واقعنا يا ترى وقد أعرضنا عن المنهج، بل شكك فيه كثيرون؟!
إنه لا حجة لنا أمام الله والتاريخ والأجيال؛ لا ينبغي لنا أن نحار ونضطرب ما دام هذا القرآن بهذه الأوصاف الواضحة موجوداً مصوناً من التغيير والتبديل. فلا يمكن لنا بكل هذه المبشرات والإرشادات أن نستمر في سباتنا العميق، نحرم أنفسنا ونحرم العالم من أن يستظل بمنهج الله. ولنراجع ماذا خسرنا نحن، وماذا خسر العالم بانحطاطنا. وإنها لمهمة لا يتطلع إليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة بإيمانها، المتجاوزة لحد النظرة الأنانية إلى النفس تصويباً وعناية، نحو النظرة الشمولية لهذه الأمة والعالم كله، فنحن الشهود على الأمم، ونحن دعاة الخير للدنيا كلها، ولن يصلح هذا العالم إلا بنا، ولن نصلح نحن إلا بمنهج الله.

التعليق