اختبار بوتين في سورية

تم نشره في الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً

ريتشارد ن. هاس*

نيويورك- لم يكن هناك أي نقص في استقراء واستقصاء ما يعتزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القيام به في سورية ولماذا. غير أن قدراً كبيراً من التحليل كان يركز بشكل ضيق على الأمد القريب، وربما كان مفرطاً في السلبية في تقييم العواقب المحتملة لأفعاله في الأمد البعيد.
ما نعرفه هو أن بوتين قرر إنقاذ نظام بشار الأسد المحاصر من كل جهة. والآن تنهمر القنابل والصواريخ الروسية على مجموعة من التنظيمات المسلحة التي تقاتل قوات الحكومة السورية، الأمر الذي أعطى النظام المتنفس الذي كان المقصود من التدخل الروسي أن يقدمه له.
ولكن، بقدر ما تنطوي عليه حكومة الأسد من السوء، وبقدر جسامة الجرائم التي يتعين عليها أن تتحمل المسؤولية عنها، فإن هذه النتيجة، كما يزعم البعض، تظل أفضل في الأمد القريب من انهيار النظام. والحقيقة المؤلمة في سورية اليوم هي أن انهيار الحكومة من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى عمليات إبادة جماعية، وإنتاج ملايين أخرى من النازحين، فضلاً عن إقامة خلافة الدولة الإسلامية المزعومة في دمشق.
ربما تكون دوافع بوتين للتدخل مسألة متروكة للتكهنات، ولكن من الواضح أنه لا يريد أن يرى حليفة روسيا الدائمة في الشرق الأوسط وقد انهارت. وهو فضلاً عن ذلك لا يفوت الفرصة أبداً لتذكير العالم بأن روسيا تظل قوة كبرى قادرة وراغبة في التحرك دفاعاً عن مصالحها كما تتصورها. ومن المحتمل أيضاً أن يكون المقصد من مساعيه هذه صرف الانتباه في الداخل عن الاقتصاد المنكمش وارتفاع تكلفة التدخل في أوكرانيا. ويشير ارتفاع مستويات الرضى الشعبي عن أدائه إلى أنه ربما ينجح في تحقيق مبتغاه.
يخشى الكثيرون أن لا يكون النشاط الروسي الأخير سبباً في إطالة أمد الحرب الأهلية الوحشية في سورية فحسب، بل وأن يعمل أيضاً على تعزيز وضع تنظيم الدولة الإسلامية. ولعل هذا التخوف في محله، لأن كراهية نظام الأسد تشكل أداة رئيسية للتجنيد. وحتى وقتنا هذا على الأقل، يبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية يشكل أولوية ثانوية على أجندة المؤسسة العسكرية الروسية، التي يبدو أنها تهاجم في المقام الأول جماعات أخرى مناهضة للأسد.
الواقع أن بعض التقارير تؤكد أن تنظيم الدولة الإسلامية يتحرك إلى مناطق هجرها آخرون في أعقاب تعرضهم للهجمات الروسية. ويبدو أن روسيا تمارس نفس اللعبة الهازئة التي يمارسها الأسد: تصوير الحرب وكأنها اختيار ثنائي بين تنظم الدولة الإسلامية والنظام الحاكم، الذي ما يزال يستحق بالرغم من عيوبه دعم العالم.
ويخشى البعض أيضاً أن يكون استعراض روسيا لقوتها على هذا النحو نذيراً بانطلاق موجة جديدة من التدخلات المماثلة، بل وربما اندلاع حرب باردة جديدة. ولكن هذا غير وارد وغير مرجح، وخاصة مع افتقار روسيا إلى الوسائل الاقتصادية والعسكرية اللازمة لدعم مثل هذه الجهود على جبهات متعددة. وليس من الواضح أيضاً ما إذا كان الشعب الروسي على استعداد لتكبد الثمن الباهظ المترتب على انتهاج مثل هذه السياسة الخارجية.
الأمر كله يرجع إذن إلى بوتين، الذي يتمتع بدرجة غير مسبوقة منذ عهد ستالين من الاستقلالية في صنع القرار في الكرملين. ومن المعروف عن بوتين أنه مولع بفنون الدفاع عن النفس والقتال، وتأتي تصرفاته في سورية متسقة تماماً مع الكثير من مبادئ هذه الفنون، بما في ذلك أهمية استخدام القوة الحاسمة لتحييد مواطن قوة الخصم واستغلال نقاط ضعفه.
بيد أن القوة ليست بلا حدود. ومن غير المرجح أن ينجح جهد روسيا في سورية إذا كان تعريف النجاح هو تمكين حكومة الأسد من استعادة السيطرة على القسم الأكبر من أراضي البلاد. وأقصى ما قد تتمكن سياسة بوتين من تحقيقه هو إقامة جيب آمن نسبياً للنظام.
وحتى هذا الهدف المتواضع سوف يكون باهظ الكلفة، لأن تنظيم الدولة الإسلامية سيكتسب هو أيضاً مزيداً من القوة. وقد يكون باهظ الكلفة بالنسبة لروسيا ذاتها: فهي مسألة وقت فقط قبل أن تقع التفجيرات الانتحارية (مثل الهجوم الأخير الذي وقع في أنقرة) في موسكو.
السؤال الحقيقي إذن هو ما إذا كان بوتين يرى أن دعم حكومة الأسد غاية في حد ذاته أم وسيلة لتحقيق غاية. وإذا كان الأمر الأخير صحيحاً -أي إذا كان بوتين يفكر كما يفكر لاعب الشطرنج، وهي اللعبة المفضلة لدى كثير من الروس، ويخطط لعدة نقلات مسبقاً- فإن العملية الدبلوماسية التي تقضي باستبعاد الأسد عند مرحلة ما تصبح في حكم الممكن. وربما تدعم روسيا مثل هذه العملية؛ ذلك أن بوتين في نهاية المطاف معروف بحساسيته العاطفية. والواقع أنه قد يتبنى العملية السياسية التي تمكنه من إثبات دور روسيا المركزي في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.
من ناحية أخرى، يتعين على الولايات المتحدة وغيرها من القوى أن تلاحق سياسة ذات مسارين. أحدهما يتمثل في توجيه الخطوات الرامية إلى تحسين ميزان القوى على الأرض في سورية. وهذا يعني بذل المزيد من الجهد لمساعدة الأكراد وانتقاء القبائل السُنّية، فضلاً عن الاستمرار في شن الهجمات على تنظيم الدولة الإسلامية من الجو.ويجب أن تنشأ جيوب آمنة نسبياً نتيجة لهذه الجهود. وربما تكون سورية التي تتألف من جيوب أو مقاطعات هي النتيجة المحتملة الأفضل في الوقت الراهن والمستقبل المنظور. ذلك أن استعادة حكومة سورية تسيطر على مناطق البلاد كافة لا يصب في المصلحة الوطنية الحيوية للولايات المتحدة أو أي جهة أخرى؛ بل تتلخص الضرورة الأساسية الآن في دحر تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المماثلة.
أما المسار الثاني فيتألف من العملية السياسية التي بموجبها تظل الولايات المتحدة وحكومات أخرى منفتحة على المشاركة الروسية (بل وحتى الإيرانية). ويتمثل الهدف في تيسير عملية الإطاحة بالأسد من السلطة وتشكيل حكومة جديدة تتمتع بدعم قاعدته العلوية كحد أدنى، وبعض السُنّة في الوضع الأمثل.
ربما تضفي مثل هذه العملية بعض الهيبة على بوتين. وهو ثمن يستحق أن نتحمله إذا ساهم في خلق ديناميكية تعمل بمرور الوقت على التخفيف من معاناة الشعب السوري والحد من المخاطر التي يفرضها تنظيم الدولة الإسلامية.

*رئيس مجلس العلاقات الخارجية. عمل سابقاً مديراً لتخطيط السياسة في وزارة الخارجية الأميركية (2001-2003)، وكان مبعوث الرئيس جورج دبليو بوش الخاص لأيرلندا الشمالية ومنسق مستقبل أفغانستان. آخر كتبه "السياسة الخارجية تبدأ في الوطن".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق