ما الذي يدفع العمليات الفلسطينية الفردية ضد الإسرائيليين في الأراضي المحتلة؟

تم نشره في الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • فلسطيني يلاحق جندياً إسرائيلياً في الخليل -(أرشيفية)

بيتر بيامونت -

(الغارديان) 18/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

القدس- تقدم اللحظات الأخيرة لحياة الشاب الفلسطيني محمد علي بعض الإشارات إلى دوافعه. إنه يكون مرئياً بالكاد في البداية في شريط الفيديو الذي التقط خارج باب العامود في البلدة القديمة، جالساً إلى جدارٍ بجانب مجموعةٍ من شرطة حرس الحدود الإسرائيلي في أزيائهم الرمادية. وبدا رجال الشرطة مرتاحين وهم يتجاذبون أطراف الحديث مع بعضهم بعضا، بينما يمر من أمامهم حمّال فلسطيني يدفع قفصاً أحمر في عربة يدوية.
ثم يسير أحد رجال الشرطة إلى حيث يجلس علي، 19 سنة، ويبدو أنه يسأله عن شيءٍ ما. ويقف الشاب فجأةً، ويصبح مرئياً أخيراً وهو يرتدي قبعةً زرقاء. ويبدو رجل الشرطة وهو يدفعه وراءً ويريد أن يُسقطه حيث ثمة درجات في القرب. ويظهر رجل الشرطة وهو يتفحص وثيقة وينتقل علي إلى المكان الذي كان يجلس فيه، ويفتش عن شيء مخبأ في نطاق سرواله الجينز. وعندما يقف مرةً أخرى، يكون قد استل سكيناً ويحاول طعن أحد رجال الشرطة في الرأس قبل أن يطلقوا عليه الرصاص ويقتلوه. وتستمر هذه المواجهة دقيقة واحدة فقط.
تشير فجائية هذه المواجهة التي وقعت قبل أيام مثالاً إلى ملمح رئيسي للعنف الذي لف الإسرائيليين والفلسطينيين في الأسابيع الأخيرة. وتصور تقارير أشرطة الفيديو وروايات شهود العيان مرة تلو الأخرى حدثاً واحداً تقريباً: هجوم مفاجئ بجسمٍ -سكين أو ساطور لحم أو مفك– متبوعا بعد بضع ثوانٍ غالباً بإطلاق نارٍ من الشرطة الإسرائيلية أو حرس الحدود أو الجنود.
في التطورات الأخيرة، قتل ثلاثة فلسطينيين بالرصاص يوم السبت الماضي، فيما قالت إسرائيل إن ذلك كان رداً على هجماتٍ بالسكاكين، والتي تم إحباطها، على الرغم من أن شاهداً فلسطينياً في أحد الاشتباكات قال إنه كان نتيجة المستوطنين اليهود.
كيف يتكشف هذا العنف في الصراع -الأسلحة المستخدمة، وكيف تنفذ الهجمات وتنظم، ومن يشترك فيها، وضد أي أهداف- كلها أمور تشير إلى ما هو أكثر من مجرد فعل قتل أو محاولة قتل ببساطة. وبينما عرفت ال انتفاضة الفلسطينية الأولى في الخيال الشعبي باسم "انتفاضة الحجارة" والثانية كصراع من التفجيرات الانتحارية والهجمات المسلحة، فإن التصعيد الجديد في العنف مرتبط بشكل وثيق بهجمات السكاكين، والتي سميت في وسائط التواصل الاجتماعي باسم "انتفاضة السكين".
عند مدخل مخيم اللاجئين في شعفاط في القدس الشرقية، حيث عاش علي، هناك ثلاث سيارات محترقة ومقلوبة رأساً على عقب -كجزء من متراس حديث- تقع في مواجهة الشرطة الإسرائيلية عند نقطة تفتيش في الجدار الذي يحيط بالمخيم. ويقع المنزل الذي يجلس فيه أقارب علي الذكور في بيت عزاء عميقا في داخل شوارع المخيم الضيقة. وهم لم يتسلموا جثمانه لدفنه بعد. ويسرد عماه؛ أسعد محمد علي ومحمود، قصة مشابهة لتلك القصص التي لطالما أثارت تلك الجولات من التساؤل من قبل. ويقولان إن ابن أخيهما كان شاباً مرحاً يحظى بالشعبية. ولم تكن لديه أي مشاكل -سوى أنه كان غاضباً من الاحتلال الإسرائيلي، وبشكل خاص من الممارسات الإسرائيلية حول موقع المسجد الأقصى المتوتر. وحتى الآن، كل شيء مألوف تماماً.
ويتدخل في الحديث قريب آخر له كان يقف على درجات فوق مكان تجمع الأعمام، ولم يرغب في التعريف بنفسه: "لدينا جيل جديد.. إنهم أذكياء وناشطون. ولا يستطيعون العيش مع الإذلال. وهم يفكرون كما يلي: إذا كنت ستقتلنا في النهاية فإن علينا أن نهاجمك أولاً. يجب أن تفهم أن هذا الجيل متعلم جيداً. إنه مطلع جداً ومعولم. ولا يمكن استغفاله كما تم استغفالنا في الأيام القديمة. إن لديهم طريقتهم الخاصة في معرفة ما الذي يجري. ووسائل الإعلام الاجتماعي والإنترنت يثقفانهم".
عندما سئل عن السبب في أن هذه الانتفاضة تختلف عن الانتفاضتين الأولى والثانية من حيث أسلحة الاختيار والافتقار إلى التنظيم، يقول أسعد محمد علي: "هذه انتفاضة نقية. إنها نقية لأنها حول الدافع الشخصي للأفراد، إنهم هم الذين أشعلوا فتيلها". ويضيف العم الآخر: "كانت الانتفاضتان الأخيرتان سياسيتين. وهذه ليست سياسية: إنها عفوية".
ويضيف أسعد محمد علي أنه في مواجهة ما يحدث في الأقصى -مع إطلاق النار المميت على الشباب الفلسطينيين "شرع الأولاد في حمل السكاكين". وكان ابن أخيه من بينهم. وهو يتحدث عن توقع واسع النطاق وقدري لاحتمال التعرض للقتل: "عندما يعتقد الشخص بأن الموت سيفرض عليه، فإنه يريد أن يموت بطريقة بطولية". ويذكر رجلان من المخيم كانا قد قتلا في العام الماضي. "الجيل الجديد يريد أن يحاول تقليدهما".
تصورهم لمقاومة محلية عنيفة، والتي تتسم بأنها عفوية وغير منظمة، وبعناصر من المحاكاة، تعكس تقييم الكثيرين في داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وعبر البيانات التي ينشرها المهاجمون على شبكة الإنترنت.
التعليقات الصادرة من أشباه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشخصياته الرفيعة، والتي تلقى باللائمة على "تحريض" وسائط الإعلام الاجتماعي الفلسطينية، تكشف عن سوء فهم لظاهرة تشبه كثيراً ظاهرة منتشرة، والتي شهدت قرارات بالمشاركة أكثر قرباً بالسلوك الذي شوهد في الثورات العربية، منه إلى الانتفاضات التي تديرها الفصائل الفلسطينية.
انعكست وجهة النظر هذا في مقال رئيسي ظهر أخيراً في صحيفة "جيروساليم بوست" كتبه ليور أكيرمان، البريغادير جنرال السابق الذي كان قد خدم في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي -الشين بيت. وقال أكيرمان: "لا يمكن التحري عن هذه الأنماط من الهجمات الإرهابية قبل حدوثها؛ حيث إنه ليس هناك تخطيط أو استراتيجية وراءها. ونتيجة لذلك، لا توجد لدى القوات الأمنية أي طريقة لمنعها... عندما ينجح هجوم شخص واحد، فإن الأفراد الآخرين يقولون لأنفسهم: "ها ها.. أستطيع أنا فعل ذلك أيضاً".
بطرق أخرى، يشكل استخدام السكاكين في الهجمات الأخيرة عملاً يدل على افتقار التنظيم ودعم الفصائل الفلسطينية في انتفاضة مسلحة، تلبية لتعليمات قوات الأمن الفلسطينية التابعة للرئيس محمود عباس. وبسبب الافتقار للوصول الى أسلحة نارية على الأغلب، فإن أولئك الذين ينفذون الهجمات قد استخدموا كأسلحة ما هو متوفر بسهولة لديهم -السكاكين والسيارات. وكانت النتيجة توازياً، ليس فقط في الأسلحة، وإنما في التنظيم، الأمر الذي ترك الساسة وقوى الأمن من دون خصم واضح ويمكن تمييزه عن السكان الفلسطينيين الأوسع.
عبر عن هذه الديناميات بصراحة بهاء عليان "22 عاما"، أحد الشابين اللذين شاركا في الهجوم المميت على الحافلة رقم 78 التي تعود لشركة "ايغد" يوم الثلاثاء في أرمون هانتزيف، والذي أسفر عن قتل إسرائيليين قبل أن يقتل. وبالرغم من أن عليان كان قد عرف في الإعلام الإسرائيلي بأنه كان قد سجن بسبب نشاطات سابقة لها علاقة بحركة فتح، فإنه أصر في قائمة من الأشياء التي أراد إتمامها بعد وفاته وأرسلت على "فيسبوك"، على القول "أطلب من الأحزاب السياسية عدم إعلان المسؤولية عن أي هجمات. كان موتي من أجل أمتي وليس من أجلكم".
وعلى نحو ردد أصداء تعليقات أعمام علي، أوضحت تسجيلات عليان -بما في ذلك في عطلة نهاية الأسبوع قبل عمليته- أنه لا يثق وحسب في تقارير الإعلام السائدة حول ما يحدث، وأن القيادة السياسية الفلسطينية كانت أيضا ناشطة في تبديد ما اعتقد بأنه الحقيقة: "أنا أرسل الأخبار على صفحة "فيسبوك" الخاصة بي بسبب غياب إعلام حقيقي، وأيضا لدحض الإعلام العبري الذي يتوافر بعضه على مصداقية، لكن معظمه ليس كذلك". وأضاف "من دون إعلام حقيقي ستضيع حقيقتنا".
وإذا كان ثمة عنصر من التقليد -رغبة في المحاكاة، كما يحاجج أعمام علي، والمأخوذة من إرساليات وسائل الإعلام الاجتماعية- فإن شيئاً من ذلك القبيل استلهم عمل مهند حلبي، 19 عاماً، والذي يعتبر طعنه لإسرائيليين -بمن فيهما الحاخام نهيميا لافي وأهارون بينت اللذين قتلا في البلدة القديمة من القدس قبل نحو أسبوع- يبدو وأنه عمل كعود ثقاب.
في منزله في القرية خارج البيرة في الضفة الغربية، يجلس أفراد عائلته وهم يضعون قلائد تحمل صورته. وبينما كنت أجلس معهم، وصلت حافلة تحمل نساء من المرابطات -مجموعة المراقبة الإسلامية التطوعية في المسجد الأقصى، واللواتي أسهم حظر إسرائيل لنشاطهن في إشعال فتيل التوترات الأخيرة.
يقول والده، شفيق، "لقد كان جزءا من جيل أكثر شباباً. ولم يكن راضيا عن الوضع فيما يتعلق بالأقصى أو في الطريقة التي يعاملون بها نساءنا. كان متديناً وكان يدرس القانون لأنه أراد الدفاع عن أولئك الذين شعر أنهم مضطهدون. وتحدث عن تحصيل درجة في الدراسات الإسلامية ودرجة الدكتوراه".
"كنت أفكر دائماً، عندما رأيته هو وأصدقاؤه يمضون الكثير من الوقت على "فيسبوك" بأنهم الجيل الذي فقد الأمل، لكنه أثبت أنني كنت مخطئاً. لقد ظهر أنهم مختلفون. إنهم الجيل الذي سيغير الأشياء".
وعندما سألته عن السكاكين، قال: "نحن شعب نشعر بصلابة حقوقنا، ولكن لا توجد لدينا أي قوة. إن أدواتنا الوحيدة هي أيدينا وأظافرنا. وذلك ما يحول ولداً إلى رجل قوي".
وعندما سُئل شفيق عما كان سيفعل لو أنه عرف ما كان سيفعله ابنه. قال: "لو كنت قادرا على إعادة الزمن لكنت منعته عن ذلك. هل تعتقدون أنني أريده أن يموت؟".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
What's driving the young lone wolves who are stalking the streets of Israel?

التعليق