فرق تسد

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً

معاريف

ألون بن دافيد  23/10/2015

ثلاثة أسابيع نازفة، وإسرائيل تبدو مشلولة أكثر من أي وقت مضى. رئيس الوزراء يسير شوطا بعيدا حتى النازية ويجند هتلر للكفاح الصهيوني، الجيش الإسرائيلي بقيادة غادي آيزنكوت يجعل اصوات البساط، والمخابرات تشرح ان ليس لديها حلول والكل يبقي الساحة للمواطن ولرجل الامن الذي يوجد بالصدفة على أمل أن ينقذ الوضع، والا يطلق النار على من لا ينبغي له أن يطلق النار عليه.
من الصعب أن نسمي هذه انتفاضة لأن الاغلبية الساحقة من الفلسطينيين – في يهودا، السامرة، غزة، القدس وفي إسرائيل ايضا – لا يشاركون في الاحداث، ولكن يكفي بضع عشرات من الطاعنين كي يضعضعوا أمننا جميعنا. فالذراع العسكري لفتح، كتائب شهداء الاقصى، لا يزال يتردد في الانضمام إلى الاحداث، ولكنه يبقى حاليا في الخارج. اذا انضموا، فستصبح هذه مواجهة مسلحة واسعة تستدعي من إسرائيل نزع سلاحهم.
تجربة إسرائيل في الانتفاضتين السابقتين ليست مشجعة: في 1987 وفي 2000 ايضا استغرقت إسرائيل خمس سنوات كي تعيد الناشط العنيف إلى القمقم. والآن، يتراكض عشرات الشبان، المتحمسين تماما لأخذ سكين او سيارة والمس بالإسرائيليين، ولا يبدو أنهم يعتزمون العودة إلى أي قمقم.
في الجيش يتباكون في أن شعبة الاستخبارات اعطت الاخطار لموجة المواجهات الحالية منذ نيسان. ولكن الاخطار صيغ هكذا: "يتعاظم الاحتمال لانفجار في الساحة الفلسطينية في شهر ايلول". منذ خمس سنوات على التوالي وشعبة الاستخبارات تصدر اخطارا كهذا قبيل ايلول، موعد انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة خشية أن يعلن ابو مازن عن اقامة دولة ويشعل المنطقة. ولم يتوقعوا طبيعة المعركة الحالية، وبعد قدر كبير من هتافات "ذئب!" فقد اعتبروا كمن يغطي كل الامكانيات (والمقعدات) أكثر مما يحذرون بجدية من تغيير جذري في الوضع.
كما أنهم لم يتوقعوا الذروة المضادة في اعلان ابو مازن وآثارها. فبالذات انعدام الاعلان من ابو مازن والخطاب – والذي وان كان حازما الا انه عبر عن اليأس من احتمال العمل على أي خطوة – هما اللذان بثا إلى الارض أنه حان الوقت إلى تبني طريق آخر. لقد اعترف ابو مازن في خطابه بان طريقه، الطريق السياسي، شل. وفهم مئات الشبان هذا كدعوة لاخذ سكين باليد وشق الطريق بأنفسهم.
ولنفترض انه خلافا لباقي اصحاب القرار أخذ رئيس الاركان بجدية اخطار شعبة الاستخبارات. فهل تحفز امام القيادة السياسية وقرع كل أجراس التحذير؟. هل أعد الجيش الإسرائيلي الوضع الجديد وعزز قواته كي يستقبل المواجهات؟. لا، كان منشغلا في الصيف في المشادات على تقرير لوكر والحفاظ على تقاعداته وتقاعدات رجاله.
من اللحظة التي بدأ فيها انفجار العنف عزز الجيش الإسرائيلي يهودا والسامرة بـ11 كتيبة نظامية، بعضها على حساب التدريبات، بعضها اخرجت من التأهيلات والدورات. فلا يمكن للجيش أن يحتفظ بهذه القوات النظامية هناك على مدى الزمن وسيضطر إلى تجنيد الاحتياط بدلا منهم. وفي الايام القريبة القادمة سيبدأ رجال الاحتياط بتلقي الاوامر للعمل الميداني في المناطق، ابتداء من كانون الثاني. وكلفة كل خط تشغيل كهذا لكتيبة احتياط هي 70 مليون شيكل في السنة.
وللدخول إلى المنطقة لألفين من رجال الاحتياط سيكون ايضا رسوم تعليم أليمة لرجال الاحتياط، الذين يستغرقون وقتا كي يفهموا أين يتواجدون ويتكيفوا مع الواقع المحيط بهم.
مثلما في الانتفاضة الأولى هذه المرة ايضا الجيل الفلسطيني الشاب هو الذي يقود الأحداث. يعترف اهاليهم بأنهم لا ينجحوا في السيطرة عليهم أو في ابقائهم في البيت وأقل من هذا الاشراف على المضامين التي يطلعون عليها في الشبكة. لجيل الأهالي يوجد عطف على الكفاح، ولكنهم يرون ايضا ثمن الخسارة. اما الشباب بالمقابل والمفعمين بالكراهية العميقة لإسرائيل وللإسرائيليين، فيتوقون للمشاركة في تجربة العنف المجنون الذي يجتاح الشرق الاوسط.
المكعبات الاسمنتية التي نصبت في مداخل القرى في شرقي القدس أعطتنا الاحساس بأننا فعلنا شيئا ما، ولكنها لن توقف الطاعنين حقا. في اقصى الاحوال ستدفع باقي اهالي القرية لشتمنا. كما أن حقيقة أننا دمرنا هذا الاسبوع بضعة حيطان داخلية في منزل المخرب لن تخلق الردع اللازم.
إن حكومة المعقبين عندنا ذهلت من نفسها بعد أن نصبت خمسين مترا من السور الاسمنتي في جبل المكبر. فكم طعنة سيتعين علينا أن نتلقى إلى أن يمتد هذا السور من صور باهر في الجنوب حتى شعفاط في الشمال؟ المدينة التي لم تتحد ابدا تتوق لهذا الفصل، الذي يوجد بحكم الامر الواقع على الارض.
وكم يهوديا سيقتل إلى أن تتجرأ إسرائيل على ان تبعد عائلات الناشطين؟ فمهما فعلت إسرائيل أو لم تفعله – فإنها ستتهم باستخدام القوة المبالغ بها وغير المتوازنة. إذن تعالوا نقتاد امام الكاميرات بضع عائلات إلى غزة، مع صورة ممزقة للقلب لطفل يبكي على الايدي، وعلى الاقل سنعرف بأن هذه الصورة ستكون امام ناظر الناشط المحتمل التالي.
في الضفة بالذات يتصدر وزير الدفاع سياسة فصل واعية بين معظم السكان وبين النشطاء. 120 ألف فلسطيني يواصلون العمل في إسرائيل وفي المستوطنات ويخلقون دائرة من نحو 700 ألف نسمة لهم مصلحة في مواصلة الحفاظ على مكان رزقهم. في العقد الاخير لم تكن أي عملية نفذها فلسطيني كان له تصريح عمل في إسرائيل. هذا العدد يجب أن يزداد، وجهاز الأمن يقول هذا بصوت واضح. ولكن هنا ايضا، وزراء البوست والتويت يجدون صعوبة في اتخاذ القرار.
هل سنعتاد هذا الوضع الجديد؟ الجواب المؤسف هو نعم. هذه هي طبيعة الانسان، وما كان مثيرا للانفعال والخوف في المرة الاولى والثانية يصبح عادة روتينية في المرة الخمسين والمئة. فهل قبل اسبوعين حصلت عملية الطعن مع جريح بجراح طفيفة صدى إعلاميا مشابها لذات الذي حصلت عليه عملية انتحارية مع عشرين قتيلا قبل عقد – اليوم نحن نبدأ بالنظر إلى الظاهرة بتوازن.
هذا لا يعني أن علينا أن نوافق على أن نعيش تحت موجات العنف، ولكن يجب أن نفهم أن التمجيد الذي يحصل عليه كل ناشط صغير مع سكين يشجع فقط الأشخاص التالين في الطابور. كما أن علينا الا نقبل العنف الذي في داخلنا، ولا يزال نحو مئة إسرائيلي يطعنون كل شهر على ايدي إسرائيليين آخرين بسبب جدال على موقف سيارة او نظرة إلى فتاة. هذه الاحداث لم تجتز بعد حافة اهتمامنا. هذا فظيع، ولكن هذه هي الطبيعة الانسانية. ما يمر علينا ليس موجة ارهاب، هذا طوفان، وسيمر غير قليل من الوقت إلى أن يبدأ مستوى هذا العنف بالهبوط.

التعليق