عد إلينا يا جهاد هديب

تم نشره في الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

هكذا ومن دون أن نلوم الوقت، تذهب إلى وحشتك، وتمتلئ بكل هذا الصمت القاتم. لكم عبثنا معا في الطرقات، وأرقناها بهذا النزيف القلق من أرواحنا.
تأرجحنا مع أشواقنا الحارة للانعتاق من أطر الكتابة المعلبة والجاهزة في الشعر والنثر، وأثرنا غبارا كثيرا ونحن نعبر وديان الكتابة، ونرسم ونصرخ على المرضى بصورهم البلاستيكية في الورق الغبي.
آه يا جهاد، يا حبيب القلب، كيف خنقتني بصمتك، ألم يكن عليك أن تتأخر ولو قليلا، قليلا فقط، كي أسمع مكالمتك الاخيرة، قبل أن تودعني ماضيا الى ذلك الركن القصي في الصمت.
آه يا صديقي المعشق بالاختلاف، والمسكون بالهمس، والمعجون بتلك العناقات الحارة للأمل، كيف يحتلك السرطان، ويترك القتلة والمأجورين والمصابين بالجذام الفكري، يصرخون علينا كل يوم، ويطالبوننا أن نقتدي بالموت والصمت؟
كيف تصمت وأنت أكثرنا همسا، واندفاعا للتعلق بالندى، والترقرق مع نهارات المودة. أيها المطرز الأبدي بالدهشة، المسكون بفرح طفل مشاكس، والمدرب البارع على اقتحام العزلة، لم تغب عني؟
منذ دخلت في متاهة الاعتلال والصمت، منذها، وأنا أستشعر أن الحياة أضحت ناقصة، فبدون همسك، وبدون مشاكساتك، وبدون قصائدك الوعرة، وبدون التفاتاتك النبيلة للحب والنساء والحياة، يصبح العالم باهتا، مريضا، أيها العفي.
وحين أخبرتني بأنك تجاوزت المحنة، وما بقي منها سوى بضعة أشهر يتخلص فيها جسدك من الكيماوي، حتى تفقدت وسط عمان، ومقاهيها التي تتذكرنا جيدا، وجبل القلعة الذي كنا نلوذ به لنخفي حزننا أحيانا، وجبل اللويبدة وهو يتعمشق أرواحنا في دارة الفنون.. لأرى استعدادها لاستقبال روحك، فكلها تنتظرك، تنتظر خروجك من هذا السرطان، تنتظر صوتك الهادئ ودهشتك العتيقة.
الحبيب جهاد هديب، لن ألوم الوقت، سأتفقده فقط، كي يمنحك القليل من محبته، لتعود الينا مفعما بياسمين روحك ولوزها المخضوضر في حدائق الضوء.
اخرج من صمتك، اطرد هذا السرطان اللعين أيها المقاوم العنيد، ولا تدعه ينهشك أكثر، فكم نحتاج الى جهاد هديب لمنحنا بعضا من النهارات العذبة في مقاهي عمان القديمة.

التعليق