القدس الشرقية بعد العاصفة

تم نشره في الخميس 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • فلسطيني من القدس في مواجهة مع جنود الاحتلال - (أرشيفية)

كريغ كارلستورم – (فورين بوليسي) 29/10/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

باستخدام نقاط التفتيش، الجدران الإسمنتية، وقوات الشرطة المدججة بالسلاح، تمكنت إسرائيل من وقف موجة الهجمات الدامية للوقت الراهن، لكن الفلسطينيين ما يزالون في حالة غليان.
 *   *   *
القدس- بالنسبة لبعض سكان القدس الشرقية، يبدأ الصباح بطابور ساعة الذروة عند نقاط تفتيش مؤقتة أقامتها الشرطة الإسرائيلية، حيث توفيت امرأة وهي تنتظر في الصف قبل أن تصل إلى مستشفى. وبالنسبة لآخرين، ربما يبدأ النهار في وقت أبكر، مع دوي انفجارات الشحنات الناسفة التي تهدم منزل أحد الجيران. والبعض يهرعون إلى البيت قبل حلول المساء، خائفين من العمل في نوبة ليلية. وهم يمرون برجال الشرطة الإسرائيليين المدججين بالسلاح عند كل تقاطع على ما يبدو.
هذه أوقات متوترة في القدس. وربما يكون هذا بديهياً وليس خارجاً عن المألوف: كانت القدس متوترة في الشتاء الماضي، مع سلسلة من الهجمات التي شُنت بالمركبات؛ وفي صيف العام 2014 أيضاً، بعد أن تم اختطاف فتى فلسطيني من الشارع وإحراقه حياً. لكن إيقاع عنف هذا العام كان عالياً بشكل خاص: ففي الفترة ما بين 3 و17 تشرين الأول (أكتوبر)، وقع 16 هجوماً في المدينة، معظمها حوادث طعن؛ ومات 6 من أصل 11 إسرائيلياً هوجموا في القدس هذا الشهر.
وليست لمعظم المهاجمين أي صلات واضحة بالفصائل السياسية، وفقاً للمسؤولين الإسرائيليين، وليست لهم سجلات جنائية. ويناضل الأقارب لمحاولة تفسير ما حدث.
يقول عمُّ مراهق فلسطيني غرس سكيناً في عنق شرطي إسرائيلي: "كان فتى سعيداً". ويقول شاب كان ابن عمه الذي يعمل موظفاً في شركة للهواتف، قد ضرب عابراً إسرائيلياً بساطور لحم حتى الموت: "كان له عمل وأسرة، وحياة كريمة".
في النهاية، استطاعت السلطات الإسرائيلية استعادة السيطرة بالقوة، عن طريق نشر آلاف إضافية من قوات الشرطة، والمئات من الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين، وإقامة العشرات من نقاط التفتيش والكثير من إغلاقات الطرق، بل وحتى بناء جدار لفترة وجيزة حول أحد الأحياء الفلسطينية. ومر –حتى نشر هذا التقرير- اثنا عشر يوماً من دون حدوث هجوم.
منذ فترة طويلة، سقط نحو 300.000 فلسطيني يسكنون في القدس الشرقية في الشقوق، حيث أهملتهم إسرائيل والسلطة الفلسطينية على حد سواء. ولا يقتصر الأمر على وجود فجوات اجتماعية-اقتصادية هائلة بينهم وبين اليهود، وإنما هناك المزيد من الاستفزازات أيضاً –إقدام الجماعات اليمينية الإسرائيلية على شراء المنازل في "المدينة القديمة" وحي سلوان في القدس الشرقية؛ وعمليات هدم المنازل وإخلاءات الطرد؛ وبرميل المتفجرات الأبدي المتمثل في المسجد الأقصى. وربما تكون الحملة القمعية الإسرائيلية الأخيرة قد جلبت بعض الهدوء، لكنها تعزِّز أيضاً إحساس الفلسطينيين بأن إسرائيل تتمدد وتدخل أبعد في جسد مدينتهم المعزولة.
"إننا نعيش في القرف مسبقاً، ثم يأتون ويهدمون منازلنا، ويلقون بنا في الشوارع"، يقول معتز أبو جمال، قريب ما لا يقل عن ثلاثة من المهاجمين. "لماذا يجب أن أشرح ما كان يدور في رأس أخي؟"
احتلت إسرائيل القدس الشرقية في العام 1967، وضمت المنطقة بسرعة، وهي خطوة لا تعترف بها الولايات المتحدة أو القوى العالمية الأخرى. ويعد رئيس الوزراء الإسرائيلي في كثير من الأحيان بأنه لن يقوم أبداً بتقسيم المدينة في الاتفاق النهائي مع الفلسطينيين، الذين يطالبون بشرق المدينة ليكون عاصمتهم المستقبلية.
يظل السؤال عما سيحدث في المستقبل مشحوناً جداً بالنسبة لقاطني القدس الشرقية. وقد اختار القليلون منهم أخذ الجنسية الإسرائيلية في العام 1967. ومعظمهم "مقيمون دائمون"، وهو وضع يسمح لهم بالسفر والعمل بحرية داخل إسرائيل، ولو أنه لا يتيح لهم التصويت في الانتخابات الوطنية الإسرائيلية. ومع ذلك، وجد استطلاع لآراء سكان القدس الفلسطينيين، والذي أجراه المركز الفلسطيني للرأي العام في وقت سابق من هذا العام، أن معظمهم يفضلون البقاء على الجانب الإسرائيلي من الحدود في أي حل مستقبلي.
يقول عمدة القدس نير بركات، في إحدى المقابلات: "قارنوا نوعية حياة السكان العرب في القدس بنوعية الحياة في المنطقة، في غزة، في لبنان، في سورية، وفي العراق، وسيفهم الناس. هنا في مدينتنا نحن نهتم لشأنهم".
لا أحد ينكر أن سكان القدس الشرقية، بالمقارنة مع مدينة الرقة التي يسيطر عليها "داعش" في سورية على سبيل المثال، هم في حال حسن –لكن حالهم ليس كذلك بالمقارنة مع سكان ضاحية رحافيا اليهودية القريبة. الخدمات الأساسية شحيحة: المشافي، العيادات، وحتى مكاتب البريد. وتعاني المدارس في القدس الشرقية من نقص نحو 1000 غرفة صفية. وثلث المنازل ليست موصولة بشبكة مياه البلدية. ومعظم الناس يعيشون تحت خط الفقر.
معدلات البطالة في القدس الشرقية مرتفعة بشكل مذهل، وتقف عند 40 في المائة عند الرجال، وضعف هذه النسبة عند النساء. ومعظم الوظائف المتوفرة تجلب أجوراً هزيلة: وجدت دراسة أجرتها الأمم المتحدة في العام 2013 أن ثلاثة أرباع الذين لديهم عمل من الفلسطينيين يعملون في قطاعات الإنشاءات، والزراعة، وصناعة الخدمات. وفي هذه الأيام، يصطف سكان منطقة صور باهر في شرق القدس، لمدة 45 دقيقة على نقطة تفتيش في طريق الذهاب إلى أعمالهم في تعبئة رفوف المحلات بالبضائع وتعبئة البنزين في محطات القدس الغربية. وفي شعفاط، الواقعة على بعد بضعة أميال إلى شمال شرق "المدينة القديمة"، يمكن أن يعلق المرء في الذورة الصباحية لساعتين من الوقت.
الإغلاق الأشد هو في العيسوية، المنطقة القاسية التي يقطنها نحو 14.000 نسمة، والمتاخمة للجامعة العبرية المرموقة على جبل المكبر. ثمة طريق واحد ما يزال مفتوحاً للخروج من العيسوية؛ أما المخارج الغربية فمغلقة بكتل إسمنتية، حيث يصطف العابرون في الطوابير ويخضعون للاستجواب والتفتيش الدقيق من شرطة الحدود الإسرائيلية.
هذه القيود على الحركة يمكن أن تتحول ببساطة إلى مسألة حياة أو موت. وعلى سبيل المثال، أصيبت هدى درويش، 65 عاماً، بمشكلات في التنفس عقب سقوط قنبلة غاز مسيل للدموع بجوار منزلها يوم 18 تشرين الأول (أكتوبر). وحاول أبناؤها أخذها بالسيارة إلى مستشفى هداسا، في رحلة تستغرق في العادة ست دقائق. لكن الرحلة استغرقت 45 دقيقة، مع الوقوف المطوّل على نقطة تفتيش، حيث أطلقت قوات الأمن الإسرائيلية الرصاص في الهواء لإرهاب المحتشدين، وفقاً لما رواه أبناؤها. وتوفيت في الطريق.
هذه المرة، قام نتنياهو أيضاً بتصعيد عمليات هدم المنازل العقابية، في ممارسة مثيرة للجدل، والتي استأنفتها إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بعد توقف استمر نحو 10 سنوات. ويوم 6 تشرين الأول (أكتوبر)، قام الجيش فجأة بتدمير منزل عائلة غسان أبو جمال في جبل المكبر، وهي منطقة مثقلة بالفقر على تلة منحدرة في جنوب شرق القدس؛ وكان أبو جمال قد هاجم كنيساً في القدس في الشتاء الماضي، وقتل خمسة حاخامات ورجل شرطة. وبعد أسبوع من الهدم، قام ابن عمه علاء، المتزوج ووالد ثلاثة أطفال، بقيادة سيارة إلى موقف حافلات وطعَن أحد المشاة. وتقرر هدم منزله الآن أيضاً؛ وسوف تنظر المحكمة العليا في الطعن الأخير في هذا الحكم يوم 4 تشرين الثاني (نوفمبر).
تقول داليا كيرستين، مديرة "ها-موكد"، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية توفر التمثيل القانوني للعديد من العائلات الفلسطينية: "تتحدث (الحكومة) عن الردع لتبرير (الهدم)، لكنك تأتي بأمر بالهدم بعد سنة من وقوع الهجوم. أين هو الردع في الأمر؟"
في الأيام الأخيرة، فكرت الحكومة الإسرائيلية بخطوة أكثر تطرفاً في إطار حملتها القمعية ضد الفلسطينيين. ففي اجتماع أمني لمجلس الوزراء عُقد في تشرين الثاني (أكتوبر)، اقترح نتنياهو إلغاء إقامة نحو 80.000 من أهل القدس الشرقية الذين يعيشون وراء الحاجز الإسمنتي والأسلاك الشائكة "حاجز الفصل" الذي شرعت إسرائيل في بنائه خلال "الانتفاضة الثانية". ولم تظهر هذه الفكرة، التي تحدثت عنها القناة الثانية أولاً يوم الأحد قبل الماضي، على الأجندة منذ عرضها.
لكن ذلك العرض يبقى مخيفاً لسكان مكان مثل شعفاط، مخيم اللاجئين البائس الذي يؤوي نحو 30.000 شخص. وهو مكان نادراً ما تغامر الشرطة الإسرائيلية بالدخول إليه، وليست لدى الشرطة الفلسطينية صلاحية العمل فيه، ولذلك تتفشى في المخيم الجريمة وتعاطي المخدرات. وسوف يعمل اقتراح نتنياهو على المزيد من عزل سكان المخيم: سوف يفقدون بطاقات الهوية التي تسمح لهم بعبور الحاجز للعمل أو أي غاية أخرى، ما سيجبرهم عملياً على التقدم للحصول على تصاريح لزيارة الأحياء المجاورة.
يوم 10 تشرين الأول (أكتوبر)، قام أحد سكان شعفاط، محمد علي -19 عاماً- بطعن رجل شرطة إسرائيلي خارج المدينة القديمة. ويصوره شريط فيديو للهجوم وهو يجلس بهدوء على نتوء؛ ثم يبدو أن أحد رجال الشرطة يطلب هوية محمد، فيقوم الفتى ويغرس سكيناً في رقبته. وبعد ذلك يرديه بقية رجال الشرطة بالرصاص على الفور.
على بعد خطوات من الباب المعدني الذي يقود إلى المخيم، هناك مكبات للنفايات المحترقة وإطارات السيارات المحترقة أيضاً، من مخلفات المواجهات شبه اليومية التي تجري بين قوات الأمن الإسرائيلية والشبان المحليين. وقد دُمرت الكثير من المصالح التجارية، وتستقبل البقية التي ما تزال تعمل القليل من الزبائن. ويطل المراهقون من فوق الأسطح، وهم يشتمون الجنود الذين يشغَلون نقطة التفتيش المفضية إلى القدس.
يشير عمُّ محمد علي إلى خارج منزله، حيث تتناثر القمامة في الشوارع. ويقول: "هذا هو كل التحريض الذي يحتاجه ابن أخي. كان غاضباً من عمل المستوطنين في المسجد الأقصى، لكن من الصعب في الحقيقة أن يُربي المرء أي أمل هنا".
يقع المسجد الأقصى، ثالث أكثر الأماكن الإسلامية قداسة، فوق جبل الهيكل كما يزعم اليهود الذين ينظرون إلى المكان باعتباره الأكثر قداسة بين معابدهم التوراتية. وهو نقطة اشتعال دائمة.
وفي كل مناسبة، يؤكد نتنياهو أنه لن يغير الوضع الراهن في المكان المقدس، والذي يمنع اليهود من الصلاة هناك ويسمح للأردن بالإشراف على المساجد هناك. وتعني تأكيداته القليل للفلسطينيين –ليس عندما تقول تسيبي هوتوفلي، أكبر دبلوماسيي إسرائيل، للقناة الرسمية للكنيست أن "حلمي هو أن أرى العلم الإسرائيلي يرفرف فوق جبل الهيكل"، أو عندما تقوم الشرطة بطرد خمس عائلات من سلوان المجاورة من أجل إفساح المجال أمام مجموعة من المستوطنين الذين يزعمون ملكية المكان.
يعتقد بركات، عمدة المدينة، أن الموجة الحالية من العنف ستمر وتنتهي. ويقول: "ليس هناك بديل من عيشنا معاً في مدينة القدس. وبمجرد أن تعود الأمور إلى الوضع الذي كانت عليه، وتعود الحياة إلى سابق عهدها، فإننا سنرفع هذه العقوبات (الإجراءات الأمنية)، ونمضي قدماً".
لكن "عودة الحياة إلى سابق عهدها" لا تعني بالنسبة للكثير من الفلسطينيين شيئاً قريباً من المثالية. فقد أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية تماماً في تحقيق أهدافها، وفقدت قيادتها المصداقية؛ وأصبح الاحتلال الإسرائيلي أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، في حين تذهب الحكومة الإسرائيلية والنظام السياسي إلى مزيد من اليمينية.
استثمر بركات النقود في بناء القدس الشرقية، لكن الفلسطينيين يرون مدينة تنزلق وتفلت من سيطرتهم كل الوقت، حيث لا مكان يمكن أن يهربوا إليه.
يقول رجل من جبل المكبر، وهو يشرح لنا الاتجاهات إلى بيت أبو جمال: "إنني لم أعد أستطع حتى مجرد عبور الشارع الرئيسي في الحي الذي أقطنه بعد الآن. أين هي هذه العاصمة الموحدة؟"

 

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:

East Jerusalem After the Storm

التعليق