هل تتسبب ردة فعل إسلامية بإخراج مغامرة روسيا في سورية عن مسارها؟

تم نشره في الجمعة 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين-(أرشيفية)

دان دي ليوس - (فورين بوليسي) 2/11/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ما يزال التدخل العسكري لروسيا في سورية غير مؤلم نسبياً للكرملين حتى الآن. لكن سقوط الطائرة المدنية الروسية في عطلة نهاية الأسبوع الماضي في مصر ولد تكهنات بأن المتطرفين الإسلاميين أسقطوها. ويثير ذلك السيناريو سؤالاً مهماً حول مغامرة الرئيس فلاديمير بوتين منذ البداية: هل ستستمر موسكو في حربها الجوية في سورية إذا ما أطلق ذلك العنان لهجمات إرهابية ضد روسيا؟
بينما تشن غارات قصف ضد الثوار السنة الذين يقاتلون نظام بشار الأسد في الشهر الماضي، حسبت موسكو أنها تستطيع احتواء خطر تلقي ضربة ارتدادية من المسلمين السنة، بمن فيهم أولئك الذين يحملون جوازات سفر روسية والذين ذهبوا للقتال في سورية. لكن من غير الواضح كيف سترد موسكو إذا تحول خطر حالي منخفض المستوى نسبياً من الإرهاب إلى حالة طوارئ تضع روسيا الأم في حالة خطر تزرع الخوف بين المواطنين. وإذا كانت الحرب في الشيشان تعد دليلاً، فقد يختار بوتين تكرار حملته في سورية ويشن موجة أوسع من القصف والعمليات البرية، من دون القلق بشأن الخسائر المدنية. وبينما واجهت روسيا لأمد طويل تهديد الإرهاب من متشددين إسلاميين في الشيشان وغيرها في شمالي القوقاز، فإنها اضطلعت بدور كبير في تدخلها في الحرب الأهلية السورية، ما يجعلها هدفاً جذاباً للمتطرفين.
وكان زعيم جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سورية، قد ناشد مؤيديه شن هجمات على القوات والمدنيين في روسيا رداً على دخول موسكو المباشر في الحرب نيابة عن نظام الأسد. وقال زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، في تسجيل صوتي نشر في 12 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي: "إن الغزو الروسي هو آخر سهم في جعبة أعداء الإسلام".
ودعا الجولاني المتشددين في منطقة القوقاز إلى "تشتيت" تركيز موسكو عن مهمتها في سورية. وفي اليوم نفسه الذي أصدر فيه زعيم جبهة النصرة دعوته للثأر، سقطت قذيفتا مورتر في محيط السفارة الروسية في دمشق.
كانت منظمة تابعة لمجموعة "الدولة الإسلامية" في مصر قد أعلنت مسؤوليتها عن إسقاط طائرة الركاب الروسية في شبه جزيرة سيناء خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما أسفر عن مقتل ركابها البالغ عددهم 224 شخصاً.
وفي الأثناء، بدأ تواً تحقيق دولي في حادث السقوط المميت للطائرة، في الوقت الذي تظل فيه مصداقية ادعاء الدولة الإسلامية (داعش) بإسقاط الطائرة موضع شك. لكن مسؤولين من شركة "متروجيت" الروسية المؤجرة للطائرة، قالوا يوم الاثنين الماضي إن خطأ ارتكبه قائد الطائرة أو مشاكل فنية في الطائرة ليسا مسؤولين عن سقوطها، وهو ما عزز المخاوف من أن تكون الطائرة قد سقطت بسبب تفجير انتحاري. ولدى سؤالها عن احتمال هجوم انتحاري، قالت الناطقة بلسان وزارة الخارجية الأميركية، اليزابيث ترودو، يوم الاثنين: "لم نر أي إشارة في هذا الوقت حول حقيقة الوضع".
وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما التي أخذت على حين غرة بتدخل بوتين في سورية، قد ردت على انتقادات توجهت إلى نهجها الحذر تجاه النزاع في سورية، بالتنبؤ بأن روسيا ستجد أنها قد وقعت في "مستنقع" لا تستطيع الخروج منه.
ويقول مسؤولو البيت الأبيض إن التدخل الروسي سيفضي إلى نتائج سلبية بالنسبة لموسكو، وسيشعل موجة محتملة من الهجمات الإرهابية، على نحو يُقارن بالتدخل السوفياتي الكارثي في أفغانستان في سنوات الثمانينيات.
يقول مسؤول استخبارات أميركي إن حملة روسيا العسكرية التي تحول النزاع السوري إلى "مسحوق بارود"، ستكون لها تداعيات خطيرة على حكومة بوتين. وقال المسئول لمجلة "فورين بوليسي" شريطة عدم ذكر اسمه "إن المتطرفين من روسيا ودول الكتلة السوفياتية السابقة الذين فاتتهم فرصة القتال في أفغانستان والشيشان سيشاركون بلا شك في ميادين المعارك السورية". وأضاف المسؤول: "ولكن، على النقيض من الثمانينيات، لا تستطيع روسيا افتراض أن تنحصر ضربة ارتدادية محتملة في سورية".
وأضاف المسؤول: "إن قدرة المتطرفين على نشر إيديولوجيتهم القائمة على الكراهية في الحال والتحريض على العنف في العالم أجمع، ستكون شيئاً يصعب على بوتين تجاهله، ومن المرجح أن يحدث هذا في الوطن".
مع ذلك، وبعيداً عن التصاعد في الخطاب المعادي لروسيا في الدعاية المتطرفة على الإنترنت، يقول المسؤولون والخبراء الأميركيون إن من المبكر جداً قياس ما إذا كانت التحركات العسكرية لموسكو قد حفزت المزيد من المتطوعين على التوجه إلى سورية من منطقة القوقاز المتوترة.
وكانت موسكو قد عرضت تقديرات متفاوتة لعدد المواطنين الروس الذين انضموا إلى مجموعة "الدولة الإسلامية" أو إلى المتطرفين الآخرين الذين يقاتلون نظام الأسد، على الرغم من أن التقديرات قد زادت خلال العام.
ففي شباط (فبراير) الماضي، قالت وكالة الأمن الفيدرالي الروسي إن نحو 1700 شخص قد سافروا إلى سورية للانضمام إلى الدولة الإسلامية. وفي الشهر الماضي، ادعى بوتين أن ما يتراوح بين 5000 و7000 متطوع من روسيا ومن دول مجاورة في آسيا الوسطى قد انضموا للمجموعة.
وقال بوتين لوفد من الجمهوريات السوفياتية السابقة يوم 16 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي: "إننا بالتأكيد لا نستطيع السماح لهم باستخدام الخبرة التي يحصلون عليها في سورية هنا على تراب الوطن". وحث الرئيس الروسي أيضاً الدول السوفياتية السابقة على التعامل بحذر من احتمال رد محتمل من جانب المتطرفين، كما حثها على توسيع التعاون بين أجهزة مكافحة الإرهاب.
وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الروسية لم تترك شيئاً للصدفة عندما استضاف البلد الألعاب الأولمبية في سوتشي في العام 2014. وبعد أن قتلت تفجيرات 34 شخصاً في فولغوغراد قبل أقل من شهرين من بدء الألعاب، وفي غمرة تهديدات من المتشددين الإسلاميين، فرضت موسكو "حلقة فولاذية" واسعة حول سوتشي لإحباط أي هجمات محتملة. وفي التحضير للألعاب، نشر البوليس الروسي منشورات في الفنادق تحذر من النساء -اللواتي دعين الأرامل السود- اللواتي خشي أنهن كن يخططن لتنفيذ تفجيرات انتحارية انتقاماً لأزواجهن الإسلاميين القتلى. مع ذلك، لم يتم الكشف عن أي مخطط رئيسي من هذا النوع، حيث جرت الألعاب بدون وقوع أي حادث.
كطريقة لتهدئة منطقة القوقاز، انتهجت أجهزة الأمن في روسيا استراتيجية غير متشددة في السنوات الأخيرة، واختارت هذه الأجهزة السماح للمتشددين المسلمين بمغادرة روسيا للقتال في سورية، خالقة "ممراً أخضر" لتخليص البلد من الإرهابيين المحتملين، وفق تقرير استقصائي نشرته في تموز (يوليو) الماضي صحيفة "نوفايا غازيت".
لكن ذلك كان قبل أن ترسل روسيا العشرات من طائراتها المقاتلة، سوية مع المدفعية والدبابات لإنقاذ نظام الأسد. والآن، يتعهد المتطوعون الشيشان وغيرهم ممن يتحدثون بالروسية في سورية بمهاجمة القوات الروسية، بينما يدعو قادتهم إلى استهداف المدنيين في روسيا.
وفي شريط فيديو مدته أربع دقائق ونصف الدقيقة، والذي بُث على "تويتر" يوم 27 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قال مقاتل يتحدث بالروسية ومجند يتحدث بالعربية من جبهة النصرة إن مجموعتهما مستعدة لقتال الروس وحلفائهم. وأظهر الشريط مقاتلين يستخدمون أسلحة مختلفة من صناعة روسية، بما في ذلك بنادق هجومية ومسدسات وقنابل يدوية.
وقال مقاتل في الشريط، وفق نسخة كليب ترجمتها مجموعة المخابرات SITE إن الجنود من الخارج لا يستطيعون تحمل الحروب طويلة الأمد مثل (الحرب في) أفغانستان، التي احتلها السوفيات بكل قوتهم وآلياتهم (منقولة كما وردت في الأصل) ثم غادروها وهزموا تحت ضربات المجاهدين.
من الممكن أن تشكل خسائر القوات الروسية تهديداً آخر لمشروع بوتين في سورية عبر تقويض الدعم السياسي له في الوطن. وقد أحاط جدل بتقرير عن أول جندي روسي يقتل في النزاع، فاديم كوستنكو، البالغ من العمر 19 عاماً، الذي كان يساعد الطائرات الروسية في اللاذقية. وكانت والدته وناشطون على الإنترنت قد رفضوا إعلان وزارة الدفاع الروسية عن أنه انتحر، قائلين إنه كان يبدو بخير في نفس اليوم الذي زعم فيه أنه شنق نفسه. وتمتلك روسيا سجلاً كبيراً في محاولة إخفاء الوفيات في ميادين المعارك. ففي شرقي أوكرانيا، كانت روسيا قد اتهمت بالتغطية على تقارير الجنود الذين قتلوا في أثناء المعارك.
يتساءل بعض الخبراء ومسؤولون أميركيون سابقون عن مدى التهديد المتطرف الموجه لموسكو، ويقولون إن التشابهات بين التدخل الروسي في سورية والاحتلال السوفياتي لأفغانستان مبالغ فيها. وعلى عكس الغزو السوفياتي؛ حيث لعبت باكستان دوراً أدواتياً في محاربة موسكو، فإنه لا يوجد بلد مشابه في جوار سورية، والذي يبدي استعداداً لشن قتال ضد نظام دمشق
وقال بروس ريدل، مسؤول وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) السابق، والذي كان قد عمل في الشرق الأوسط: "لا يوجد بلد قابل للمقارنة، والذي يرغب في خوض غمار المخاطرة في تدريب وتسليح ونشر المقاتلين لمهاجمة الروس".
لكنه قال أن دعم روسيا لنظام الأسد المدعوم إيرانياً قد أغضب الحكومات العربية السنية في عموم الشرق الأوسط، خاصة المملكة العربية السعودية. وستكون تلك الدول مستعدة لتقديم المزيد من الأسلحة للثوار العرب في سورية، وفق ريدل، المؤلف والزميل في معهد بروكينغز. وأضاف ريدل: "لقد وضع الروس الآن أنفسهم بجانب الفرس والشيعة في المواجهة الملحمية بين العالم السني والعالم الشيعي الإيراني... وينوي السعوديون حشد العالم السني ضد روسيا".
حتى الآن، استطاعت الولايات المتحدة إقناع حلفائها في الخليج بعدم تقديم صواريخ مضادة للطائرات تطلق من على الكتف للثوار في سورية، خشية وقوعها في أيدي المتطرفين المتشددين الذين يخططون لاستهداف طائرات عربية أو غربية. ولكن، مع تنفيذ روسيا لضربات جوية ومع تصاعد النزاع، فإن خطر أن يستطيع بعض الثوار وضع أيديهم على أسلحة تطلق من على الكتف سوف يتصاعد، كما قال خبراء.
خلال التواجد السوفياتي في أفغانستان، هاجمت طائرات الهيلوكبتر الحربية المدنيين الأفغان ونثرت قوة احتلال ضخمة مشاعر الاستياء بين الأفغان. لكن مهمة روسيا في سورية محصورة غالباً بعمل الطائرات، ولم توظف القوات الروسية التكتيكات الوحشية التي كانت قد استخدمتها في أفغانستان، كما يقول سيث جونز، المستشار السابق لقوات العمليات الخاصة الأميركية.
وقال جونز، المدير في مؤسسة رند الفكرية الأميركية، إن حملة إرهابية إسلامية واسعة النطاق ضد روسيا لن تكون نتيجة حتمية لتدخل موسكو في سورية. ومن المبكر لأوانه القول بما إذا كانت موسكو ستجد نفسها مكبلة باحتمال تلقي ضربة ارتدادية من الإسلاميين.
وأضاف جونز أنه قد تكون هناك "زيادة طفيفة في الهجمات الإرهابية... لكن من الصعب رؤية ما إذا كانت ستفضي إلى إطلاق موجة من ردة الفعل المعادية لروسيا".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 Will Islamist Blowback Derail Russia’s Gambit in Syria؟

التعليق