د.باسم الطويسي

السياسة والحرب والتاريخ

تم نشره في السبت 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:05 صباحاً

يقال، عادة، إن الحرب امتداد للسياسة. لكن الروس يقلبون المعادلة، فتصبح السياسة امتداداً للحرب، كما بدا ذلك بوضوح في تطورات التدخل الروسي في الصراع السوري. وكما اشتعلت حروب القرن العشرين على رائحة النفط، تشكل خرائط الغاز والطاقة الجديدة خرائط السياسة والحرب في النصف الأول من هذا القرن، ويبدو بعض جوانبها فيما يُخط هذه الأيام على الأرض السورية وشواطئ البحر الأبيض المتوسط.
العقلانيات السياسية تدير مصالحها بعيدا عن الاعتقادات الجامدة. وهذا ليس ما يفعله الروس وحدهم، بل ما بدأ يلفت انتباه خصوم تقليديين أيضا. فالخرائط التي تشكلها خطوط الغاز الجديدة واكتشافاته المذهلة على وقع انهيارات أسواق النفط، تتزامن مع شهوة غير مسبوقة لدى دول المنطقة لدخول النادي النووي تحت عناوين الطاقة النظيفة، فيما تتغير خطوط الاشتباك التقليدية من دون أن يحدث هذا ضربات موجعة للتحالفات التقليدية. فالسعودية لديها توجه قوي لتدشين 16 مفاعلا نوويا، ويقال إن نيتها تتجه بشكل شبه كامل نحو الروس. وتعتزم الحكومة السعودية على ابتعاث ألف طالب إلى الجامعات الروسية لدراسة العلوم والتقنيات.
رائحة اكتشافات الغاز الجديدة تملأ الشرق الأوسط. ويبدو أنها تقف خلف الكثير من التحولات والمواقف المستعصية، وتفسر كيف ستتحول إسرائيل خلال خمس سنوات إلى دولة تجمع القوة والثروة معا، كما سيتحول العديد من الكيانات في العالم التي تعتمد على المساعدات، إلى دول تتركز فيها الثروات. وإذا كان سلوك إسرائيل السياسي والاستراتيجي، طوال العقود الستة الماضية، قد اتسم بكل هذه العدوانية والتوسعية وهي تعتمد على المساعدات الغربية، فكيف سيكون سلوكها حينما تصبح قادرة على الاكتفاء وعلى تمويل مخططاتها؟!
الصراع على الغاز الجديد سوف يزداد وضوحا خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة. ونلاحظ العجز اللبناني والسوري عن التقدم خطوة واحدة في استثمار حقول الغاز المتوقعة في مياه الدولتين الإقليمية، مقابل علاقة عودة روسيا القوية إلى الشرق الأوسط، وإصرارها على حماية النظام السوري، بملف الغاز في الشرق الأوسط. فالروس، وهم المنتج الأول للغاز في العالم، لديهم إدراك واضح لمستقبل صناعة الغاز على شواطئ البحر المتوسط، بل إن هناك إدراكا متناميا في جهات عديدة من العالم، بأن ثقل التأثير السياسي والاستراتيجي في الطاقة العالمية سوف ينتقل، خلال أقل من عقدين، من الخليج والنفط، إلى شواطئ "المتوسط" والغاز.
وفي الوقت الذي قد يبدو للبعض أن هذه التطورات تزيد من رصيد النظام السوري، فإنها تشكل اختباراً قاسياً للقدرات الروسية على التكيف، وعلى ممارسة السياسة بعيداً عن ذهنية الماضي والخيال الثوري. فالموقف الروسي الذي بدا للبعض وكأنه مفاجأة موسم التحولات الدولية، يجد تفسيرات متعددة، بعضها يذهب نحو رغبة الروس في إعادة الدفء إلى دورهم التقليدي في الشرق الأوسط وكأنه لا فرق بين الأمس واليوم، فيما رؤية أخرى تقول إن روسيا تريد أن تمشي الخطوة الأولى التي تخفف العبء عن الولايات المتحدة، ضمن نسق من تقاسم الأدوار والمصالح في العلاقات الدولية الجديدة. وهناك رؤية ثالثة تذهب نحو تفسير السلوك الروسي بأنه أحد تعبيرات عودة نمط جديد من الحرب الباردة، والتي حاولت روسيا في أكثر من مرة، منذ سقوط جدار برلين قبل ربع قرن، إعادة إشعالها من جديد وهي تراقب الثورات الديمقراطية الملونة تتسلل إلى محيطها الحيوي واحدة تلو الأخرى.
كل هذه التفسيرات لا يمكن أن تُفهم بعيدا عن رائحة الغاز والصراع القادم على الطاقة النووية، بعد أن بدأ عصر النفط رحلة النهاية.

التعليق