إبراهيم غرايبة

البيوت بما هي وعي الذات

تم نشره في السبت 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:08 صباحاً

تعكس العمارة حالة المجتمعات. ويمكن الاستدلال بها على مستوى الوعي والثقافة والفنون، كما التعليم وأسلوب الحياة، ومستوى الإدراك الفردي والمجتمعي للأولويات والاحتياجات الحياتية والعملية وتوظيف الموارد والطاقات الطبيعية المتاحة (الإضاءة، والتدفئة، والتهوية، والاستمتاع بالطبيعة...). وقد كتبت ملاحظة على صفحتي في "فيسبوك" حول سعة البيوت وتصميمها، وطلبت مشاركة مجموعة من الأصدقاء المعماريين والمثقفين. فتلقيت ملاحظات كثيرة مهمة ومفيدة. ووصف الصديق باسل الرفايعة النقاش الذي جرى بأنه يصلح تحقيقا صحفيا استقصائيا.
وأعرض في هذه المساحة ملخصا لتلك الملاحظات. والواقع أنه موضوع متعدد الجوانب والأبعاد، ويمتد في مجالات كثيرة من حياتنا ووعينا، ويصلح لمعاودة البحث والنقاش.
أظن أن ظاهرة القصور والفلل وحتى الشقق الواسعة متجهة إلى الانحسار. فهي مكلفة بلا عائد ولا فائدة حقيقية، ولم تعد تعكس الاتجاه الاجتماعي نحو الأسر الصغيرة المستقلة. وبشكل عام، فإن معدل المساحة لمستوى معيشي متقدم، يساوي 25 مترا مربعا لكل شخص. فإذا كان معدل الأسرة الأردنية 6 أشخاص، فلا حاجة لأن تزيد البيوت على مساحة 150 مترا مربعا في المتوسط. ويمكن أن يزيد الأغنياء على ذلك، ولكن ليس أكثر من الضعف.
وتصميم البيوت مهما كانت مساحتها صغيرة، وفي أي طابق من العمارات، يمكن أن يساعد كثيرا في الحصول على مستوى معيشي متقدم، ومتطلبات كثيرة، بما في ذلك الخصوصية والتدفئة والإضاءة والتهوية والفضاءات المفتوحة والمساحات المزروعة. ويمكن أيضا توظيف المساحات والفضاءات المتاحة بكفاءة تجعل البيوت مهما صغرت تؤدي لساكنها مثلما تؤدي القصور والفلل والشقق الواسعة، وبتكلفة أقل في البناء والتشغيل والإدامة. وأقترح أن تكون صالة المعيشة هي أيضا للضيوف. وإذا أمكن، أن تكون هناك غرفة للمكتب والمكتبة، يمكن أيضا استخدامها للضيوف.
ومن ملاحظات الأصدقاء، ضرورة الاهتمام بتشجيع الناس على الخروج من البيوت، بما قد يكون له آثار نفسية وبدنية واجتماعية مهمة في حال توفير حدائق عامة وأسواق رفيقة بالمشاة (د. نزار أبو جابر). وهناك منظور آخر، بأن العمران هو أحد أوجه الفن، وبعد حقبة تاريخية تصبح بعض البيوت معالم تاريخية وفنية للبلد. وهذا ما نراه في كثير من بلدان العالم. وأظن أن جبل عمان كان يوما ما قمة الترف، وها هي أمانة عمان تحاول جعل شارع الرينبو معلما للزيارة (م. طه أبو حرب).
ويرى المهندس مراد الكلالدة أنه ليس من الضروري أن تمتلك العائلة الناشئة شقة بمساحة 150 مترا مربعا، ويمكن أن تكتفي بمساحة 80 مترا مربعا في البداية، ثم تنتقل إلى شقة أكبر بعد عشر سنوات من الزواج. وهذا يتيح المجال للعائلات الجديدة استخدام الشقق الصغيرة، وهكذا دواليك.
ويقول المهندس جمال هلسا إن كلفة إدامة وتنظيف وتدفئة وتبريد البيت الواسع كبيرة. أما المهندس محمد البعول، فيرى أن البعض يبالغ في حجم البناء ليس فقط لاعتبارات البذخ المعماري، وإنما هناك عامل نفسي مهم يتمثل في الخوف من المستقبل.
ويقول د. خالد الشرفات: كان أبي يقول: أهم شي وسعوا المضافة، وكانت بحجم ثلاث إلى أربع غرف، والسبب معروف... ضيوفنا وأقاربنا من البدو الذين يسكنون الصحراء في فضاءات بلا أطر.. لا يحبذون الغرف أصلا، فكيف إذا كانت ضيقة. لكن لم يعد يزورنا هؤلاء بحكم الحياة، وأصبحت هذه المضافات أشبه بملعب كرة قدم سداسي.
وتلاحظ د. ربى العكش أن العادات المتعلقة بتصميم المنازل، سواء الكبيرة أو الصغيرة، تشهد تغيرا في المفاهيم والسلوكيات لأسباب عديدة، منها الاقتصادي والاجتماعي. لكن الشعور بالسعادة والأمان والحريّة، يبقى أهم، بغض النظر عن نوعية السكن، لذلك يجب عدم إهمال البيئة المحيطة والسلوك الإنساني ضمنها.
لقد تعلمت الكثير من الأصدقاء. وسأواصل عرض ونقاش وجهات النظر في مقالات مقبلة، ومن أبعاد وجوانب أخرى؛ مثل الأثاث والبيئة والمناخ، ومشكلات التلوث في البيوت. وآمل أن تتواصل التعليقات، سواء في "الغد"، أو على صفحتي في "فيسبوك".

التعليق