اللاسياسة الأميركية في سورية

تم نشره في الاثنين 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

دنفر- ربما ينتهي التدخل الروسي الجريء في الحرب الأهلية الدائرة في سورية إلى عواقب وخيمة على قيادات روسيا. ولكن الجميع يمكن أن يخسروا في الشرق الأوسط في هذه الأيام. فكما قد تخسر روسيا نتيجة لتدخلها، ربما تخسر الولايات المتحدة بسبب عدم تدخلها -أو بشكل أكثر تحديداً، بسبب فشلها في تصميم -ناهيك عن تطبيق- سياسة متماسكة ذات أهداف محددة في التعامل مع سورية.
أياً كانت عواقبها، فإن السياسة الروسية في سورية لا تعكس هدفاً فحسب. إنها تعكس أيضاً استراتيجية حقيقية تسعى إلى تحقيق هذه السياسة -الاستراتيجية التي عززها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مؤخراً باستقبال الرئيس السوري بشار الأسد لإجراء محادثات ثنائية معه في موسكو. والآن، بعد أن نجحت روسيا في دحر بعض أعداء الأسد على الأقل، قرر الكرملين أن الوقت قد حان لمناقشة أي ترتيبات سياسية مقبلة، أو ربما بشكل أكثر دقة: حان الوقت لإخبار الأسد ماذا سيحدث بعد ذلك.
لكن من المؤسف أن سياسية الرئيس الأميركي باراك أوباما تفتقر إلى التماسك نفسه. ولعل من المؤكد أن الكثير من الانتقادات القائلة إن السياسة الخارجية التي تنتهجها إدارته -على سبيل المثال، القرار بالبقاء بعيداً عن سورية- تعكس الضعف أو التردد في اتخاذ القرار، تبقى غير دقيقة. فمثل هذه الاتهامات لا تعكس الواقع بقدر ما لا يعكسه الميل إلى استخدام أوباما ككبش فداء لمشاكل العالم، وهو الاتجاه الذي اشتد خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة.
يُحسِن المنتقدون صنعاً إذا تذكروا أن المجتمع الدولي كان يطالب الولايات المتحدة قبل عشر سنوات فقط بتوخي المزيد من الحذر في اتخاذ القرار حول متى تتحرك بقوة ومتى لا تفعل. وهذا هو ما فعله أوباما في سورية على وجه التحديد: لقد تمهل لتقييم الخيارات، وخلص إلى أن مصالح الولايات المتحدة لن يخدمها التدخل على الأرض في سورية بقدر ما تخدمها، على سبيل المثال، الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
لكن هناك فارقاً بين اختيار عدم التدخل والافتقار إلى أي استراتيجية متماسكة على الإطلاق. ولذلك، فإن يستحق أوباما اللوم عنه هو فشله في الإعراب بوضوح عن الأسباب التي دفعته إلى اختيار عدم التدخل، وتحديد خطوات بديلة يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة للمساعدة في تخفيف الأزمة.
من المؤكد أن أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الفشل هو الافتقار إلى الإجماع -وليس بين أقسام الحكومة فقط؛ فإذا سألت خمسة أعضاء في مجلس الشيوخ عن التصرف الواجب بشأن سورية، فإنك ربما تحصل على ستة أجوبة على الأقل، وإنما داخل الإدارة نفسها أيضاً. لكن على أوباما نفسه أن يتحمل المسؤولية عن هذا الوضع في نهاية المطاف، وهو الرئيس الذي أظهر في مجالات أخرى قدرة مبهرة على التعرف إلى التعقيدات المحيطة بأي مشكلة، ورسم مسار إلى الأمام.
ظهرت الصعوبات التي تواجه إدارة أوباما في سورية في مرحلة مبكرة، مع افتراض أن الأسد سوف يخرج من السلطة في غضون أسابيع من اندلاع الصراع. وكان ذلك سوء تقدير أشبه بذلك الذي وقع فيه سلفه جورج دبليو بوش، الذي قرر القيام بغزو العراق استناداً إلى افتراضات خاطئة، والتي لم تقتصر على الاعتقاد بأن صدام حسين يمتلك أسلحة الدمار الشامل فقط، وإنما افترضت أيضاً -وهو الأمر الأكثر أهمية- أن العراق في مرحلة ما بعد صدام سرعان ما سيتحول إلى ديمقراطية مستقرة.
بمجرد أن تبين أن الأسد لن يسقط من دون قتال شرس، اختصرت إدارة أوباما جهودها لتأمين رحيله في فضحه علنا -وهو التكتيك الذي يظل سجله موضع شك عندما يتعلق الأمر بالحكام المستبدين. ومن الواضح أن فرض الحظر الأحمق تكتيكياً على مشاركة الأسد في أي ضربة موجهة إلى تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة الولايات المتحدة -ناهيك عن توجيه الدعوة إلى فصائل المعارضة لعقد انتخابات مؤقتة- هي مجرد استعراض للشعارات، والذي لا علاقة له بصنع السياسات الحقيقية.
من المؤكد أن الأزمة السورية شديدة التعقيد، حتى أن مجرد محاولة فهمها تتجاوز قدرة الشعب الأميركي على الصبر. ولكن، إذا كان هناك أي رئيس أميركي على الإطلاق يمتلك القدرة على شرح التعقيدات، فهو أوباما. ويتعين عليه عندما ينتهي من شرحها أن يحدد مساراً واضحاً إلى الأمام -ثم يتابعه إلى النهاية.
بادئ ذي بدء، من الممكن أن يتعهد أوباما بالعمل مع كل البلدان –من الحلفاء وغيرها- ممن لديها مصلحة في حل الأزمة السورية. وأياً كانت الخلافات بينها، فإن من شأن المصلحة المشتركة بين هذه البلدان في جلب السلام والاستقرار إلى سورية أن توفر أرضية مشتركة كافية لبناء سياسة متماسكة.
وبالرغم من أن الرأي الذي تتبناه الولايات المتحدة، والقائم على وجوب عدم بقاء الأسد يبقى في السلطة، ربما يكون مقنعاً من الناحية الأخلاقية، فإن السياسة الرسمية التي تنتهجها أميركا في التعامل مع سورية يجب أن تترك هذا القرار للشعب السوري. وبدلاً من محاولة فرض قيادة سورية جديدة، يتعين على الولايات المتحدة أن تستضيف اجتماعاً مع ممثلين مختارين من الداخل لمساعدتهم في صياغة دستور واتخاذ غير ذلك من الترتيبات السياسية.
وأخيراً، يجب على أوباما أن يَعِد بمواصلة العمل مع الكيانات ذات التوجهات المماثلة، من أجل تفكيك وتدمير تنظيم الدولة الإسلامية. فما دام مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية يعملون على زعزعة استقرار الشرق الأوسط، فلن تكون سورية آمنة أبداً. لقد اتخذت روسيا القرار بالتدخل عسكرياً في الحرب الأهلية في سورية، في حين قرر أوباما أن لا تتنافس الولايات المتحدة مع الكرملين في نشر قواتها. ولكن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى قوات برية لإحداث الفارق في سورية، بقدر ما تحتاج إلى سياسة متماسكة تسعى إلى تحقيق أهداف ملموسة ومدروسة.

*مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون آسيا. كان سفيراً للولايات المتحدة في العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، ومبعوثاً خاصاً إلى كوسوفو، ومفاوضاً في اتفاقيات دايتون للسلام، وكبير مفاوضي الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية أثناء الفترة 2005-2009. وهو يشغل حالياً منصب عميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

كريستوفر ر. هيل*

التعليق