د.أحمد جميل عزم

الفلسطينيون وغضبة ما بعد الكرسي الطائر

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:06 صباحاً

في حلقة نقاشية مصغرة، في فلسطين، جمعت أكاديميين و"ناشطين" متقاعدين، ذهب أحدهم إلى القول إنّ جزءا مما يحدث الآن أنّ أفرادا لديهم مشكلات شخصية يحملون سكيناً ويذهبون لمواجهة العدو. وفي مناسبة ثانية، تشير سيدة إلى أنّ الإسرائيليين "استدرجونا" لاستخدام السكاكين. وهناك ثالث قال إنّ المدن الفلسطينية لاهية، إلا من مجموعة شبان يقومون بالمواجهة. والواقع أن كل هذا قد يبدو مثيراً للغضب، ومستفزاً، ولكنه ليس خطأ تماماً.
إذ قد يبدو مستفزاً لمن يرى في طرح مثل هذه المشكلات الشخصية، والاستدراج الإسرائيلي، واعتبار ما يحدث نتاج مجموعة مراهقين، نوعا من تقزيم النضال الفلسطيني. وهو مستفز لمن يُقِر مثلا أن جزءا أساسيا من المدن الفلسطينية يعيش حياته كالمعتاد، وآخرون يتولون عبء النضال. لكن يمكن التسليم بكل هذه المقولات، بعد اكتشاف المنطق والأسباب المؤدية لها، وتحميل المسؤولية عنها لمن يتحملها.
إذا ما قمنا باستعراض بانورامي خاطف للأحداث السياسية عبر السنوات الفائتة؛ فقد تم حشد الشارع الفلسطيني العام 2011 خلف فكرة "الدولة 194"، والذهاب إلى الأمم المتحدة. وأذكر شخصياً الاستماع لخطاب الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في الأمم المتحدة، أثناء تجمع شعبي كبير في قلب مدينة نابلس، واحتفالا لفرقة "العاشقين"، التي أطلقت أغنية حققت انتشاراً كبيرا "أعلنها يا شعبي أعلنها..". وفي ذلك العام، قام "ناشطون" من حركة "فتح" وآخرين بتصميم كرسي، كناية عن كرسي "الدولة 194"، وطاروا في العالم يحشدون التأييد ويحرّكون الجاليات. وامتدت يافطات في الشوارع الفلسطينية في حملة لحشد التأييد الشعبي للدولة (مع أنها كانت مكلفة مصقولة، بعيدا عن النمط الشعبي العفوي).
لكن على مدى أربع سنوات، استمع الفلسطينيون كثيراً للحديث عن الدولة تحت الاحتلال، وللانضمام للمنظمات الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وسوى ذلك؛ لكنهم كانوا في موقع المتفرج، وحتى لم تجر حملات لإقناعهم بأن ما يحدث عمل نضالي لهم دور فيه.
ثم جاء هذا العام الحديث مجددا عن المفاوضات، ومبادرات فرنسية غامضة وقبول فلسطيني غامض، وانتظار الانتهاء الأميركي من التفاوض مع إيران. ثم جاءت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ورغم رفع العلم الفلسطيني هناك للمرة الأولى تاريخياً، إلا أنّ خيبة الأمل كانت كبيرة، بإهمال العالم للشأن الفلسطيني. وعملياً، كانت "قنبلة" الرئيس الفلسطيني المنتظرة في الجمعية العامة، والتي تمثلت في إشارة غامضة جديدة إلى عدم إمكانية الاستمرار في الاتفاقيات مع الإسرائيليين، نوعا من إعلان الفشل في مسعى حشد دعم دولي لتحديد موعد لإنهاء الاحتلال. وبدأ الحديث عن "الحماية الدولية"، أيضاً على نحو غامض؛ أي طُوي ملف التدويل وفتحت ملفات جديدة، من دون أن يعي أحد ما يحدث.
هذا العمل الدبلوماسي الفوقي النخبوي الذي يقوم به عدد من "المسؤولين" فيما الشعب ينظر وينتظر، والقرارات الفلسطينية الغامضة غالبا، مترافقاً معها سياسات الاستيطان والاحتلال في القدس وكل فلسطين، وواقع الفلسطينيين من مخيم اليرموك في سورية حتى الجليل وغزة والنقب... توجِد بلا شك مشكلة شخصية ونفسية واجتماعية عند الكثيرين. وعلى سبيل المثال، من الطبيعي أنّ تحدث ما يسمى في علم النفس الاجتماعي، مشكلة "الاغتراب" (Alienation)، أي الشعور بالعجز، و"التشيؤ"، وعدم القدرة على التأثير في الحدث. وبالتالي "يستدرجهم" عدم فعالية العمل السياسي الرسمي والفصائلي وسياسات الاحتلال، وتحدث انتفاضة فردية ذاتية لا تنتظر أحدا، وتنهي حالة الاغتراب الفردي؛ وإلا ما معنى اتجاه شبان واعدين منخرطين في العمل الثقافي، وناجحين في حياتهم الشخصة، إلى تنفيذ عمليات فردية؟! لقد يئسوا شخصياً من تطوير القيادات والفصائل والمجتمع لآليات عمل جماعية منتجة ومدروسة تغير حياتهم الفردية والجمعيّة.
أمّا موضوع تركز المواجهات في مناطق التماس (الحواجز ومفترقات الطرق) والقدس والخليل، فيما المدن الأخرى ماضية في حياتها بشكل معتاد باستثناء بعض مظاهر التضامن وبعض المناسبات، مثل تأبين الشهداء، فهو نتاج طبيعي لتركيبة "أوسلو"؛ حيث تقسيم (أ) و(ب) و(ج) للمناطق، وترك جنود الاحتلال في محيط المدن؛ فلو كان الجنود على دوار المنارة (الدوار الأشهر في رام الله)، لكان الشبان يواجهونهم ويهاجمونهم هناك.
الآن، المرحلة المقبلة ستعني لجيل أو أجيال سؤال: كيف تطور آليات عمل جماعية تضم الجميع في المواجهة، من دون انتظار الفصائل والقيادات القديمة؟

التعليق