يقرأون سورة يوسف على يعقوب

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

قرأت بعناية واهتمام واحترام، رد الدكتور خالد عطية السعودي في جريدة الغد الغراء، في  5 / 11 / 2015 ، على "المنتقدين: لماذا يحملون على المناهج المدرسية"، وأجد نفسي مضطراً إلى القول –للأسف– إنه تكلم كثيراً، كالعميد المتقاعد المحترم طه عبد الوالي الشوابكة في جريدة "الرأي" في اليوم نفسه، بعنوان "المناهج الدراسية وفرية الدعشنة"، دون أن يقول أي منهما شيئاً.
لقد أعادا سرد الحكاية نفسها، أو الكليشهات والعموميات المعروفة أو الروتينية علينا، ليثبتا للقارئ والناقد أنه لم يحدث تغيير في العقلية السائدة، التي تضع المناهج وتؤلف الكتب المدرسية، وتشرف عليها، وتقررها، منذ هزيمة حزيران سنة 1967 إلى اليوم.
نعيش في القرن الحادي والعشرين بتحدياته وأخطاره المختلفة، بينما هم يفكرون ويعملون بعقلية القرون الوسطى الأوروبية، فلا يعدّون الأطفال أو التلاميذ للسباحة في تيار العولمة بنجاح. إنهم يعدونهم على وتيرة واحدة، أو من بُعد واحد، في عصر التعددية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فلا يرى الواحد منهم أبعد من أنفه أو غير نفسه في المرآة.
ان ما كتبه الأستاذ والعميد مجرد إعادة لمحاضرة، أو لبعض محاضرة معالي الأستاذ العزيز اسحق الفرحان في سبعينيات القرن الماضي، عن كيفية إعداد المناهج والكتب المدرسية في الأردن. لم يأتيا بجديد يختلف عنها بشيء. وهو ما تقوم به مديرية المناهج مصوراً (Power Point) في كل مناسبة. وبذلك يكونان كمن يقرأ سورة يوسف على أبيه يعقوب.
لقد سعدت بوصف العميد لما يصدر عني من مواقف وآراء تربوية بظاهرة الحسننة. ان ذلك يعني أنها ستبقى وتدوم. إنني، وإن كنت جندياً مدنياً متقاعداً، نذر نفسه للحق والحقيقة والحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وبخاصة في التعليم، فإنه لا يسعني سوى شكر العميد على هذا الوصف وأحترم دخوله على الخط، وإن كنت لا أوافقه على معظم ما ذهب إليه، من استنتاجات، وعدم تمييزه بين المناهج المدرسية كما جاءت في عنوان الأستاذ السعودي، والمناهج الدراسية كما جاءت في عنوانه.
لم يرد الاثنان على أيٍ مما قلناه أو ذهبنا إليه في مقالاتنا وأبحاثنا. لقد أرادا من هذا التدخل إظهار استمرار وزارة التربية والتعليم بالتمسك بالطريقة أو العقلية أو العملية نفسها، وبالتيار نفسه، الذي يسيطر عليها في إعداد المناهج والكتب المدرسية، وعلى مجلس التربية والتعليم وعلى وزارة التربية والتعليم، وحتى الجامعات. لكن الأستاذين لم يبينا فيما إذا كان هذا التيار يمثل الجماعة أو الجمعية أو الوسط الإسلامي. والحقيقة أن رد أي مستفيد شخصياً من عملية المناهج والكتب المدرسية مشروخ، لأن أحدهم أو بعضهم أو معظمهم، وان كانوا يحملون فكراً مختلفاً، الا إنهم يخفونه مسايرة للتيار المهيمن، لما في ذلك من عائد أو فائدة.
اسأل أي طفل/ة في التعليم الأساسي، أو أي طالب/ة في الجامعة، فإنك تجده يكفّر الشيعة، ويصفهم بالروافض، مع أنهم مسلمون. واسأله عن أسباب سقوط البَرد أو وقوع الزلازل... تجده يفسره بغضب الله على الناس. لا يخطر على باله أن ذلك يعني الغضب على الأجنة في الأرحام أو الأطفال في (الكوفليات) أو الحضانات أو الرياض، وأنه يلغي مفعول الآية الكريمة: "ولا تزر وازرة وزر أخرى". إن جملة خريجي المدرسة والجامعة يفسرون بالتعليم الذي يتلقونه، الظواهر والأحداث دينياً لا علمياً، وفي انسجام تام مع التيار الشعبي الساذج. إن معنى هذا: الاستسلام للظواهر والأحداث. ولربما لذلك ليس للعرب والمسلمين، في هذا العالم، منبرٌ للعلم أو الأدب أو الفن. لقد تفوقت كوريا الجنوبية عليهم أجمعين. لا يوجد لديهم شركة عظمى مثل "سامسونج" أو "أل جي" أو "هيونداي".... مع أن مصر ظلت أرقى منها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
انظر ما حل بالعرب والمسلمين بعد هزيمة حزيران عام 1967. لقد سيطر الإسلاميون على التعليم بمختلف مراحله وأنواعه، وأسلموا العلوم والآداب والفنون، وأحلوا النقل محل العقل، وعالم الغيب محل عالم الشهادة، والسمع والطاعة محل التفكير الناقد والمبدع، فماذا كانت النتيجة؟ ظهور تيار إرهابي في كل بلد عربي ومسلم، يكفر المسلم وغير المسلم، ويبيح دمهما. لقد أصبح مجمل الناس في بلاد العرب والمسلمين، بالتنشئة والتعليم والأعلام والأوكار المتلاعبة بالعقول والضمائر، داعشيين باليد، أو باللسان، أو بالقلب، وصار كل عربي ومسلم قاتلاً او مقتولاً بالفعل أو بالقوة.
لِمَ تكثر المدارس الخاصة ويزداد عدد تلاميذها؟ ليس لأن التعليم فيها أفضل من التعليم في المدارس العامة فقط، بل لأن الواعين والقادرين من الاهلين يريدون إنقاذ أطفالهم من جو المناهج الرسمية والخفية والكتب المقررة. ولضمان ذلك يختارون المنهاج الأجنبي. ومع أنني انتقدت أكثر من مرة هذا الوضع، وطالبت بتماثل التعليم بين أبناء الوطن وبناته في مرحلة التعليم الأساسي على الأقل، إلا أنني صرت أجد للأهلين عذراً في هذا الانتقال، وبخاصة بعدما أصرت الوزارة، أو على الأصح مجلس التربية والتعليم، على تأليف الكتب المدرسية الجديدة بالعقلية أو العملية نفسها. ومما يؤكد صحة ادعائي هذا، إرسال معظم العاملين في وزارة التربية والتعليم أبناءهم وبناتهم إلى المدارس الخاصة. إن مداخلتَي الأستاذ والعميد المحترمين، أشبه بالجدل البيزنطي، لأنهما لم تأتيا بجديد. لقد كان الجدل البيزنطي محتدماً والقسطنطينية محاصرة وتسقط.
الا ترون كيف وصلنا بهذا التعليم إلى قاع البئر؟ الا ترون البلاد العربية تضيع به تباعاً؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لهما ولي إن أخطأت.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام جواهر (Sami)

    الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    كلام مبدع و وافي... ظللت اقول اننا كنا نتعلم الكراهية في مدارسنا كل يوم...و لو اردت ان اذكر لك امثلة تعرضنا لها لاحتجت لبضع صفحات..
    نحن الان بانتظار علامات الساعة الكبرى و نزول المهدي حتى نحرر فلسطين. فلا داعي لان نهدر فلوسنا على العلوم الدنيويه لتطوير انفسنا.
  • »رائع كعادتك (منذر)

    الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    انت تتكلم بلسان الكثير منا... نعم للتغير.. اليس هنالك دليل اسطع مما الت اليه حال الامة لندلل على حاجتنا للتغير...
  • »كفى جلدا للذات؟؟؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    بداية استاذ عايش يجب ان تفرّق مابين اعداد الفرد وفق استعداده العقلي وتراكمات المعرفة المكتسبة قبل بداية مرحلة التعليم المدرسي وما وصل به الغير من علوم ؟؟ حتى ينبلج لك الطريق الأسهل ل ايلاج المعلومة من خلال توائم المستجد مع ماهو قائم والأخذ بعين الإعتبار بناء الذات من خلال صهر هذا وذاك وليس عن طريق التعليب والتغليف لمكون الغير "حتى يكون المنتج صناعة وطنية" يغطي حوجتها وتشارك به الحضارات الأخرى" وهذا ما استفادت منه الحضارات الأخرى من الحضارة الإسلامية علوما وتربية وفلسفة والخ.. وقبل ان تعلّم اطفالنا السباحة في بحر العولمة ولاادري اي منها تريد حسب تصنيفاتك السابقة عبر مقالك في هذة الصحيفة (الغد الغراء) يجب اعدادهم نحواستقلال الذات اولا حتى يكون قادرين على استخلاص ما يفيدهم ويخدم مجتمعاتهم ودون ذلك" صراع المعايير "المؤدي للصراع وتوالد العنف " الذي وصمت تعليمنا وعقيدتنا" وكانك تقول "داويها بالتي هي الداء" (اللهم لاتزغ قلوبنا بعد ان هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب)