صناع الموت.. وعشاق الحياة

تم نشره في الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:03 صباحاً

الهجوم الذي أفاق الباريسيون والعالم على وقع آثاره بالأمس ليس حدثا إرهابيا كالحوادث التي جرت في أوقات سابقة، وليس هجوما متعدد الأهداف كالتي حصلت في أماكن أخرى من العالم، بل هو أكثر من ذلك بكثير وربما أنه الأبلغ أثرا والأوسع تاثيرا والأكثر تخطيطا ورمزية بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001.
فهو متعدد الأهداف واسع النطاق ومحكم التخطيط ومتزامن التنفيذ، فقد أصاب ستة أهداف وترك أكثر من 153 قتيلا ومئات الجرحى وروّع أهالي المدينة الأكثر هدوءا وسلاما وأصاب أهدافا ترمز للفن والرياضة والثقافة وحرية التعبير ونمط الحياة الفرنسية وأحدث صدمة نفسية وعقلية سيظل الباريسيون والعالم يعانون من آثارها وتداعياتها لسنوات وعقود، وأفصح عن فجوة عميقة بين ثقافتين تقدّر إحداهما الحياة وتحتفل بمظاهرها وتنحاز الأخرى الى الموت فتحترف صناعته وتفرض شروطه على الآخرين وتقتاد أفرادها له بكل الوسائل والأدوات.
الكثير من المحققين والمحللين منشغلون بتحديد الفاعلين وهويتهم وخططهم والوقت الذي استغرقه التخطيط والجهات التي سهّلت التنفيذ، وكل الذين مكّنوا الفاعلين من أن ينفذوا مخططهم أو لم يقوموا بواجبهم للحيلولة دون وقوع ما وقع. والعديد من الساسة يتجاهلون أن المشكلة اليوم تكمن في تنامي ثقافة جديدة تعادي الحياة وتحتفل بالموت فتوجه هجومها إلى كل ما يرمز إلى الحرية والحياة والفرح فتسارع إلى اغتياله.
الأفعال الإرهابية التي ارتكبت في الماضي وفي باريس مساء الجمعة وكل ما سيرتكب من أفعال في المستقبل،يجري التهيئة لها تجنيدا وتدريبا وتعليما فتزرع في نفوس مرتكبيها الدوافع وتعطى لهم المبررات ويجري إكسابهم المهارات والتكتيكات التي تمكنهم من التنفيذ. والأسئلة التي علينا طرحها على أنفسنا وفي مجتمعاتنا قبل كل شيء تتعلق بالعوامل التي تدفع بالشباب إلى الالتحاق بهذه المجموعات والدوافع التي يستخدمها الشيوخ والمدربون لنزع الرحمة والإنسانية من قلوبهم والعقيدة التي يستخدمونها لتبرير القتل والترويع والدمار والأسباب والمبررات التي يتخذونها لتجعل من مظاهر الحياة والفرح والتعبير أهدافا أولية للإرهاب والقتل والتدمير.
الاستمرار في تعريف الإرهاب والإرهابيين على أنهم أهداف عسكرية يمكن رجمها بالطائرات والمدفعية تعريف قاصر ولا يؤدي الغرض، وملاحقة الشباب الذين يعبرون هنا أو هناك بسوقهم إلى المحاكم وإصدار أحكام بحقهم إجراء لا يكفي لاستئصال الدوافع بل قد يصعّدها. فالمطلوب منا جميعا أن نراجع واقعنا التربوي والإداري والسياسي والثقافي في محاولة للتعرف على عوامل الإقصاء والتهميش وتوجيه برامج الإصلاح نحو المزيد من المشاركة وإتاحة الفرص وتجاوز إجراءات التمييز ومأسسة المُساءلة وتنقية المناهج من المدخلات التي تقلل من قيمة الحياة وتعظم الموت وتكفر الآخر.
العملية التي شاركت فيها أعداد كبيرة من صناع الموت واستخدم فيها تكتيك الهجمات الانتحارية والأسلحة الرشاشة في أماكن عامة في مطلع عطلة نهاية الاسبوع تثيرالكثير من التساؤلات حول المستوى الاستعراضي الذي وصلت إليه القوى المعادية للحياة في صناعة الموت والترويع للآمنين ولفت نظر الساسة والإعلاميين والتقنيات التي يمتلكونها والقدرة على تضليل الأجهزة الاستخبارية واختيار أهدافها بعناية وتنفيذها حسب ترتيب زمني فيه الكثير من الاستعراض للقوة والخبرة والقدرة على التخطيط والتنفيذ.
الاسئلة التي تثيرها الاعتداءات على قاعة الباتكلان والاستاد الرياضي ومقاهي الدائرتين العاشرة والحادية عشرة في شارعين من الشوارع الباريسية التي تحمل رمزية عالية، أسئلة عميقة تدعو الجميع إلى التعامل معها ومراجعة الاستراتيجيات التي تقيم الارهاب والتطرف وتحدد اوجه التعامل معه.
فمن ناحية تشير الأحداث التي ضربت مدينة الثورة والحرية والأضواء إلى أن لا أحد في مأمن من أخطار الإرهاب والتطرف وإلى امتلاك بعض الجماعات للقدرة على التخطيط والتدريب والتنفيذ لأعمالها متجاوزين أجهزة الرقابة والحدود والإجراءات التي يظن البعض أنها كافية للحماية. في عالمنا اليوم وصل البعض إلى مستوى من اليأس والغضب والرغبة في الانتقام والاستهتار بالحياة وتفرغ بعض التنظيمات لاستقطاب الشباب اليائس أو الغاضب ونزع كل مشاعر الحب والتعاطف والرحمة من قلوبهم واستبدالها بالكراهية والغضب والانتقام.
الشباب الذين يقبلون على الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية هم الموضوع الأهم والأولى بالبحث للتعرف على دوافعهم وخصائصهم وأفكارهم ورؤيتهم وبيئاتهم والعوامل التي تدفع بهم للتطرف ومعاداة مجتمعاتهم والإنسانية.
   فهل تتسع استراتيجياتنا لتشمل هذه العناصر أم نكتفي بتكثيف طلعاتنا الجوية؟

التعليق