إحدى وعشرون زهرة

تم نشره في الأحد 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً

* صديقي عاطف
كما لو أنني أبحث في البهاء..
وكساحرين منسدلين على راحتيهما، وشمعتين تتوقدان في نهر الغياب، أنت هنا، أعرف، حين كنا معا نقيس المسافة بين جبل اللويبدة وجبل الجوفة، كنت تزعم أن الضوء هو من يحقق العتمة ويحقق النهار بينهما، وكنت ازعم ان لا فرق بين البعد والقرب.
كانت القتامة تحدق فينا من كل صوب، كأنها تسجننا في وتيرة جنوحها.
الى اين سنمضي؟
تلك ايام أسود من قرن الخروب، وساعات لا تفصل بين الخوف من ايامنا المقبلة، وأيامنا التي تركض مثل غزال مجروح في برية، لا ماء فيها ولا زرع، وعلينا أن ننجو.
قبل أيام قرأت ما كتبته عن الغياب.. عن عذاباتك التي لا تريد أن تنتهي، عن مفاضلتك بين أن تصمت، وأن تعود عن صمتك، عن غيابك المزمن وراء القهر، عن ظلمة ماحقة تجر خيبتها الى رعشة الضوء، ستكتب قلت لي، ستعود الى الشعر، وعليك أن تنبه الطيور والأكمات الى انك مسلح بعجينة الخوف من هذه العودة التي لا يرين سطحها.
ستكتب ..
فرحت لأن غائبا عاد، ولأن المدينة التي نحب جبالها السبعة، وتمطر تحولات مجنونة، حملتك على أن تغادرها، وان تبحث عن مفتاح بيت آخر في مكان آخر، وأن لا تتروى في الخوف منها وعليها.
ستكتب.. ستعود الى قفصك الصدري، ممتلئا بعنتك الجميل، وتوقك للاندفاع في مكيدة الذهول أمام الكلمات وهي تتفحص كينونتها على ورقك، ومثل طوق من الياسمين، ستعلق في رقبتك إثمك من جديد.
ولتحيا الكلمات بين اصابعك..
الكتابة هي وطننا الذي لا يبرحنا، حتى ونحن نخلع قبعاتنا في امكنة اخرى، والكتابة هي زمننا الذي لا نخلو لانفسنا إلا وهو معنا، إنها فرس رهان لا نستخدمه، حتى ونحن نتعثر بحجارة الغياب.
عاطف ..
لا تتردد، فقلما نجد في الصفو ساعة، تمنحنا هذه المحنة الجليلة، وتعيد الينا ذلك التقلب في فراش القلق، وتمنحنا زهو القيامة من جديد، وترتب أهواءنا، لتطلق إحدى وعشرين حمامة في السماء لاستقبال أصابعنا وهي تنقر أسماء العصافير والنباتات البرية والحجارة الكريمة على الورق.
• رسالة الى الصديق عاطف علي الفراية قبل رحيله بسنوات، حدثني عن نضوب الكتابة عبر الهاتف، فكتبت له هذه الرسالة حينها.

التعليق