فريهان سطعان الحسن

وثائق فرح منسية..

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

في جلسة عائلية حميمة، طلبت من أولادها وأحفادها أن يضعوا أجهزتهم الذكية جانبا لبعض الوقت، فيتحرروا منها قليلا، ويكونون معها بجميع حواسهم.
أخرجت ألبومات الصور الموضوعة قريباً منها، وبدا مرور عمر طويل عليها. ابتسمت لهم وطلبت أن يجتمعوا حولها لتعيدهم قليلاً إلى الماضي الجميل للعائلة أجمع، عبر صور ما نال قدمها من جمالها وحتى اتقاد روحها.
صور مرت عليها عشرات السنين، حتى إن بعضها تجاوز في عمره نصف قرن كامل، تختبئ كاللؤلؤ في صدفه، لكنها هنا ألبومات قديمة، فتحكي جمال قصص لا تقدر بثمن أيضا.
صورة تلو الأخرى. ألوان بعضها بهت، وعلمت عليها خطوط الزمن. لكنها تحكي عن حياة مليئة بالفرح والعفوية واللحظات الحقيقية، وتروي كيف كانت الابتسامة تخرج من القلب.
حول الأم، التف أبناؤها وأحفادهم، تجمعهم في هذه اللحظات أيضا فرح ودهشة واستغراب. يتسابقون إلى الإمساك بالصور، ويذهبون إلى عوالم أخرى تحملهم إليها صور يشاهدونها لأول مرة.
مشاعرهم كانت مختلفة حتماً، وقد عمّ الصمت للحظات، وهم ينظرون إلى بساطة حياة فيها من الفرح الكثير، ومن الحزن القليل. أحدهم كان يأخذ دقائق طويلة وهو ينظر لصورة أعادته إلى أجمل الأيام، بأحلى تفاصيل.
في زمن تسيطر فيه الصورة الرقمية، ونسيان سريع وآني لملامحها، ازداد تعلقهم بالصور المحسوسة بأوراقها، وحتى بما حفظته من مشاعر فيها. يمسكونها بأيديهم، ويغوصون في جمالها وروحها، لتكون مبعثا لذكريات ربما يصعب أن تعود من جديد.
نثرت الأم بقية الصور، وعاد شعورهم يتجدد؛ يتذكرون لحظات لا تنسى. وأحسوا كم غيرتهم السنين، وقذفت بهم إلى حدود بعيدة، عندما عادوا إلى الماضي بتفاصيل غابت عن الذاكرة.
الآباء يحتضنون أطفالهم الذين ينظرون بشغف كيف كان آباؤهم وجديهم وهم بأعمار صغيرة، من خلال صور لا تشبه التي ألفوها في زمنهم الآن.
قيمة كبيرة تحملها الصور الورقية القديمة. البيوت فيها كانت تمتلئ بالبهجة، والشوارع تكتسي بالجمال، بل وتشعر من خلالها أن النفوس كانت طيبة نقية، والفرح لا يحتاج لكلفة، والابتسامة غير مصطنعة. واللحظة عفوية.
الصور لم تكن تلتقط بهدف مشاركتها فقط على مواقع التواصل الاجتماعي كما هي حال مئات صور “الديجتال” التي تلتقط اليوم، وتختفي كسرعة البرق من الذاكرة.. بل كانت تلك الصور نقشاً لذكرى يحتفظ بها الشخص مدى الحياة، ويتذكرها حينما يكبر، ويشاهدها أبناؤه وأحفاده.
اليوم، نتسمر أمام كاميرات هواتفنا، نلتقط عشرات الصور، علنا نختار واحدة تعجبنا وتصلح للنشر. فيما مضى، كانت صورة واحدة عفوية، كافية بصدقها لأن تكون في برواز، أو أن نحتفظ بها في ألبومنا.
كم وثقت تلك الصور مناسبات عشنا وعايشناها! وكم نفتقد الآن أشخاصا زينوها ورسموا الحب على محيانا، حتى بعد أن رحلوا عنّا، إذ أعطتنا الفرصة لكي نستعيد ذكريات عرفنا السعادة خلالها برفقتهم.
لعلنا حين نعود إلى ألبوماتنا لا نفتقد صورنا القديمة فقط.. بل كل ما يربطنا بالماضي الجميل الذي لا يشبه حاضرنا القاسي.
الأم وأبناؤها وأحفادها، عاشوا تلك الليلة لحظات ربما لن تنسى بسهولة أيضا، وقد عادت بهم إلى أجمل الأوقات وأصدقها. ولربما نفروا، ولو لبعض الوقت، من زمن إلكتروني سرق منهم لحظات لن تعوضها ملايين الصور التي يلتقطوها الآن!
أرجعت الأم ألبومات الصور إلى مكانها.. نظرت إليهم وقالت: يا أولادي وثقوا لحظاتكم بصدق.. ابتسموا من قلبكم.. عودوا إلى ما كنتم عليه في السابق من براءة وعفوية!
فعلاً، أجمل اللحظات والذكريات وأصدقها.. تستدعي أيضا أجمل النصائح وأصدقها.

التعليق