اعترافات جاسوس من "داعش" الجزء الثالث: داخل كتائب التعذيب في "الدولة الإسلامية"

تم نشره في الثلاثاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • الجاسوسية مكون وجودي لتنظيم "داعش" - (أرشيفية)
  • دورية لجهاز "الحسبة" الذي يراقب الأعمال التجارية في مناطق "داعش" - (أرشيفية)

مايكل فايس* - (ديلي بيست) 17/11/2015

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

التحدث إلى الفتيات. الكذب في المحكمة. شرب كأس من البيرة. ألف شيء سيجلب عليك العذاب في مناطق "الدولة الإسلامية". إلا إذا كنت مشتبهاً بأنك جاسوس للسي آي إيه. عندئذٍ ستفقد رأسك.
مع كل الانتباه الذي يتجه إلى تنظيم "داعش" الآن، ثمة القليل نسبياً مما هو معروف عن أعماله الداخلية. لكن رجلاً يزعم أنه كان عضواً في أجهزة أمن ما تدعى "الدولة الإسلامية"، تقدم ليعرض هذه الرؤية الداخلية. وترتكز هذه السلسلة على أيام من المقابلات التي أجريتها مع جاسوس "داعش".
*   *   *
وزارات الخوف
إسطنبول، تركيا – "لديهم قفص في تلك الساحة"، قال أبو خالد، واصفاً المكان الذي تُنفذ فيه عدالة "داعش" في بلدة الباب، البلدة السورية التي عمل فيها –حتى وقت قريب- مع مؤسسة أمن الدولة فيما يدعى "الدولة الإسلامية". وهذا هو نفس المكان حيث تُنفذ عمليات قطع الرؤوس من حين لآخر. لكن القفص موجود هناك دائماً، وهناك دائماً تقريباً أحد ما داخله.
"إنهم يضعون الناس فيه لثلاثة أيام. ويقولون للناس لماذا هم هناك"، قال لي الرجل الذي سندعوه "أبو خالد" في واحد من لقاءاتنا التي جرت على مدى ثلاثة أيام في إسطنبول التركية في الشهر الماضي. "ذات مرة، ذهب رجل إلى المحكمة كشاهد وكذب. وضعوه في القفص لثلاثة أيام. وكان شخص آخر يتسكع مع فتيات؛ لم يكنّ من أقاربه ولا زوجات. أمضى في القفص ثلاثة أيام. على تدخين السجائر، تُمضي شيئاً مثل يوم واحد، يومين، ثلاثة أيام. الأمر يعتمد".
كان أبو خالد يصف مكاناً كنت قد زرته من قبل. كان ذلك في بلدة الباب خلال شهر رمضان في العام 2012، في الأيام المبكرة نسبياً من الثورة ضد نظام الأسد، عندما كانت البلدة ما تزال تحت سيطرة قوات الثوار المحليين. هناك رأيت كيف يصبح هذا الميدان نفسه نابضاً بالحياة في الليل عندما يحول الناشطون، والثوار والمدنيون المحليون أنفسهم إلى فرق للتنظيف –كناسي الشارع السوري الحر- حيث يلتقطون المخلفات والأنقاض التي يخلفها قصف النظام، أو يشغِّلون المستشفى الميداني في قبو الجامع المحلي، لأن المستشفى الحقيقي في الباب استُهدف وتضرر بشدة من الجيش السوري.
بل كان هناك حتى مقهى ليلي في تلك الأيام، حيث تستطيع مشاهدة محطات الأخبار العالمية، وتشرب شيئاً، وتدخن الشيشة، وتتحدث بلا انتهاء عن كل شيء وأي شيء دون خوف من احتمال أن تتنصت مخابرات الأسد عليك. كل ذلك ذهب الآن، كما أكد أبو خالد لي. المقهى أُغلق. ولم يعد أحد يخرج في الليل لأن "داعش" فرض حظراً إجبارياً على التجول. ويترتب على المحليين أن يقلقوا من أي شيء يقولونه، ولمَن يقولونه.
كما هو بشار الأسد وصدام حسين، كذلك هو حال أبو بكر البغدادي. "داعش" مصاب تماماً بالرهاب من الاختراق، وتقوم حملة اعتقالاته الجامحة للقبض على الطابور الخامس والعملاء الأجانب على التحرك الاستباقي أكثر مما تقوم على الكشف. يجب إدامة الخوف لإبعاد الناس كثيراً جداً عن التفكير في شيء مثل المقاومة. وفي هذه الحمى، يقوم "داعش" على نحو حتمي بالتهام شيء من ذاته. قال أبو خالد: "ذات مرة، قطعوا رأس رجل كويتي قالوا إنه يعمل مع جهاز (إم. آي-6). وكتبوا على جثته أنه كان جاسوساً بريطانياً –كان رئيس الأَمنيّات في الباب".
سحب أبو خالد، جامد التقاطيع، نفساً طويلاً من سيجارته المارلبورو وأخذ رشفة من الشاي في المقهى الإسطنبولي حيث كنا نتحدث.
يقول المنشق عن "داعش" أن الرهاب الذي يغمر التنظيم قائم على أسس سليمة. إن "داعش"، كما يعتقد، محاط حتماً بالجواسيس والمخبرين من جميع الاتجاهات. ويقول أن روسياً في الرقة وُجد أنه يعمل مع أجهزة فلاديمير بوتين. "كان لديهم شريط فيديو. اعترف بذلك. لا أعرف إذا كان ذلك تحت الضغط، لكنه اعترف". وهناك رجل آخر، فلسطيني، اتهموه بالعمل مع الموساد. وكلاهما أُعدم.
سرد أبو خالد جرائم الخيانة العليا في "الدولة": "العمل مع الجيش السوري الحر" (الذي يزعم أنه يتكون من مجموعة من جماعات الثوار المعتدلين)، وهذا عقوبته الإعدام. العمل مع المخابرات، السي آي إيه، أو مع الأجانب –العقوبة هي الإعدام".
لم يكن هناك مثال واحد بارز بشكل خاص على ذلك في ذهنه. "ذات مرة، أعدموا شخصاً، كان يلقي cardsSIM حول الأماكن التي يحتفظ فيها "داعش" بأجهزته الحكومية". cardsSIM؟ استمر أبو خالد بتسميتها كذلك. ثم سرعان ما تبين أنه كان يشير إلى أجهزة التعقب –ربما تعمل على أساس أجهزة تحديد الموقع الجغرافي GPS، وربما تكون رقائق لتحديد الهوية باستخدام موجات الراديو، والتي ترسل إشارات يمكن أن تلتقطها طائرات التحالف المقاتلة وطائراته من دون طيار. "كانت هذه من أجل أن تتمكن طائرات التحالف من تحديد الأهداف"، قال أبو خالد. "اعتقلوا الشخص. قطعوا رأسه وتركوا رأسه وجسده ليتعفنا في الساحة ثلاثة أيام. كان رأسه موضوعاً على عصا".
***
يستخدم "داعش"، مثله مثل الممالك والدكتاتوريات الدينية الأخرى، شرطة الأخلاق للمحافظة على أعراف الشريعة. وهم يُسمون: الحسبة.
لا يعجبك الخبز في مطعمك المحلي؟ اتصل بالحسبة. تعتقد أن المكان غير صحي ويعج بالهوام؟ اتصل بالحسبة. "إنهم شديدون. إذا وجدوا أن مطعمك غير نظيف، فإنهم سيغلقونه 15 يوماً حتى تمتثل".
ما تستهلكه في الخلافة هو شيء منظم إلى حد كبير بطبيعة الحال. الكحول حرام، وإذا وجدوا أنك تشرب، فإن من المرجح أن تتلقى 80 جلدة في الساحة الرئيسية في الباب، كعقاب.
الحسبة، "يتجولون بالسيارة في كافة الأنحاء ويتفقدون ما يفعله الجميع"، قال أبو خالد. "في الباب، هناك نحو 15 إلى 20 منهم. ليسوا كثراً، لكنك تراهم في كل مكان. لديهم حافلة صغيرة بمكبر صوت، وهم يصرخون: ‘وقت الصلاة! اذهبوا إلى المسجد! أسرعوا! أغلقوا محلاتكم. أنتِ يا امرأة، غطي وجهَك!’".
"النساء يعشن مع الخوف في الباب"، قال أبو خالد. "إنك ترى امرأة تسير في الشارع، وفي بعض الأحيان لا تستطيع أن ترى  الطريق في الليل بسبب النقاب. من الصعب جداً أن ترى عبر النقاب في النهار، وأقل كثيراً في الظلام. ثم تسمع صوتاً يصرخ: غطي رأسك! اذهبي إلى البيت!".
لكن "داعش" لا يستطيع الاعتماد تماماً على الخوف ليتمكن من الحكم، وعليه أن يجلب متطوعين جدداً كل الوقت، ولذلك يشكل التلقين العقائدي جزءا رئيسياً من برنامجه. إنه يقبل المتطوعين من الجيش السوري الحر المكروه جداً، ومن الميليشيات الإسلامية المختلفة، أو جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سورية الذي انفصل عنه "داعش" في العام 2014. لكنه يجعل الحاجز أمام الدخول عالياً جداً ويحدد للقادمين خياراتهم أو مهماتهم. على الشخص الذي ينضم بعد أن يكون قد خدم في جماعة منافسة أن يذهب إلى معسكر لإعادة التأهيل يشبه معسكرات ماو تسي تونغ لمدة ثلاثة أشهر، وأن "يتوب". وهناك قيود تظل مدى الحياة على ما يمكنك أن تفعله منذ ذلك الحين وصاعداً، وأين يمكنك أن تذهب.
"لا يمكنك أن تبقى في مدينتك الأصلية أو أن تعود إلى إليها. دعنا نقل إنني من بلدة الباب وكنت مع الجيش السوري الحر. والآن أريد أن أنضم إلى داعش. حسناً، علي أن أذهب إلى المعسكر لثلاثة أشهر، ثم سيرسلوني بعد الثلاثة أشهر إلى مكان ما لسنة واحدة، وليس لدي الحق في العودة إلى الباب".
ولأن الخلافة تريد أن تخلق أجيالاً مستقبلية من الجلادين الراغبين، فإنها تتعامل بعناية مع مسألة تثقيف الشباب أيضاً.
تمت دعوة المدرسين السابقين في سورية للعودة إلى تدريس الطلبة في المدن التي يسيطر عليها "داعش"، لكن عليهم أولاً أخذ دروس لثلاثة أشهر والتوبة، لأنهم كانوا قد عملوا مع النظام. والتعليم المنزلي حرام لأنه يجعل السيطرة على المنهاج غير ممكنة. وكان أبو خالد يعرف أستاذاً للإنجليزية أُلقي القبض عليه لتدريسه الطلبة في منزله.
كما أن هناك أيضاً امتيازات وإعفاءات واضحة لأولئك الذين يتمتعون ببعض السلطة في "الدولة"، مخابرات "الدولة الإسلامية".
كان أبو خالد، مثل أعضاء "داعش" الآخرين، يتلقى أجراً قدره 100 دولار في الشهر، من أوراق النقد الأميركية الخضراء وليس الليرة السورية، مع أن الأخيرة هي العملة في عالم بلدة الباب. وتوجد محلات لتصريف العملات في المدينة، حيث يستطيع موظفو داعش أخذ رواتبهم لتحويلها، ولو أنهم نادراً ما يحتاجون إلى ذلك، نظراً لكثرة الأشياء المجانية التي تأتي مع العمل عند "داعش".
"استأجرت منزلاً، وكان داعش يدفع أجرته"، قال لي أبو خالد. "أجرته 50 دولاراً في الشهر. كانوا يدفعون للمنزل، والكهرباء. وبالإضافة إلى ذلك، كنت متزوجاً، ولذلك حصلت على 50 دولاراً إضافية في الشهر لزوجتي. وإذا كان لديك أولاد، فإنك تحصل على 35 دولاراً لكل واحد منهم. وإذا كان لديك والدان، فإنك تأخذ 50 دولاراً عن كل منهما. هذه دولة رفاه".
"هذا هو السبب في أن الكثير من الناس ينضمون"، قال أبو خالد، "عرفت عامل بناء يعمل في الإنشاءات. كان يحصل على 1.000 ليرة في اليوم. وهذا لا شيء. الآن انضم إلى "داعش"، وهو يحصل على 35.000 ليرة -100 دولار لنفسه، و50 دولاراً لزوجته، و35 لكل من أولاده. وهو يكسب من 600 إلى 700 دولار في الشهر. وبعد ذلك ترك عمل البناء. وهو مقاتل فقط الآن، لكنه انضم من أجل الدخل".
يحب "داعش" بناء دولة مرتبة ويحافظ على احترام لديوان الخدمات، الذي شبهه أبو خالد بـ"قاعة المدينة". هنا، أيضاً، تبدو البيروقراطية مثيرة للإعجاب. ويتضمن ديوان الخدمات دائرة للصرف الصحي، ودائرة للحدائق العامة، وأخرى لترخيص السيارات، ووحدة للطاقة الكهربائية. كما أنه يدير أيضاً دائرة للزراعة من أجل فلاحة الأرض الزراعية التي إما اشتراها "داعش" أو -كما هو الحال أغلب الحالات- صادرها من أعداء الدولة.
أي شخص مطلوب لـ"داعش" يفر من مناطقه، تتم مصادرة كل ممتلكاته وأصوله. "الأرض، المحلات، كل شيء. البناية التي كنت أسكن فيها في الباب كانت تعود لشخص اتهموه بالعمل مع النظام"، قال لي أبو خالد. "وهكذا صادروا البناية كلها. جاؤوا بمذكرة إخلاء لكل شخص يسكن هناك. لديك 24 ساعة لتغادر البناية، قالت المذكرة".
كل الأعمال التجارية يجب أن تدفع الضرائب –هناك عملية جمع كل شهر، تنسقه "الجباية"، وهي بمثابة "جهاز العوائد الداخلية" لـ"داعش"، والتي سيكون من الغباء محاولة تجنبها أو خداعها. وتقوم "الحسبة" أيضاً بدوريات مثل جماعة مكافحة الغوغاء للتدقيق على كل الأعمال المحلية والتأكد من أن التجار يتقاضون الأسعار المناسبة عن السلع والخدمات، والاحتفاظ بدفاتر محاسبية دقيقة. "عليك أن تدفع نسبة، مثل 2.5 في المائة عن مبيعاتك الإجمالية لداعش". هل تأخذ الحسبة زبدة الربح؟ "نعم"، قال أبو خالد.
يتقاضى "داعش" رسوماً بأي معدلات يختارها عن الكهرباء النادرة. "وعليك أن تدفع لقاء المياه. عليك أن تدفع للمدينة. للتنظيف، وجمع القمامة. وكذلك، عليك أن تدفع ضريبة عندما تجلب أي شيء من خارج مناطق الدولة الإسلامية. الخضار أو الفواكه –أي شيء من تركيا أو مناطق الجيش السوري الحر، عليك أن تدفع عنه ضريبة". كما يفرض "داعش" غرامات أيضاً على كل أشكال المخالفات المدنية، خاصة تدخين السجائر أو التهريب.
هذا الموضوع الأخير ساخن بالنسبة لأبو خالد، المدخن المتسلسل الشره بطريقة ميؤوس منها، لكنه يعترف بأن هذه الغرامات تشكل مصدر دخل هائل للخلافة. السجائر ممنوعة لأنها تضر بالجسم، مثل الكحول. ومع ذلك، ولأن كل سوري تقريباً يريد أن يدخن، يدرك "داعش" أنه يستطيع أن يجني أرباحاً غير متوقعة من غرامات الممنوعات التي لا مفر منها. "جاء سعودي لرؤية جاري"، قال أبو خالد. "طرق على باب جاري ثم على بابي. كان لديّ معطر هواء لإخفاء رائجة السجائر. سأل، أين جارك؟ قلت، لا أعرف. وعندئذٍ قال: ’ديك شيء طيب الرائحة في منزلك. يا رجل، أعرف أن لديك سجائر –أرجوك، هل أستطيع أن أدخل وأدخن سيجارة؟".
يلتقي الغموض في النص الديني بالبراغماتية الاقتصادية في جميع مكونات إدارة "داعش". في التعامل مع الآثار، على سبيل المثال، تعود الكثير منها في سورية والعراق إلى أيام الأنبياء التوراتيين، ويعلن "داعش" أن أي فن صُنع قبل الإسلام، والذي كان "يُعبد" ذات مرة، يفترض أن يُفرد للتدمير، في حين أن كل شيء آخر –مثل العملات البابلية أو الرومانية- صالحة للبيع في السوق السوداء الدولية التي لا تفتقر إلى المشترين المتحمسين. لا شك أن ذلك يساعد منطق داعش الأركيولوجي الذي يقول إن التحف الأصغر تميل إلى أن تكون وثنية، وفي الممارسة، تكون المعالم أو التماثيل الضخمة التي لا يمكن نقلها بهدوء إلى الخارج، إلى تركيا أو كردستان العراقية، هي التي يتم استهدافها بالتدمير.
يجب تقديم الكثير من التنازلات والطرق المختصرة من أجل إبقاء "الدولة" تعيش في ترف. وعرض أبو خالد مثالين مهمين على مقايضات "داعش" مع أعدائه المعلنين، وابتزازه.
يشكل النفط، بطبيعة الحال، مصدراً كبيراً للعوائد. ويسيطر "داعش" على كل حقول النفط الشرقية في سورية، جاعلاً منها مزود طاقة رئيسي للبلد وطريقة لابتزاز المال بالوقود. ومعبر باب السلامة، الذي أصبح الآن طريق "داعش" الوحيد للدخول إلى شمال سورية، مسؤول عن تغذية الخلافة بأكملها، من حلب وحتى الفلوجة. "وهكذا، لك أن تتخيل كم شاحنة تعبره كل يوم"، قال أبو خالد.
مع ذلك، يسيطر على معبر باب السلامة في الجانب السوري ثوار من غير "داعش"، وبطبيعة الحال، تسيطر الحكومة في أنقرة على جانب المعبر التركي. لماذا لا يستطيع أيهما ببساطة أن يغلق المعبر ويحرم "داعش" من سيل عوائده؟
"لأنه ليس هناك خيار. داعش لديه الديزل، النفط. وفي المرة الأخيرة، قبل فترة قصيرة من شهر رمضان، أغلق الثوار معبر داعش". وردَّ "داعش" بإغلاق الصنبور. "سعر البترول في سورية ارتفع. توقفت المخابز عن العمل لأنه لم يكن هناك ديزل. والسيارات، المشافي وكل شيء توقف".
هناك تأثير جانبي لتهريب "داعش" على الطاقة. ويقول أبو خالد أن كل شيء في سورية يعمل الآن على مولدات الكهرباء. "لدي مولد ضخم. أستطيع أن أضيء به منطقة صغيرة، والناس يدفعون لي ثمن الطاقة". ولأنه يستطيع أن يشتري وقود الديزل بأسعار مخفضة بفضل عضويته في "داعش" –سدس الكلفة على المدنيين- أصبح أبو خالد بارون طاقة صغير بسبب سلطته وما لديه.
يقوم "داعش" أيضاً، كما هو معروف، بإعادة بيع نفط الأسد له. "في حلب، تتوفر الكهرباء للناس ربما لثلاث أو أربع ساعات في اليوم. وتقع محطة الكهرباء في عصفرة، المنطقة التي يسيطر عليها "داعش"، بالقرب من مطار كويرس. وهكذا، يدفع النظام ثمن الوقود لتشغيل محطة التوليد. كما يدفع أيضاً رواتب العاملين لأنهم متخصصون ولا يمكن استبدالهم. ويأخذ "داعش" 52 % من الكهرباء ويأخذ النظام 48 %. هذه هي الصفقة التي لديهم مع الأسد".
مع كل وسائله لإثراء نفسه، لم ينس "داعش" شأن المواطن الصغير. أنشأ شبكة أمان اجتماعي لمحكوميه في دولة رفاهه، وذلك مكون محوري في قانون الرعاية المتاحة الذي وضعه البغدادي نفسه.
لأعضاء "داعش" الحق في الرعاية الصحية المجانية والعلاجات، ويستطيع أي شخص يعيش في الخلافة أن يتقدم للحصول على الرعاية الصحية المجانية، شريطة إثبات الحاجة إلى ذلك. "يمكنك أن تذهب إلى الطبيب أو المستشفى دون أن تدفع النقود"، قال أبو خالد. "وإذا لم تتمكن من الذهاب إلى الطبيب أو المستشفى في أراضي الدولة الإسلامية، وإذا كان عليك أن تذهب إلى الخارج، فإنهم يدفعون لك. مهما يكن المبلغ. إذا كان لديك سرطان وتحتاج إلى علاج كمياوي في تركيا، فإنهم سيدفعون لك عن كل شيء، بما في ذلك فندقك. حتى لو كلف ذلك عشرات آلاف الدولارات".
الأطباء في بلدة الباب يشتكون بالكاد من أي خسارة لأن الطب هناك واحدة من أكثر المهن دخلاً في "الدولة". ويُدفع للأطباء بين 4.000 و5.000 دولار في الشهر حتى لا يفروا إلى تركيا.
لهذه الأسباب، كما قال أبو خالد، تشكل سورية "جهاد خمس نجوم" مقارنة بالعراق على الأقل. "هناك لا يوجد شيء. ولكن، تعال إلى الباب، هناك المقاهي، وهناك أشياء جميلة. يمكنك أن تعيش حياة محترمة".
وإذن، لماذا يريد هو –أو أي أحد آخر إذا كان ذلك مهما- أن يغادر "الدولة"؟ أجب أبو خالد: "بسبب ما رأيته في المزرعة".
***
"أعرف شخصاً ما، لديه مزرعة. وكل يوم، كل نهاية أسبوع عندما يذهب إلى المزرعة، كان يجد جثثاً مدفونة تحت الأرض. كان هؤلاء أناساً قُتلوا ودفن داعش جثثهم في مزرعته". وكلما حرث المزارع الأرض أكثر، وكما لو أنه في "فيردون" (1) حلبية، زاد عدد الجثث التي يستخرجها. "كان المزارع يحفر، فتظهر له يد أو قدم".
ذهب أبو خالد، بناء على طلب المزارع، ليقابل أمير الباب ويشكو له من مشكلة التخلص من الجثث البشرية هناك. وقال الأمير لأبو خالد أنه سيحقق ويرد عليه في أقرب وقت. "بعد بضعة أيام، رأيت الأمير في الشارع. سألت، ماذا حدث؟ فقال، ليس نحن. لا نعرف مَن الذي يدفن هذه الجثث". هل صدَّق أبو خالد الأمير. كلا بالطبع. "لكنك لا تستطيع أن تدعو الأمير كاذباً".
بعد بضعة أيام، قال المزارع لأبو خالد أن لديه شيئاً يريد أن يريه له. قال أنه في حين كان "داعش" في السابق يحفر قبوراً ضحلة لفرائسه على الأقل، فقد أصبح الآن يلقي بالجثث فوق التراب. "في كل أنحاء المزرعة، بين أشجار الزيتون –كانت الجثث متناثرة في كل مكان".
وهكذا، عاد أبو خالد لرؤية الأمير وأخبره بأن عليه أن يأتي ويرى بنفسه. ووافق الأمير. طلب من أبو خالد أن يرافقه في سيارته –سيارته "البي أم دبليو إكس-5، على وجه الدقة- وقادها بهما إلى الضريح الزراعي.
الأمير لديه بي. أم. دبلو إكس-5؟ سألته.
"نعم"، قال أبو خالد. "قلت له، يا رجل، لديك سيارة جميلة". فأجابني: الحمد لله. الدولة الإسلامية غنية جداً".
عثر أبو خالد على الجثث فوراً. لكن الأمير ظل مصراً: قال إن "داعش" ليس مسؤولاً عن هذه الوفيات. ومع ذلك، أصبح لدى أبو خالد الآن دليل على أن ادعاء الأمير باطل. نفس الرجل الذي تم القبض عليه وقطع رأسه بسبب رمي "SIM cards" حول المواقع الاستراتيجية في الباب، من أجل ما يفترض أنه لأجل راصدي التحالف، كان واحدة من هذه الجثث. "عرفت أنه هو"، قال أبو خالد، "لأنه كان يرتدي بدلة أديداس رياضية باللونين الأبيض والأسود. أخبرت الأمير، قلت، هيا يا رجل. هذا لكم".
بعد أربع وعشرين ساعة لاحقاً، اتصل الأمير بأبو خالد وقال له، "سوف نشتري المزرعة. اسأل المزارع كم يريد ثمناً لها".

*محرر رفيع في "الديلي بيست" والمؤلف المشارك لأفضل كتب نيويورك تايمز مبيعاً "الدولة الإسلامية: من داخل جيش الرعب". وهو يحرر أيضاً "ذا إنتربرتر"، المجلة الألكترونية للترجمة والتحليلات المخصصة لشؤون روسيا وأوكرانيا.
*نشر هذا الجزء تحت عنوان: Inside ISIS’s Torture Brigades
(1)  فيردون مدينة في شمال شرق فرنسا شهدت أعنف الهجمات الألمانية في الحرب العالمية الأولى.
الجزء القادم والأخير: الهرب من الدولة الإسلامية.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق