الإرهاب وسياسة النعامة

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

سعد حتر

في سباق مع الزمن بأثر رجعي، استصدرت الدول الغربية قرارا أمميا (بموجب البند السابع) يستهدف "إضعاف" تنظيم "داعش" عبر "إجراءات تقضي بقطع مصادر التمويل عنه ومنعه من تجنيد المقاتلين الأجانب".
على أن هذا القرار جاء متأخرا عقدين، بعد أن استفحل سرطان الإرهاب في جسم الكون، وسط اتجاه من غالبية الدول، وتشجيع بعضها لهذا المارد العابر للقارات. وما لم تتحرك الدول الغربية -على رأسها أميركا- لتغليب الأخلاق على المصالح السياسية وتقاسم النفوذ؛ كشرط لمحاصرة الحركات الراديكالية والإجهاز عليها، فإن قرار مجلس الأمن سيظل جرعة معنوية عديمة الفائدة، بينما يتفشّى الإرهاب في كل مكان.
ثمّة تساؤل عن مدى الجدّية الآن في مواجهة الإرهاب، فقط بعد أن لسعت النار أطراف أوروبا وأميركا، وبعد أن طال التهديد دولا في الإقليم كانت تتسابق لنعف بذور التنظيمات المتطرفة وتمويلها، حتى تضخمت إلى مارد يهدد بالتهام صاحبه. وتنسحب الدهشة أيضا على السكوت عن أنظمة تحكم شعوبها بالحديد والنار وتحيا على الاستبداد والفساد، ثم توحي للعالم بأنها السد الواقي ضد تفشي الراديكالية الإسلاموية، وهي صنيعتها. وصنف ثالث من دول المنطقة يتغنّى بالتسامح والعيش المشترك، لكنّ مناهجه ومنابره مدججة برفض الآخر وإلغاء ماضيه ومستقبله. يتورم الإرهاب وأدواته بفعل ثالوث: تقاسم النفوذ، ومنابع الحشد والتمويل (على مستوى الدول الكبرى وقاطرات الإقليم)، والبطش والدكتاتورية (في الدول المطحونة بالحروب الأهلية) وتجهيل الشعوب بتعليم تلقيني أحادي المسار (على مستوى غالبية دول المنطقة).
من دون سد هذه المنافذ، لن يحلق القرار الأممي. وستبقى منابع الإرهاب طالما ظلّت إسرائيل سادرة في غيّها من دون محاسبة، وغيّبت المساواة والفرص المتكافئة عن شعوب المنطقة.
"عازمون على تدمير داعش"، يغرد أوباما! لا يا شيخ! بكّير كثير. أين كنتم؟ ومن سكت عن داعش وأخواته؟
20 عاما مضت منذ اقترح قادة دول عربية وغربية آلية مشتركة لمكافحة الإرهاب في قمة استثنائية استضافتها شرم الشيخ المصرية. في العام 1996، وصل جلالة الراحل الحسين بن طلال على متن طائرة بيل كلنتون الرئاسية إلى شرم الشيخ، لإطلاق أضخم ملتقى دولي لمكافحة الإرهاب. وأدرج المؤتمرون آنذاك صرخة الحسين ضمن توصيات القمة، التي نظّمت لمواجهة تمدد "القاعدة"، وعودة "الأفغان العرب" على شكل "قنابل موقوتة" زعزعت استقرار دولهم التي خرجوا منها إلى جبال أفغانستان وكهوفها. في ذلك الوقت، لمّا تتجاوز التنظيمات المدرجة على لائحة الإرهاب أصابع اليد؛ في مقدمتها "القاعدة" بعد أن كسر أتباعها طوق أميركا، التي غرست جذورها بتمويل خليجي لإخراج السوفيات من أفغانستان.
فماذا حصدنا مذ ذاك التاريخ؟
غادر المؤتمرون الفنادق الفخمة، وكأن شيئا لم يكن. فشلوا أو تجاهلوا تجفيف منابع الإرهاب ومحاصرة عرّابيه. ركّزوا على القشور دون أس الداء. بل أمعنوا في البطش واستباحة الشعوب والدول؛ من كابل (2001) إلى بغداد (2003) من دون توفير صمّامات أمان، وروافع للتنمية البشرية، وقبس سلام في فلسطين المحتلة. تجاهلوا معاناة الشعوب وأشاحوا بأنظارهم عن جحور التطرف وسياسات الإقصاء. قلبوا مفاهيم المقاومة المشروعة في فلسطين؛ جاعلين الغزاة ضحايا عنف، والشعب المحتل سفاحا! تغاضت الدول الغربية والعربية عن صدور فتاوى إلغائية، فعاثت التنظيمات ذبحا ونحرا. كما أقامت أسواق نخاسة ومعارض سبايا.
اليوم، يرتع قرابة 50 تنظيما تكفيريا في مقدمتها "داعش" و"النصرة" و"بوكوحرام". وفوق ذلك تتوثب آلاف "الذئاب المنفردة" للانقضاض على عشّاق الحياة وصنّاع الأمل، في عواصم العالم. العرب والمسلمون باتوا مدانين على معابر الغرب حتى تثبت براءتهم. سدّت الأبواب في وجه المهاجرين، وارتفع منسوب الكراهية والإقصاء بحق المقيمين في الغرب.
بين 1996 و2015، تزلزلت نيويورك وواشنطن (11 /9 /2001). سالت الدماء في قلب باريس ولندن وموسكو ومدريد. زعزع الإرهاب استقرار بيروت والقاهرة، وأدمى عمان. لسع عشرات العواصم وعطّل حيوات آلاف الناس.
يجب أن نقر بأن العالم لم يشخص الداء، بل ركّز على معالجة الأعراض. تغاضينا عن جرعات الكراهية وإقصاء الآخر في المناهج والمنابر ومنصات الإعلام. أمعنت دول مجاورة في تصنيع تنظيمات راديكالية وتمويلها. أما الغرب فغرس رأسه في الرمال معتقدا أنه في مأمن.
أبجدية العلاج تبدأ بأنفسنا؛ مناهجنا، خطابنا، إعلامنا ونظرتنا إلى الآخر. وعلى الغرب التراجع عن الازدواجية في الأخلاق والسياسة.

التعليق