منشقات عن شرطة أخلاق "داعش"، يتحدثن عن القسوة، والكرب والهروب (2 من 2)

تم نشره في السبت 5 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • موكب لمقاتلي "داعش" في الرقة العام الماضي – (أرشيفية)
  • شرطيات من كتيبة الخنساء النسائية التابعة لتنظيم "داعش" في الرقة – (من المصدر)
  • شارع في سوق بلدة تل الأبيض السورية قبيل عيد الأضحى في العام الماضي – (أرشيفية)

آزاده موافينوف – (نيويورك تايمز) 21/11/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بداية، تود صحيفة "نيويورك تايمز" التأكيد على الحقائق التالية:
• النساء السوريات الثلاث اللواتي يظهرن في هذه المادة، كلهن عضوات سابقات في"كتيبة الخنساء"، جهاز شرطة الأخلاق في "الدولة الإسلامية"، واللواتي انشققن عن المجموعة وهربن إلى تركيا هذا العام. وقد التقتهن مراسلتنا في مدينة بجنوب تركيا حيث أمضت ساعات من المقابلات معهن، معاً وكلاً على حدة، في زيارات متعددة على مدى يومين.
• الأسماء: أوس، ودعاء وأسماء، هي أسماء مستعارة بقصد حمايتهن، لكنهن عرَّفن لنا أنفسهن وصلاتهن العائلية بشكل كامل.
• رواية هؤلاء السيدات الجماعية عن عملهن مع "الدولة الإسلامية" وحياتهن، وعن الأحداث التي جرت في الرقة السورية في السنوات الأخيرة، تتفق مع رواياتهن الفردية المنفصلة، ومع مقابلات وروايات سكان حاليين وسابقين في الرقة.
• شاركتنا النساء أيضاً صوراً في هواتفهن المحمولة لمواقع في الرقة، ولحياتهن هناك، وتم التأكد من صحتها بشكل منفصل.
*   *   *
الصفوف الدينية التي انضمت إليها الفتيات الثلاث، التي تولى التدريس فيها أناس من المغرب والجزائر، ركزت على قوانين الشريعة ومبادئ الإسلام. وقد سرت دعاء بذلك، حيث شعرت بأنها كانت تعرف ما يكفي عن الإسلام قبل أن يستولي التنظيم على المدينة.
بحلول آذار (مارس) 2014، أصبحت أوس ودعاء تخرجان كل يوم في دوريات الكتيبة في الشوارع، وتتنقلان مع زميلاتهن في المدينة في مركبات رمادية من طراز "كيا"، كتبت على جانبيها "الخنساء". وقد ضمت الكتيبة نساء من كل أنحاء العالم: بريطانيات، تونسيات، سعوديات وفرنسيات.
لكن التنظيم أصدر مرسوماً صارماً، سواء في وحدتهما أو في كل الرقة بشكل أوسع، "لا اختلاط بين النساء المحليات والأجنبيات. اعتقد المحتلون أن الثرثرة شأن خطير. ربما يقود الحديث إلى عقد مقارنات حول الرواتب والسكن، بحيث تتكشف مواطن الازدواجية والتمييز.
كانت المكانة في الرقة –كيف تنشأ هذه المكانة وكيف يتم التعبير عنها- تصبح موضوعاً للتظلم باطراد. وشرحت دعاء بصراحة، بتعبير متواضع وإنما يشف عن الرضا، أنها تمتعت بوضع أفضل من الأغلبية لأن زوجها كان سعودياً ثرياً، والذي قيل أنه يحتل منصباً رفيعاً في التنظيم.
وتقول أوس، مشيرة إلى الأزواج بشكل عام: "كنساء، كانت مكانتنا تعتمد على مكانته". بين المقاتلين الذكور، كان ذلك واضحاً من البداية: كانت الرواتب، السيارات، الأحياء والشقق السكنية تتحدد بالجنسية إلى حد كبير.
سرعان ما أصبح واضحاً أن النساء الأجنبيات يتمتعن بقدر أكبر من حرية التنقل، وبالمزيد من الدخل القابل للتصرف والامتيازات الصغيرة: القفز إلى مقدمة طابور الخبز على سبيل المثال، وعدم الدفع للمستشفيات. وبدا أن البعض تمتعن بوصول غير مقيد إلى الإنترنت، بما في ذلك إنشاء عدة حسابات على تويتر. وقالت أسماء شاكية: "كانت النساء الأجنبيات يفعلن ما يشأن. كن يستطعن الذهاب إلى حيث أردن".
وعلقت أوس: "كن مدللات، حتى أولئك اللواتي أصغر منا كانت لهن سلطة أكبر".
وتقول دعاء، المترددة أكثر كعادتها في الانتقاد: "ربما لأنهن غادرن بلدانهن للقدوم إلى هنا –بدا أنه يجب معاملتهن بطريقة خاصة".
وتقول أوس: "لم نكن نستطيع أن نقول أي شيء. بل لم نكن نستطيع حتى أن نسأل لماذا".
لم يكن لدى التنظيم أي منفد للتظلم. بدا وكأنه يعمل خلسة، ولم يوفر الزواج من أعضائه أي معلومات عن عملياته ومطامحه. ولم تشاهد شخصياته الرفيعة مثل الخليفة نفسه –أبو بكر البغدادي- في الفضاءات العامة أبداً. وحتى في داخل الرقة نفسها، بقي ظلاً، كما قالت النساء.
تضمن دور أسماء في كتيبة الخنساء استقبال النساء الأجنبيات عند الحدود مع تركيا، 50 ميلاً إلى الشمال، ومرافقتهن إلى داخل الرقة في الليل. وقد جعلتها معرفتها القليلة بالإنجليزية وحس العالمية مناسبة جيداً للمهمة. كانت تتلقى قطعة ورق عليها الأسماء، والطاقم –اثنتين أو ثلاث من نساء الكتيبة، ومترجم وسائق- وتبدأ رحلتها على الطريق السريع.
كان الكثير من النساء يصلن من أوروبا. وفي ليلة ربيعية هذا العام، استقبلت أسماء وطاقمها ثلاث فتيات في ملابس أوروبية وإنما يضعن أغطية على الرأس. وتتذكر أسماء: "كن صغيرات جداً، نحيلات، وسعيدات جداً بالوصول، يضحكن ويبتسمن".
رافقتهن إلى مكان الإقامة وساعدتهن على الاستقرار. وكما هو الحال مع معظم الأجنبيات اللواتي رافقتهن، لم ترهن مرة أخرى. كان في وقت لاحق فقط حين رأت وجوههن تملأ الإنترنت، بعد التعرف إليهن كطالبات مدرسة من بينثال غرين في لندن، واللواتي هاجرن طوعاً للانضمام إلى "الدولة الإسلامية".  وشعرت أسماء بالحيرة من قرارهن أن يعتنقن بمرح نفس الحياة التي كانت تستنزفها في كل يوم.
في السابق، كان لأسماء صديق من الكلية. وكانت علاقتهما معقدة: كان قد حثها على ارتداء غطاء للرأس ولباس محافظ أكثر حتى قبل استيلاء "الدولة الإسلامية" على الرقة، لكنها رفضت فكرة الحكم على قيمتها من مجرد حجم البشرة التي تغطيها أو تكشفها. وبعد استيلاء التنظيم على الرقة، انتقل ذلك الصديق إلى الأردن لإكمال دراسته.
الآن، أصبحت ترتدي حجابها طوال اليوم وتفرض ارتداءه على النساء الأخريات. لكنها تستمع في الليل إلى فرقة الروك "إيفانيسنز" على هاتفها المحمول وتنتحب.
ذات يوم ربيعي في العام 2014، ذهبت النساء في وحدة شرطة دعاء إلى واحدة من الساحات الرئيسية في المدينة لمشاهدة رجم اثنتين من النساء المحليات، فيما يفترض أنه لتهمة الزنا. ورفضت دعاء الذهاب. لم تحب الطريقة التي يتسابق بها المتشددون لمشاهدة التنفيذ الصحيح لأحكام الشريعة الإسلامية. وقالت: "في الإسلام، تحتاج أربعة شهود على فعل الزنا حتى تطبق مثل هذا العقاب".
في غضون ساعات، انتشرت الأخبار بأن المرأتين لم تكونا متورطتين مع أي رجل على الإطلاق. قيل أنهما ظهرتا فقط خارج مقر قيادة الشرطة وهما تحملان شاخصة كتب عليها: "يسقط التنظيم".
مع إزهار الأشجار في ذلك الربيع، أصبح من المألوف رؤية رؤوس الجنود الأسرى والناس المتهمين بالخيانة معلقة في الساحة الرئيسية بالقرب من برج الساعة. لكن معظم الذين ظلوا في الرقة كانوا إما خائفين من التمرد أو غير راغبين فيه.
استمرت ابنتا العم في محاولة التكيف، ولو أنهما ظلتا مسكونتين بالرعب، وكانتا تعزيان نفسيهما بفكرة أنه على الرغم من انضمامهما للتنظيم، فإنهما لم تكونا تشاركان شخصياً في قتل أحد على الأقل.
وتتذكر دعاء: "رأينا الكثير من الرؤوس وهي تُقطع".
وصححت أوس: "أنتِ رأيت الرؤوس –كانت الرؤوس فقط هي التي رأيتِها".
"حسناً، التمثيل بالجثث محظور في الإسلام".
"رأيت أجساداً ظلت ملقاة في الشارع لأسبوع كامل".
استدارت أسماء التي بدت غير مرتاحة لوجهات الحديث، وبدأت في تصفح "فيسبوك" على هاتفها المحمول. من بين النساء الثلاث، كانت الوحيدة التي تقرأ التغطيات الإخبارية الغربية على الإنترنت: وكانت تعرف أن العالم يعتبر "الدولة الإسلامية" بشعة، وظلت مسكونة بهاجس تطليخ نفسها في بداية حياتها كراشدة.
في داخل كتيبة الخنساء، شرعت النساء في استخدام سلطتهن لتسوية الخلافات التافهة أو الانتقام. وتتذكر أوس: "كانت النساء المقاتلات يذهبن إلى التنظيم ويتهمن أعداءهن بمخالفة ما. وحتى لو لم يكونوا قد ارتكبوا خطأ، فإنهم كانوا يُجلبون إلى المقر".
وتضيف أوس: "في الكثير من المرات، رأيت نساء أعرفهن يبتسمن لي عندما رأين أنني أنضمت. لكنني كنت أعرف أنهن يشعرن تجاهي بشيء مختلف في دواخلهن. عرفت ذلك لأنني قبل أن أنضم، كنت أشعر بالاشمئزاز إذا عرفت عن فتاة أعرفها أنها بدأت العمل مع "الدولة الإسلامية".
زوجات الشهداء
كما حدث مع زوج أوس، لم يكن زوج دعاء، أبو سهيل، يريد إنجاب أطفال أيضاً. لكن دعاء لم تكن مستعجلة، ولم تضغط عليه.
ذات أسبوع في شهر تموز (يوليو)، لم يعد زوجها إلى المنزل لثلاث ليالٍ. وفي اليوم الرابع، طرقت مجموعة من المقاتلين باب بيتها. أخبروها بأن أبو سهيل فجر نفسه في معركة ضد الجيش السوري في بلدة تل الأبيض، على الحدود مع تركيا.
شعرت دعاء بالتمزق، خاصة عندما أخبرها القائد بأن أبو سهيل طلب تنفيذ مهمة انتحارية. لم يكن قد أخبرها مطلقاً عن مثل هذه الخطة، وقد انهارت وأخذت تهتز بالنشيج وتنتحب، عند أقدام الرجال.
حاولت أن تعزي نفسها بفكرة أن كونها زوجة شهيد هو شيء مشرِّف. لكنها علمت بعد بضعة أيام حقيقة جعلت تحمل المسألة أكثر صعوبة: لم يقتل أبو سهيل نفسه في عملية ضد الجيش السوري المكروه، وإنما ضد جماعة ثوار منافسة كانت "الدولة الإسلامية" عاكفة على محوها من الوجود.
وتقول دعاء: "بكيت لأيام. لقد مات وهو يقاتل مسلمين آخرين".
بعد 10 أيام فقط، جاء رجل آخر من وحدة زوجها إلى البيت. قال لدعاء أنها لا يمكن أن تظل في المنزل وحدها ويجب أن تتزوج ثانية، وعلى الفور.
مرة أخرى، كان التنظيم يحرف الشريعة الإسلامية حسب رغباته. فوفق تفسير شبه عالمي للإسلام، يجب أن تنتظر المرأة ثلاثة أشهر قبل الزواج ثانية، بشكل اساسي لإثبات أبوة أي طفل ربما تكون حاملاً به. وليست فترة الانتظار التي تسمى "العدة" متطلباً شرعياً فقط، وإنما هي حق من حقوق المرأة، للسماح لها بأن تحزن. ولكن، وحتى في منطقة القانون المقدس، كانت "الدولة الإسلامية" تعيد صياغة كل شيء.
تقول دعاء: "أخبرته بأنني لا أستطيع التوقف عن البكاء بعد. قلت له: "أنا حزينة. أريد أن أنتظر فترة الثلاثة أشهر كلها"". لكن القائد أخبرها بأنها تختلف عن الأرملة. قال لها: "لا يجب أن تحزني وتبكي. لقد طلب الشهادة بنفسه، وأنتِ زوجة شهيد. يجب أن تكوني سعيدة".
لقد جعلها التنظيم أرملة، وهو يريد أن يكرر ذلك مرة وأخرى، محولاً إياها إلى موضوع تسلية مؤقت للمقاتلين الانتحاريين. لم يتبق لها أي خيار، ولا أي كرامة، وإنما تقوم بمجرد أداء الخدمة التي تتطلبها حاجة "الدولة الإسلامية" إلى قذف الرجال إلى الخطوط الأمامية.
تقول دعاء: "كان لدي زواج جيد مع رجل جيد، ولم أرد أن ينتهي بي المطاف إلى زوج سيئ. عرفت أنه سيكون من المؤلم أن أتزوج من أحد ما، فقط لأعود فأفقده عندما يذهب في مهمة استشهادية. من الطبيعي أن تكون للإنسان مشاعر وأن يصبح مرتبطاً. وأدركت دعاء أن عليها الهروب، حتى مع أن ذلك سيعني ترك منزلها الذي كان ينبغي أن يكون ميراثها.
جاءت الأخبار إلى أوس بعد وقت قليل من قدومها إلى دعاء. لقد قتل زوجها أبو محمد أيضاً في عملية انتحارية. لم تكن هناك جنازة لحضورها ولا أقارب زوج يمكن أن تحزن معهم. وتمزقت هي الأخرى. ولم يتسن لها الوقت لتتعافى هي أيضاً قبل أن يأتي التنظيم ويطرق الباب. وتقول أوس: "أخبروني أنه أصبح شهيداً الآن، ومن الواضح أنه لم يعد بحاجة إلى زوجة، لكن هناك مقاتلاً آخر يحتاج زوجة. قالوا أن هذا المقاتل كان صديق زوجي، وأنه يريد أن يحميني ويعتني بي نيابة عنه".
وافقت على مضض، على الرغم من أن شهراً كان قد تبقى من فترة العدة البالغة ثلاثة أشهر. لكن الأمور لم تكن جيدة مع هذا الزوج الجديد، المصري الذي تواجد في البيت حتى أقل من أبو محمد. كل شيء يتعلق به –شخصيته، مظهره، علاقاته الجنسية- رفعت أوس كتفيها وعبرت عنه بكلمة مريرة واحدة: "عادي".
عندما فر براتبه بعد شهرين، حتى من دون وداع، تُركت أوس مهجورة، ومحرومة حتى من وضع الأرملة. وعندما عادت إلى منزل والديها، تجولت من غرفة إلى غرفة، متحسرة على حياتها السابقة هناك، ومندهشة من كم أصبحت تلك الأيام بعيدة عما وصلت إليه.
المغادرة
بالنسبة للعالم الخارجي، ربما تبدو المناطق التي تسيطر عليها "الدولة الإسلامية" أرضاً مغلقة بإحكام، محكومة بأقسى قوانين القرن السابع. لكن الطرق إلى الرقة ومنها ظلت مفتوحة في أغلبها حتى وقت قريب. كان التجار يأتون ويذهبون، ملبين حاجات التنظيم ورغباته –بما في ذلك السجائر، التي يدخنها بعض المقاتلين على الرغم من حظرها على سكان الرقة.
كانت دعاء، غير قادرة على تحمل زواج قسري آخر، هي أولى المغادرات. أجرى شقيقها اتصالات مع صديق سوري في جنوب تركيا، والذي يمكنه أن يستقبلهما على الجانب الآخر، وركب الشقيقان حافلة صغيرة لساعتين إلى معبر تل الأبيض في وقت مبكر من هذا العام. كان تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا ما يزال كثيفاً في ذلك الحين، وعبر الاثنان دون أن يوقفهما أحد.
عندما قررت أوس المغادرة بعد أربعة أشهر لاحقاً، كان عبور الحدود قد أصبح أكثر صعوبة، لأن تركيا شرعت في تشديد إجراءاتها الأمنية. وقد اتصلت بدعاء وأصبحت على صلة بالرجل الذي ساعد دعاء على الخروج.
كان الرجل جزءا من شبكة تعمل في جنوب تركيا، والتي أنشأت صناعة لتخليص الناس من مناطق "الدولة الإسلامية". وعندما وصلت أوس إلى المعبر الحدودي، كان أحد زملاء الرجل في انتظارها مع هوية مزورة تقول أنها شقيقته في حال استجوابها.
صعد قلبها إلى حلقها من شدة الرعب. ولكن عندما جاءت لحظة العبور، لم يسألها الرجال في نقطة التفتيش عن هويتها، ناهيك عن طلب رفع نقابها.
في وقت مبكر من هذا الربيع، كانت أسماء تتعذب بالتفكير فيما إذا كانت ستهرب هي أيضاً. لقد تم تحويل الرقة جذرياً. في السابق، كانت تشاهد أحداً تعرفه كل 20 خطوة؛ وبدت المدينة صغيرة. لكن كل الذين أتيحت لهم سبل الخروج هربوا. في العمل وفي الأماكن العامة، أصبحت محاطة بالوجوه الغريبة واللهجات الأجنبية.
رفض التنظيم بقاء الشابة بلا زواج، وأصبح وضع أسماء معقداً. أصبحت مكتئبة بعمق، وأيامها تتطاول ويملؤها الضجر والتوتر بشكل غريب.
تقول أسماء: "لم يكن بالإمكان الذهاب إلى الطبيب بلا أب أو شقيق. لا يمكنك الخروج للتنزه سيراً على الأقدام. لم أعد أستطيع تحمل ذلك وقتاً أطول".
شعرت أسماء بأن هويتها تتعرض للمحو. وقالت للصحفية التي أجرت هذه المقابلة وهي تلوح بذراعيها: "في السابق، كنت مثلك. كان لي صديق، وكنت أذهب إلى الشاطئ وأرتدي البكيني. حتى في سورية، كنا نرتدي الملابس القصيرة والقمصان العصرية، وكان كل ذلك طبيعياً. حتى أخي لم يكن يهتم –لم أواجه أي مشكلة مع أحد".
عندما خططت للهرب مع واحدة من بنات عمها، لم تخبرا أحداً عن ذلك، ولا حتى عائلتيهما، ولم تأخذا شيئاً في حقيبتيهما اليدويتين. وافق صديق داخل التنظيم على إخراجهما، وجعل خوفهما منه رحلتهما الليلية أكثر رعباً. قادهما الصديق عبر ثلاث نقاط للتفتيش. وأخيراً بعد الواحدة ليلاً، وصلتا إلى المعبر الحدودي. وهناك عرضتا بطاقتي هويتهما وغمغمتا بالوداع.
تتذكر أسماء: "الرجل في نقطة التفتيش. كنت مقتنعة بأنه عرف أننا نحاول الهرب. كنت متوترة وخائفة. لكنني أدركت عندئذٍ أن الأمر بدا مثيراً للشكوك في ذهني فقط، لأنني كنت خائفة جداً".
بدت السيارة التي استقبلتهما على الجهة الأخرى من الحدود رمادية في ضوء القمر. ركبتا وابتعدتا عن "الدولة الإسلامية" وعما تبقى من سورية.
سورية صغيرة
تستقر المدينة التركية الصغيرة حيث تعيش النساء الثلاث الآن على سهل من العشب الجاف، وتتخلله ضواحيها بساتين اللوز والبرقوق والصنوبر وأشجار الزيتون. كانت الشقق السكنية المنخفضة قد بنيت خلال طفرة الإسكان قبل بعض سنوات، موفرة أماكن إقامة رخيصة جعلت من الممكن لكثير من اللاجئين السوريين أعادة تأسيس حياة لهم هناك.
ثمة أطفال سوريون ضائعون يتسولون ويبيعون علب المناديل الورقية في الشارع، تماماً كما هو الحال في إسطنبول وبيروت ولبنان. لكن هناك فرصاً للعمل، وليس استئجار شقة بغرفتي نوم شأناً بعيد المنال تماماً.
هناك الآن ما يكفي من السوريين بحيث أصبح لوسط المدينة مطاعمه السورية ومحلات البقلاوة. وأصبح التجار في السوق متمرسين في القول لزبائنهم بالعربية: "هذا السعر لك فقط".
ولكن، لم يكن كل المهاجرين في المدينة متعاونين مع "الدولة الإسلامية"، ولذلك تحرص أوس ودعاء وأسماء على إخفاء سرهن بقوة. إنهن مشردات وبلا جنسية، ويخفين ماض قد يجلب عليهن الضرر.
الآن، تأخذ الفتيات الثلاث دروساً في الإنجليزية والتركية، على أمل أن يساعدهن ذلك ذات يوم في رسم مستقبل في مكان آخر، ربما في جزء أكثر مدنية من تركيا. وهن يعشن مع عائلات سورية أكثر رسوخاً في المكان، مع أناس كن يعرفنهم في الوطن ولديهم صلات هناك. وتغطي العائلات معظم كلف إقامتهن، بينما يكفيهن ما جلبنه معهن من الوطن لدفع مصاريفهن اليومية وكلف دروس اللغات.
تستيقظ أوس وتستمع إلى أغنيات فيروز بينما تصنع قوتها الصباحية. وهي تتعامل بحذر في حياتها الاجتماعية، لكنها ترينا جزءاً من ملف جديد للصور على الهاتف المحمول، والتي تبدو أنها ترجع صدى حياتها السابقة في الرقة، قبل استيلاء التنظيم على المدينة: أصدقاء وسيمون، ومقاهي شيشة لا نهاية لها. وتتحدث أوس مع عائلتها عن طريق الدردشة الصوتية بضع مرات في الشهر بواسطة "واتس آب".
تريد أوس العثور على طريقة لإكمال دراستها الجامعية، ولاستعادة الشعور بالطبيعية. وتقول: "لكنهم هنا، بينما تسيرين في الشارع، لا يجعلونك تنسين أبدا أنك اضطررت إلى مغادرة بلدك. ذات مرة، قال أحدهم لصديق لي: "لو كنت رجلاً حقيقياً لما غادرت بلدك." لقد قتلني سماع ذلك".
لكن أسماء تبدو أكثر خوفاً، وهي نادراً ما تخرج في المدينة. وقد قطعت الاتصال مع عائلتها، خشية أن يعاقب المتشددون أهلها على هروبها. وتقوم مرة في الأسبوع بإرسال رسائل بالبريد الإلكتروني وتتصل بصديقة في الرقة لتشكو من رفض أسرتها لها. وذلك غير صحيح. لكنها تأمل بأنها إذا كررت ذلك بما يكفي، فسيذيع الخبر -وربما يصل إلى مخابرات "الدولة الإسلامية"- عن القطيعة، وبذلك تحمي عائلتها من تداعيات مغادرتها.
بعد سنوات من العار والخيبة، لم تقل أي من النساء الثلاث أنها تستطيع مجرد تخيل العودة أبداً، حتى لو سقطت "الدولة الإسلامية". إن الرقة التي كانت وطنهن توجد فقط في ذكرياتهن.
وتقول أسماء: "من يعرف متى سيتوقف القتال؟ سوف تصبح سورية مثل فلسطين؛ كل سنة سيفكر الناس: "في العام القادم سينتهي هذا، وسوف نتحرر". وتمر العقود. إن سورية غابة الآن".
وتقول أوس: "حتى لو أصبحت الأمور جيدة ذات يوم، لن أعود أبداً إلى الرقة. الكثير من الدم أريق هناك من جميع الأطراف –أنا لا أتحدث عن الدولة الإسلامية فقط، وإنما عن الجميع".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
ISIS Women and Enforcers in Syria Recount Collaboration, Anguish and Escape

[email protected]

التعليق