نظرية الفوضى وأثر الفراشة

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً

د. عبدالرزاق بني هاني

حركة جناحي فراشةٍ في سماء اليابان، قد تؤدي إلى عواصف هوجاء في سماء أميركا الشمالية! وليس ذلك من قبيل الجنون الفكري!
تشرفت بدعوة شخصية من أصدقائي في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا، للمشاركة في ندوة مُغلقة حول مستقبل الاقتصاد العالمي في ظل المتغيرات الراهنة: الصراعات الإقليمية، تذبذبات أسعار الغاز والوقود الأحفوري، والتطورات السريعة في ما يُسميه الاقتصاديون "تكنولوجيا تطوير البدائل أو التي تعمل على تخفيض أسعار الموارد" (Backstop Technology)، وهي التكنولوجيا التي تعمل على توفير بدائل للموارد النادرة أو التي في طريقها إلى النضوب الحتمي، ومنها موارد الطاقة.
عندما تسلمت الدعوة، انتابني شعورٌ من الحيرة حول عنوان الندوة؛ فهو يحملُ معاني متعددة في عوالم السياسة والاقتصاد والاستراتيجيا والتكنولوجيا والبيئة. وقد طرحت على نفسي جملة من الأسئلة، كان أقلها: ما هي القيمة المضافة التي ستكون من طرفي؟ لكنني، تحت وطأة الرغبة في السفر والتحلل من ضغط العمل وحب الاطلاع على الجديد من الأفكار، قررت الذهاب إلى المدينة الوادعة الواقعة على شواطئ المحيط الهادئ في الغرب الأميركي.
التقت في ذلك المكان ثلة من صفوة علماء الاقتصاد في العالم؛ الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، اليابان، ألمانيا، مصر، السعودية، جنوب أفريقيا، كازاخستان، وروسيا. وقد شارك في الندوة التي استمرت ثلاثة أيام نائب رئيس البنك الدولي ومساعد رئيسة صندوق النقد الدولي ونائب محافظ بنك التنمية الأوروبي، وآخرون من المُختصين في المجالات الاقتصادية والسياسية والبيئية والاستراتيجية.
وقد لفتت انتباهي جملة من الظواهر المتعلقة بنظرة علماء الاقتصاد إلى النشاط الاقتصادي بجانبيه: الإنتاج والاستهلاك. وكذلك نظرتهم القاتمة إلى ذات النظرية الاقتصادية التي ما انفك الاقتصاديون يتبجحون ويتفاخرون بها وبقدراتها على التفسير والتنبؤ؛ وأن النظرية الاقتصادية الكلية، الكلاسيكية والكينزية، ومن وجهة نظر العلماء المُحدثين، لم تعُد صالحة للقرن الحادي والعشرين. فهناك مفاهيم اقتصادية-بيئية-استراتيجية لا بد من دمجها في النظرية التقليدية كي تغدو صالحة للتطبيق، وتعليمها لمدرسي علوم الاقتصاد وطلبة هذه العلوم على حدٍ سواء.
وأكثر ما أثار انتباهي العبارة الرائعة التي أطلقها البروفيسور نورثو هـ. دالي: "نحن ننظر إلى الآلة الاقتصادية باعتبارها دائمة الوجود والحركة والإنتاج.. نأخذ من الطبيعة خيراتها ونرمي بها وعليها كل ما يُدمرها. سنصحو ذات صباح لنجد بأن الخرابَ يلفُ حياتنا، وحينها لن تنفعنا النقود التي نطبعها لأنها ستكون بلا قيمة، ولن تكون بديلة عن الطعام الذي نحتاجه". واللافت أن معظم المدرسين في كليات الاقتصاد في معظم الدول العربية لا يعرفون عن هذه المفاهيم والأفكار المتعلقة بها إلا النزر اليسير. وكي أتيقن من رأيي حول الموضوع تواصلت مع عدد من زملائي من الأكاديميين العاملين في كليات الاقتصاد، وعلمت بأننا في ذيل القافلة فيما يتعلق بمجاراتنا للجديد من الأفكار والرؤى.
هناك أربعة مفاهيم أساسية، كنت قد أتيت على ثلاثة منها، لكن على استحياء، في كتابي المشترك مع د. محمد الروابدة (من جامعة اليرموك) "اقتصاديات الموارد والبيئة". ولم أتفاجأ بالإتيان على ذكرها من قبل علماء أجلاء وجادين من أمثال ت. كولي ود. نورثو هـ. دالي وآخرين من المجتمع العلمي. وهذه المفاهيم هي: نظرية الفوضى (Chaos Theory)، وقدرة الدعم (Carrying Capacity)، وأثر الفراشة (Butterfly Effect)، ودولة الإنسان أو الدولة الإنسانية (Humanistic State).
نظرية الفوضى في الإطار الذي سأتحدث عنه باختصار شديد، لا تتعلق بمنهجية كونداليسا رايس حول الفوضى البناءة (الخلاقة). بل هي جسمُ متكامل من الأفكار والافتراضات العلمية العميقة، والمبنية على نماذج اقتصادية-رياضية.
وتفسر نظرية الفوضى، من وجهة نظر البروفيسور كولي، ما يحدث على المستوى العالمي من صراعات قد تؤدي إلى اندثار البشرية، أو إلحاق أفدح الأضرار بها. فالتوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى العسكرية والاستراتيجية الراهنة، هي ثمرة مُبتسرة هشة غير قابلة للبقاء في ظل الاستقطابات العالمية. والاستقطابات هنا ليست بمعناها التقليدي بين شرقٍ مرعوب وغرب مغامر، بل استقطابات بين الشمال والجنوب، وبين من يملك ومن لا يملك، وبين الفقير والغني. فهي، بمعنى آخر، استقطابات اجتماعية-سكانية. ولا تحدث على المستوى العالمي الفضفاض فحسب، بل على المستويات الإقليمية وداخل الحدود الوطنية للدولة الواحدة. وكأننا نقول بأن تحالفاً من المعدمين ينبثق الهوينى ويسير نحو التشكل بهدوء وصمت.
لقد دفع رأس المال الحاكم في العديد من الدول والأقاليم، بالطبقية إلى أبعد الحدود التي تنذر بأسوأ العواقب. ويذكر كولي، على سبيل المثال، أن الطبقة الفقيرة والمعدمة في الولايات المتحدة وحدها تشكل ما لا يقل عن 35 % من مجموع السكان البالغ عددهم 315 مليون نسمة. ويشكل أفراد هذه الطبقة جيشاً جراراً وممتداً عبر الأقاليم، يمكن تعبئته في وقت قياسي. وهو قادرٌ على إهلاك الموارد المحلية وإلحاق أفدح الأضرار بالموارد البشرية، بما في ذلك قوة الشرطة في كل مدن الولايات المتحدة والحرس الوطني العامل في خمسين ولاية، لاسيما أن ثقافة هذه الطبقة مغايرة للثقافة الرأسمالية التقليدية، ومستوى تعليم أفرادها لا يتجاوز المرحلة الثانوية. وهم ينظرون بعين الحقد إلى ما يجري في الطبقتين الوسطى والغنية، ومتوسط استهلاك الواحد منهم لا يزيد على واحدٍ بالألف من متوسط استهلاك أبناء الطبقة المترفة. وقد ارتفعت نسبة هذه الطبقة بين السكان من 20 % خلال أواخر الستينيات ومنتصف السبعينيات من القرن العشرين، إلى النسبة الحالية (35 % أو ما يزيد قليلاً).
ويذكر البروفيسور كولي مثالاً على ردة الفعل من قبل زعماء الطبقة الثرية، إذ يُشير إلى الاجتماع الذي تنادى إليه أثرياء شيكاغو ونيويورك وكاليفورنيا وتكساس وفلوريدا قبل أيام، من أجل مواجهة زيادة الإنفاق على التأمينات الاجتماعية للطبقة الفقيرة وتعليم أبنائها. وتلخصت النتيجة الأساسية لاجتماعاتهم في زيادة دعم المرشحين المحافظين بعدة مليارات من الدولارات، لا أن ينفقوا تلك المليارات على صحة وتعليم الفقراء.
ويذكر كولي مثالاً آخر، ولو على عجالة، يتمثل في نية الجمهوري دونالد ترامب، الذي يسعى إلى الرئاسة، تجنيد 150 ألفاً من العسكريين من أجل تسفير 11 مليون من المهاجرين غير الشرعيين، وبخاصةٍ من أبناء أميركا اللاتينية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاعلات سريعة وإحداث فوضى عارمة في أمن الولايات المتحدة من دون أن يشعر بها أحد إلا بعد فوات الأوان.
ومن وجهة نظر كولي، تفسر نظرية الفوضى ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط، حيث القتل والاستبداد على قدمٍ وساق. فقد كانت المنطقة تنعم بالأمان النسبي بسبب انخفاض التفاوتات الطبقية، وما لبثت أن فتكت بها الفتن والحروب الأهلية جراء اختلال التوازنات الاقتصادية والطبقية، من دون سابق إنذار.
يرتبط بنظرية الفوضى مبدأ آخر هو مبدأ " قدرة الدعم". فأي اقتصادٍ لا بد أن يقوم على بنية طبيعية (Natural Structure)، وبنية مادية مصنوعة (Infrastructure)، وبنية فوقية إنسانية تتكون من العقول البشرية (Super Structure). وهو ما ركز عليه عالم الاقتصاد دالي. وقال بأن التحذير الذي أطلقه رواد نادي روما (Club of Rome) حول حدود التنمية الاقتصادية، وبخاصةٍ في ظل السحب الجائر على ما تبقى من رصيد الموارد الطبيعية، لم يلق آذاناً صاغية. فبعد مرور ما يزيد على أربعين عاماً على ذلك التحذير، انخفضت قدرة تحمل الأرض لسكانها من أربعين مليار إنسان إلى عشرة مليارات. وأن التلوث الذي تحدثه الدول الصناعية، وبخاصةٍ الصين والولايات المتحدة، لن تتحمله الأرض في الأمد المنظور. وها نحن نشهد عواقبة على شكل حروب ومجاعات وفتن وتناحر على الموارد. وذكر دالي بأن الوقود الأحفوري كسبب رئيس في التلوث وجاذب للحروب، سينتهي خلال ثمانية إلى عشرة عقود من الآن. ولم تتمكن تكنولوجيا البدائل من توفير أكثر من 25 % مما تحتاجه الاقتصادات المتطورة، ما يعني أن الصراع على الموارد سيشتد.
ومن وجهة نظر أكثرية العلماء المشاركين، يتلخص هاجسهم في تسارع نضوب الموارد الأساسية. وأن النضوب التدريجي للموارد يشبه أثر حركة الفراشة؛ غير مسموعة وليست ذات أثر ظاهر، لكنها كالموت الزؤام الذي يأتي على حين غرة.
إن النظام الاقتصادي-الإنتاجي مغلق باتجاهٍ واحد، تنضب منه الموارد الطبيعية، وبخاصةٍ الطاقة، ولا أمل بعودتها خلال حياة الجيل الذي يبددها. وها قد مرت ستة أجيال تقريباً منذ اندلاع الثورة الصناعية، والتبديد والتبذير يجريان من غير ضميرٍ ولا حساب. ويعلق دالي على هذه المقولة التي أطلقتها بأن كل ما جرى ويجري الآن هو نزع صفة الإنسانية عن الدولة الحديثة التي لا يهمها إلا النمو الاقتصادي وليس التنميةالإنسانية-الاجتماعية-الاقتصادية. فصحيح أن النمو الاقتصادي مهم كي نتقدم، لكن علينا أن ننمي الإنسان ونجعل دولنا إنسانية الجذر لا اقتصادية الهوى والروح.
إني أرى بأن فكرة النمو الاقتصادي قد تحولت إلى دين أو عقيدة، شأنها في ذلك شأن الشيوعية أو الرأسمالية اللتين خلقتهما.

*رئيس جامعة جرش

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (ابو وطن)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    طروحاتك كان صعب تفسيرها ولكنها رسخت ببالي الان اتمنى لك زيادة في العلم دمت ذخرا للامه الاسلاميه
  • »استاذنا الفاضل (محمود الصالح)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    سنبقى ننظر اليك كرجل علم من الطراز الرفيع ولكنك تعلم يا استاذنا اننا مجتمعات طاردة وخصوصا لاصحاب الفكر النير دمت استاذا ومعلما مقال صغير لكنه يعادل مجلدات
  • »مقال رائع (hussam)

    الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    تحية لك دكتور مقال رائع وجميل
    فتحت أعيننا على الكثير
    شكرا لك وننتظر القادم لك