موفق ملكاوي

ستانلي كوبريك والقمر

تم نشره في الخميس 17 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً

يعود إلى الواجهة من جديد هذه الأيام، الجدل حول مسألة هبوط الإنسان على سطح القمر، وهو جدل انطلق منذ اللحظات الأولى التي تم الإعلان فيها عن الحدث، وبث لقطات منه في أواخر ستينيات القرن الماضي.
لكن احتدام المسألة اليوم، يعود شريط فيديو تم إطلاقه، يصور المخرج العالمي ستانلي كوبريك وهو يعترف بأن الأمر كان مجرد كذبة كبيرة، وأن جميع المشاهد جاءت بتوقيعه!
الفيديو اشتمل على مقابلة مع كوبريك، ويقول مصورها المخرج باتريك ميوريي، إنها تعود إلى العام 1999، وإنها صورت قبل أيام، فقط، من وفاة كوبريك، وإنه كتب تعهدا من 88 صفحة بأن لا ينشرها ولا يكشف أيا من تفاصيلها إلا بعد مرور 15 عاما.
في المقابلة، يكشف كوبريك عما دعته وسائل إعلام “أكبر كذبة في التاريخ المعاصر”، حين ينفي هبوط الإنسان على القمر، ويقرّ بأنه هو من “أخرج” الفيلم الأميركي الذي وضع الولايات المتحدة أمام الاتحاد السوفياتي السابق، في سباقهما الفضائي.
ردود الفعل تباينت ما بين مصدق للفيديو الجديد، وشاتم للمخرج، وآخرين اختاروا أن يقفوا مدافعين عن ستانلي كوبريك الذي منح الإنسانية أفلاما ما يزال صداها يتردد حتى اليوم.
منذ سنوات مراهقتي، تعلقت بسينما كوبريك. كان ذلك منذ المرة الأولى التي شاهدت فيها فيلمه العظيم “سبارتاكوس”، والذي أعدت مشاهدته مرات عدة.
لم أكن أهتم بالتقنيات، أو الصواب أنني لم أكن أفهم بتقنيات السينما، لكن قصة الفيلم استطاعت أن تشدني إلى ذلك المخرج، بانحيازه إلى طبقة العبيد والمهمشين، وتصوير نضالاتهم في سبيل الحرية وحق تقرير المصير.
ما يزال ذهني يتمثل في أول مشاهدة للفيلم، وحتى اليوم، اللحظة الأولى التي خرج فيها رجل من بين العبيد ليعلن نفسه بطلا وملهما، ليقود العبيد في ثورة على أسيادهم من أجل أن يمتلكوا حقهم في حياة كريمة غير منقوصة الكرامة.
كما أنني أتذكر مشاهدتي الأولى لآخر أفلامه “عيون مغمضة على اتساعها”، والذي لم يتسن للمخرج أن يعاين نجاحه؛ إذ إنه توفي بعد إكماله، وقبل عرضه.
في الحقيقة، وحتى بعد كشف هذه “الكذبة الكبيرة”، فإنني لا أستطيع تغيير النظرة نحو واحد من أعظم المخرجين الذين أضافوا إلى فن السينما، بوصفه، ليس مخرجا فحسب، بل كان أيضا محررا وسيناريستا ومنتجا ومصورا سينمائيا.
إن “فيلم” هبوط الإنسان على القمر، يضيف إلى رصيد هذا العبقري، والذي استطاع أن يقنع العالم بأسره بهذه الحقيقة، وأن تستمر القناعة بصدقية المعطيات لمدة تقترب من نصف قرن، ولم تظهر الحقيقة سوى باعتراف المخرج نفسه!
رغم ذلك، فأنا لا أتبنى صدقية الفيلم الأخير، خصوصا أن بعض وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأميركية، شككت بصحة المقابلة، كما أن متحدثا باسم أرملة كوبريك أكد لوسائل إعلام أن “المقابلة مجرد كذبة. ستانلي كوبريك لم تتم مقابلته أبدا من قبل باتريك موري. القصة كلها مختلقة وغير صحيحة”.
المهم لدي، أن ستانلي كوبريك، وحتى بعد وفاته، يريد إقناع العالم بعبقريته الإخراجية التي لم يوقفها حتى الموت.

التعليق