محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست بالكرنفالات!

تم نشره في الجمعة 25 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

نوايا طيبة وصادقة هي ما تدفع العديد من الشباب والشابات إلى تغيير صور حساباتهم على وسائل التواصل الإعلامي، وتبادل الصور والمقاطع المتعلقة بمناسبة المولد النبوي الشريف، ومشاركتهم في تجمعات أو احتفالات بهذه المناسبة، تختلف مكوناتها من درس ديني جيد، إلى قراءة مقطع من السيرة النبوية تتباين فيه درجة الموثوقية والصدقية من السلامة إلى الخرافة والدجل والأباطيل بحسب كتاب "المولد" الذي وقع عليه الاختيار، إلى حضور حلقات غناء ورقص ينسبونها للدين، وتكون في بعض الحالات حفلات مختلطة، وتتضمن أفعالا مشينة، تتناقض كلياً مع دعوى أن هذه مناسبة دينية!
ولأن هذه الفواحش أصبحت رائجة في كثير من حفلات "المولد"، فقد اضطرت رئاسة الطرق الصوفية في مصر إلى إصدار لائحة تنظم الموالد بمناسبة المولد الزينبي لسنة 1426هـ/ 2005م، نُشرت في مجلة المجلس (مجلة التصوف الإسلامي، العدد (320)، 9 /2005)، جاء فيها: "الأمور المطلوب منعها وتلافيها: عدم استخدام الآلات الموسيقية بمجالس الذكر؛ عدم اختلاط النساء بالرجال وضرورة عمل سواتر داخل الخيم التي توجد بها نساء؛ عدم الإساءة لسمعة الصوفية، وإظهار السلوك الصوفي الصحيح في كل النواحي؛ تهذيب مجالس الذكر وإقامتها على الصورة الصحيحة من حيث سلامة النطق وطهارة ونظافة القائمين بها؛ نظافة المساجد وطهارتها وعدم الطهي بها وعدم تعطيل شعائر الصلاة".
وإذا كان رواد هذه الموالد سابقاً من كبار السن والعوام وغير المتعلمين، فإننا نشهد اليوم إقبال الشباب والشابات والمتعلمين على إقامة هذه الموالد، لكنهم أضافوا لها خصوصيتهم الشبابية والعصرية، حيث قاموا "بنمذجة" المولد على "ستايل" الحفلات التي يمارسونها في أعياد الميلاد الشخصية والحفلات العامة التي يشاركون بها، وخاصة القادمة من الخارج!
هذه النمذجة للمولد على الطريقة الغربية، هي من ضغط الانبهار بالخارج والانصهار في طريقته للحياة، والتي سجنهم فيها إدمان متابعة الإعلام الذي هو في غالبه إعلام غربي وإن كان يتحدث بالعربية أو الأصح بـ"العربيزي" والعامية السيئة، أما المضمون فهو غربي تماماً، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم "لتتبعنّ سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" (متفق عليه). وهذا التقليد والنمذجة في ممارسة المولد على الطريقة الغربية هو عكس النية الطيبة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم!
من جهة أخرى، فإن كثيرا من الشباب والشابات -بتأثير الضغط الاجتماعي ومجاراته- يقوم بتغيير صورة حسابه على "فيسبوك" مثلاً، لعبارة تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ربما حتى لا يكون خارج السياق ويصبح منبوذا. لكن هل هذه العبارة عملت تغييراً في حياته أو سلوكه؟ للأسف، غالباً لا. فلو قارنا بين حبه للنبي صلى الله عليه وسلم والذي يعلنه من خلال نشر "بوست" على "فيسبوك" من قبيل "أحبك يا رسول الله"، وبين "بوست" آخر لممثله المحبوب مثلاً، فسنجد أنه عارف بتفاصيل سيرة ممثله المحبوب ومتابع لآخر نشاطاته، ويقلده في الشكل، ويحفظ عن ظهر قلب العديد من جمله وعباراته، ويبرمج أعماله على ضوء تحركات نجمه المحبوب، لكن في المقابل لن نجد شيئا يذكر من هذا الجهد والاهتمام على صعيد "بوست" "أحبك يا رسول الله"!
يفسر الصّديق الدكتور يوسف مسلّم، الاختصاصي النفسي، هذه الحالة لدى العديد من الشباب والشابات بأنها نوع من "الإعلاء والتسامي". فشعور الكثيرين بنوع من الضعف والقصور، يجعلهم يتعلقون بشيء عالٍ وسامٍ؛ لكنه تعلق شكلي زائف لا يدفعون كلفته الصحيحة، وإنما يخدعون به أنفسهم ويبررون به عجزهم وتقصيرهم. ومن أمثلة ذلك الأبناء الذين هم في حالة خصام ونكد دائم مع أمهاتهم طيلة السنة، لكنهم يحضرون لها هدية في يوم الأم كنوع من التبرير والخداع للذات أنهم محترِمون لأمهاتهم بارون بهن!
هؤلاء الشباب يعرفون أنهم يسيرون في طريق لا يرضى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهم مقصرون في واجباتهم الدينية، وهم يتجاوزون الحدود التي وضعها الله ورسوله، لكنهم معترفون بفضل الله عز وجل عليهم ومؤمنون به ويودون أن يكونوا صادقين في إيمانهم. كما أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحترمونه، لكنهم مستسلمون لرغباتهم المتعارضة مع سنته صلى الله عليه وسلم، تحت وطأة فتنة الدنيا التي يزينها بعض وسائل الإعلام لهم، وبهجة اللذات التي ينالونها بتوجيه من قيم الحداثة وما بعدها، رغم أنهم يعرفون ويدركون خطورة هذه الملذات. ولكن كما قال تعالي: "كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ" (القيامة، الآيتان 20 و21). ولذلك ظن هؤلاء الشباب والشابات أنهم ببعض "البوستات" ورسائل "الواتساب" وحفلة المولد، يكونون قد أدوا ما عليهم تجاه محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه!
وهذا كما يقول د. يوسف مسلم، نوع من الإقناع الذاتي الخاطئ، والتفكير السطحي تجاه التدين. فقد زُرع في لاوعي الكثيرين منهم أن الإيمان بالله عز وجل وحب النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن محبة قلبية وعرفان وامتنان، وهذا المفهوم مخالف تماماً لحقيقة الإيمان بالله عز وجل ولحقيقة الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، اللذين يقومان على معرفة حق الله عز وجل وحق النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان الذي يصاحبه العمل الصالح وترك العمل الطالح، ويقوم على المحبة الصحيحة التي يلازمها اتباع وانقياد بالقلب واللسان والجوارح، هذه هي حقيقة الإيمان والمحبة.
نريد من هؤلاء الشباب والشابات المحبين لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أن يقووا محبتهم لله ورسوله بشكل صحيح وسليم، حتى يحققوا السعادة والاستقرار في الدنيا، والنجاة في الآخرة، من خلال زيادة الصلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية قراءة وفهماً ودراسة، والعمل بأوامرهما في الفعل والترك، وتنقية العقول والقلوب من المفاهيم العلمانية والحداثية المتعارضة معهما مما، من الفردية الطاغية والتحرر من كل القيود ونسبية الأخلاق وعدمية الحق والباطل والصواب والخطأ وانعدام المرجعية.
مثل هؤلاء الشباب والشابات في خداع أنفسهم بإسقاط كلفة حب النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه السلوكيات، كمثل الوفود الغربية ممن يزورون مخيم الزعتري مرة في العام وينصبون مسرحا للعرائس والدمى وتلوين وجوه الصغار ساعة من الزمن، ثم يمضون في حال سبيلهم، وقد أقنعوا أنفسهم أنهم أدوا واجبهم وأسقطوا مسؤوليتهم تجاه هؤلاء المهجرين بسبب تقاعس النظام العالمي عن القيام بواجبه تجاه الشعب الأعزل الذي يتعرض لإبادة جماعية من قبل جيش الأسد وحلفائه المتوحشين!
حب النبي صلى الله عليه وسلم ليس كرنفالا أو تجمعا لساعة أو ساعتين في العام، حب النبي صلى الله عليه وسلم منهج حياة، وثبات حتى الممات.

التعليق