في ائتلاف "المولد" و"الميلاد": من ضيق "التبديع والتضليل" إلى سعة "التقارب الإنسانيّ"

تم نشره في الجمعة 25 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

في ائتلاف مولد النبيّين الكريمين محمد والمسيح عليهما السلام، فضاء للقلوب والعقول لتأتلف وتجتمع حبّاً وتكريماً لرسولَي الرحمة والإنسانيّة، تفتّش عن المشترك بين بني الإنسان تعميقاً لجذور آدميّتنا وتوسيعاً لرحِم إنسانيّتنا الجامع، وإغناءً للتنوّع والتعارف والاختلاف لا التشرذم والتخاصم والخلاف.
وفي هذا الائتلاف أيضاً سيجد مَن يُريد "الخلاف" موسماً لتبادل التّهم والتبديع والتفسيق والتضليل والتسفيه.
ففي الاحتفال بـ"المولد النبويّ" ستجد فتاوى شائعة ترى أنّ هذا الاحتفال بدعة وضلالة. والأمر على التحقيق خلاف هذا "الشائع" "المُشاع"، فموقف جماهير الفقهاء والعامة منذ مئات السنين موقف القبول لهذا الاحتفال، فهم رغم إجماعهم على أنّ الاحتفال بمولد النبيّ الكريم حادث بعد وفاته بسنوات، لكنهم لا يرون في هذا "الإحداث" بدعة ضلالة تستوجب الإنكار والنكير، فـ"البدعة" في مفهوم جمهور الفقهاء ليست "مقصلةً" حادةً تقطع الإنسان والمجتمع الإنساني وتجربته الدينيّة عن الإضافات والتوسّعات والتطوّرات التي تضيفها الخبرة الإنسانيّة إلى "المنقول والمأثور" من الدين. لذلك قسّم جمهور العلماء البدعة إلى بدعة محمودة حسنة وبدعة مذمومة، أمّا المذمومة فهي التي "تخالف" أصلاً ثابتاً بالقرآن والسُنّة، وأمّا البدعة الحسنة فهي التي لا تخالف تلك الأصول، بل لها أصلٌ شرعيّ وإن لم تكن بنفسها ممّا جاء به الشرع في نصوصه
 المرجعيّة.
لم يكن هذا التفريق من جمهور العلماء إلا نتيجة فهم ومدارسة للنّصوص والخبرة المسلمة معاً، ولهذا المبحث تأصيل وتفصيل قد يكون الخوض فيه هنا خوضاً في غير محلّه، ولكن اكتفي بالإشارة إلى هذا التفريق السائد المستقرّ عند جمهور الفقهاء مقابل النظرة الضيّقة والتضييقيّة التي يتبنّاها نفر من مشايخ هذا العصر محمَّلين بمفهوم "مغلوط تضييقيّ" للبدعة والتجربة الدينيّة يتّسم بصفة "القطع" و"الانقطاع" عن الإرث الروحيّ والخبرة المسلمة والتفاعل بين الدينيّ والتاريخيّ في عمر التجربة المسلمة الممتدة 14 قرناً.
وأستشهد لما ذكرتُ آنفاً بقول "أبي شامة" في كتابه "الباعث لإنكار البدع والحوادث": "ثمَّ الحوادث منقسمة إلى بدع مستحسنة وإلى بدع مستقبحة... وقال الشافعيّ: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة؛ فما وافق "السّنة" فهو محمود، وما خَالف "السّنة" فهو مذموم" (ص91).
ثمّ يُتبع ذلك بقوله: "فالبدع الحسنة "متّفق على جواز فعلها"، والاستحباب لها، ورجاء الثّواب لمن حسنت نيّته فيها. وهي كلّ مُبتدَع موافق لقواعد الشّريعة غير مخالف لشيء منها، ولا يلزم من فعله محذور شرعي" (ص92 و93).
وفي مسألة "المولد النبويّ" يقول "أبو شامة" أيضاً: "ومن أحسن ما ابتدِع في زماننا ما يُعمل كلّ عام في اليوم الموافق ليوم مولده عليه السلام من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإنّ ذلك -مع ما فيه من الإحسان للفقراء- مشعِرٌ بمحبة النبيّ وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكرِ الله على ما مَنّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين" (ص93). فلم يزل العلماء يرون في "المولد" مناسبة تعظيم وإجلال وإدخال السرور في نفوس النّاس، حتى نبت بيننا مَن يرومون قطع النّاس عن تاريخهم وتراثهم الروحيّ باسم "البدعة والتبديع" وهم على التحقيق أكثر بدعيّة في فهم "البدعة وأقسامها وأحكامها".
وفي هذا العام، تتزامن ذكرى "المولد النبويّ" مع "أعياد الميلاد المجيد"، وهي موسم آخر يُمكن أن يكون موسم تآلف ومحبّة واجتماع لو أراد النّاس والفقهاء وأهل الأديان وبني الإنسان، ولكنه أيضاً موسم لمجموعة من "الفقهاء والمشايخ" للتحذير والتضليل بل "التكفير" أحياناً تحت عنوان "حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم"!
وللتوضيح والاتّساق المنهجيّ أقول: إذا كان القول في مسألة "المولد النبويّ" يحتاج "انزياحاً" عن "منظومة الفقه السلفيّ التبديعيّ" إلى "منظومة الفقه المستقرّ والشائع في المذاهب والخبرة المسلمة"، فإنّ الحديث في قضية "تهنئة غير المسلمين في أعيادهم" يحتاج انزياحاً أكبر.
فالنّاظر في كتب "الفقهاء" قديمها وحديثها سيجد فتاوى كثيرة تدور حول "تحريم مشاركة غير المسلمين" أعيادهم الدّينيّة بأشكال المشاركة المختلفة، وقد يجد الباحث بعض آراء لقلّة من الفقهاء تخالف هذا الرأي.
لذلك لن أقوّل "عموم الفقهاء" ما لم يقولوه. ولكن سأقارب الأمر بالانزياح إلى "حكمة العامة" في هذه القضيّة. فالنّاظر في كتب تاريخ المجتمعات المسلمة سيجد أنّ عامة النّاس كانت تحتفل بهذه الأعياد، وكانت تتخذها مناسبات "فرح اجتماعيّة"، ممّا ينبئ عن وجود فروق بين عالم "الفقهاء المكتوب" وسلوك عامة المسلمين الواقعيّ، فعالم الفقهاء الفقهيّ قائم على "أحكام فقهيّة نصيّة واستدلاليّة تأصيليّة" لا تقوم دوماً على "النّصوص القاطعة ثبوتاً ودلالة"، ولكنها تعتمد تأصيلاً فقهيّاً وفق منظومات الفقه السائدة، وتتميّز عموماً بالصلابة في الموقف، ممّا يجعل الباحث عن حكم الدين في أمر ما يميل إلى عالَم الفقهاء هذا، منطلقاً من مسلمة تحتاج انزياحاً عنها وهي "أنّ الفقهاء هم الناطقون عن الدين حصراً"! فللمجتمعات والأفراد خبرةٌ دينيّة تتجاوز منظور الفقهاء مرّات، وتتقاطع معه مرّات، ولكنها جزء من الخبرة الدينيّة التي أرى أنّ إعادة الاعتبار لها أمر يحقّق للخبرة الفقهيّة حيويّة واستطراداً مجتمعيّاً وحضاريّاً.
قد تكون هذه المفارقة بين "أقوال الفقهاء" و"سلوك العامة" مسوّغاً عند بعض النّاس للتشنيع على سلوك العامة، ووصفهم "بقلّة الدّين ورقّة التدّين" كما يفعل جلّ "الفقهاء" في أغلب العصور، ولاسيما في عصرنا هذا، فرفض ممارسات "العامة"، واتهامها بالجهالة ومحاكمتها بعيارات "الفقهاء" سمة عامة مشتركة في خطاب أغلب المتحدّثين باسم الدين من فقهاء ودعاة! لكن غرضي من هذه المفارقة هو "عكس هذه المقاربة"، فأنا أقترح أن ننظر إلى الأمر من زاوية "حكمة العامة"، أو "حكمة السلوك العام"، وذلك أنّني أرى أنّ نظرة أغلب الفقهاء لمثل هذه الأمور تتسم بـ"القلق الديني"، و"الخوف على الدين"، بل "الخوف على الله"! فأغلب الفقهاء نظروا إلى قضية "أعياد غير المسلمين" من منظور "القلق والخوف على عقائد النّاس"! والقضية من وجهة نظري هي "إسقاط لقلق يسكن في نفوس هؤلاء الفقهاء" على النشاط المجتمعي والممارسات العامة؛ فالنّاظر في سلوك عامة النّاس في المشاركة في احتفالات غير المسلمين أعيادهم الدينيّة وغير الدينيّة يرى أنّها مشاركة "اجتماعيّة" لا "دينيّة"، فالمسلمون في بلاد الدنيا جميعاً لهم أجداد من أهل الديانات الأخرى، بل لهم أجداد وثنيون أو دهريون، وكان لهؤلاء الأجداد أعياد قبل الإسلام ترتبط بأديانهم، فلمّا تحوّل الأجداد من دين إلى دين استبقَوا كثيراً من أعيادهم السابقة، بل حوّلوا هذه الأعياد إلى أعياد دينية في دينهم الجديد. وحين جاء الإسلام بقيت هذه الأعياد مع الأعياد الإسلاميّة الجديدة، لكنّ مزيّة "التقبّل الإسلاميّ" لأعياد ما قبل الإسلام كانت في أنّه لم "يؤسلمها" كما كان يحدث في تجارب دينيّة أخرى، بل اكتفى بجوانبها الاجتماعيّة الإنسانيّة، فعاملها معاملة مناسبات الفرح المجتمعي، والتقارب الإنسانيّ، واللهو البريء وغير البريء أيضاً، تاركاً الجانب الدينيّ لأهل الأديان، فلغير المسلمين "الجانب الدينيّ" من أعيادهم، وللمسلمين "الجانب الاجتماعيّ الإنسانيّ"، فما يزال المسلمون والمسيحيون وغيرهم من أهل الملل والأديان يتبادلون التهنئة والمشاركة المجتمعيّة في المناسبات الدينيّة من دون قلق وتخوّف من آثار "دينيّة وعقديّة" يحذّر
منها "الفقهاء".
وقبل الختام أشير إلى أنّ الجوانب المتعلّقة بهذه المناسبات الدينيّة تكثر وتختلف حسب منظور المقاربة والمعالجة، فهناك من سينشغل بتحقيق مدى الصدق التاريخيّ لهذه المناسبات، مشكّكاً بموعد "المولد" و"الميلاد"، ولهم في ذلك حجج معتبرة. وآخرون سيقاربون الأمر من منظور نقدي أنثروبولوجي اجتماعيّ يتجاوز منظور أهل الأديان، ولهم في ذلك مناهج وحجج معتبرة أيضاً. ولكن يُمكن أن يُقارب الأمر من منظور التآلف الإنسانيّ، والغنى في الخبرة الإنسانيّة، لجعل هذه "المناسبات" مناسبات تقارب ومودّة ومحبّة وتآلف حضاريّ وإنسانيّ، يجعلنا نرجو أن تكون أيامنا أيام خير ومحبّة وسلام وعدل يعمّ الجميع
 لنقول بقلب واحد: كلّ عام والجميع بخير.

التعليق