لماذا يفر مقاتلو "داعش" من التنظيم؟

تم نشره في الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً
  • مقاتل في "داعش" - (أرشيفية)

جاك بوشامب - (فوكس) 23/12/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

المناطق التي تسيطر عليها مجموعة "داعش"، وفق كل شيء نسمعه عنها، هي مكان بائس جداً للعيش. ومن شأن ذلك أن يثقل كاهل داعش: ففي الحقيقة، إذا كان العيش مرعباً جداً تحت حكم التنظيم، لا غرابة من الميل إلى الاعتقاد بأن عدداً من مقاتليه سيريدون المغادرة والفرار.
لم تسجل موجات من الانشقاقات الجماعية عن "داعش" -فيما يعود في جزء منه، وفق بعض التقارير، إلى أن قادة التنظيم يطلقون النار على الذين يحاولون المغادرة. ومع ذلك، ثمة قلة من الناس الذين استطاعوا مغادرة المجموعة. وقد وجد العالمان آن سبيكهارد وأحمد أس. يايلا بعضاً من هؤلاء، وحصلا على موافقتهم على إجراء مقابلات معهم، والتي نشرت مقتطفات منها في العدد الأخير من صحيفة "نظرات على الإرهاب".
تعد قصص المنشقين مثيرة للرعب. كما أنها توفر نافذة قيّمة يمكن الإطلال منها لفهم كيفية سير الحياة في مناطق "الدولة الإسلامية في العراق والشام" -وبعض نقاط الضعف الحقيقية عند المجموعة.
لماذا يغادر المنشقون؟: الحياة في مناطق "الدولة الإسلامية" مرعبة.
وجد سبيكهارد ويايلا هؤلاء المنشقين، وكلهم ينحدرون أصلاً من سورية، على الحدود التركية السورية. وكانت لديهم قصص مرعبة يفزع سماعها المرء. ولنأخذ، على سبيل المثال، هذا التقرير من واحد من المنشقين (تم الإبقاء على الأسماء طي الكتمان أو استبدالها بأسماء مستعارة) حول كيفية تنفيذ الإعدامات حيث كان يعمل:
"هناك بئر تسمى بئر حوت. وهناك، كان المقاتلون يعصبون عيون السجناء ويقولون لهم: "أنتم أحرار الآن، وما عليكم إلا أن تسيروا، ولكن لا تفتحوا أعينكم"، فيسيرون ليقعوا في البئر. وتنفث البئر رائحة كريهة بسبب تراكم الجثث في داخلها. وأعرف أكثر من ثلاثمائة شخص تم إلقاؤهم في تلك البئر".
وفق مصادر سبيكهارد ويايلا، فإن هذه الوحشية تعد مركزية في استراتيجية "داعش". وتستخدم المجموعة الإرهابية الخوف من التعرض للعنف لإخضاع السكان ولترهيب المجموعات المسلحة الأخرى. ويتذكر أحد المقاتلين كيف أن "داعش" استخدم أطفالاً كمفجرين انتحاريين من أجل طرد قوات الجيش السوري الحر من مدينة الرقة قبل عامين تقريباً.
"عندما جاء داعش إلى الرقة، كان الجيش السوري الحر مسيطراً هناك، لكن داعش استولى على زمام الأمور لأسباب عدة. أولاً أرسل داعش مجموعات صغيرة لتأسيس نفسها في داخل المدينة. ثانياً، أرسل مفجرين انتحاريين من الفتيان الصغار، وخاصة إلى البوابات التي كان مقاتلو الجيش الحر يحرسونها. وكان هذا تكتيكاً فعالاً جداً؛ حيث خاف الجميع من المفجرين الانتحاريين، وكان من الصعب جداً تمييز ما إذا كان الطفل المقترب مفجراً انتحارياً أم لا. وربما كان الحراس يهربون لأن أحداً لا يريد إطلاق النار على طفل بريء، مما أتاح دخول داعش".
ويقول بعض المنشقين إنهم هربوا بسبب هذه الوحشية. وقال أحد المنشقين، والذي يدعو نفسه أبو شجاع: "ما لا أحبه أنه إذا فعل أحد ما شيئا خطأً، فإنهم كانوا يعذبونه بمحاكاة الإغراق. ما لا أحبه أنهم إذا لم يحبوا شخصاً يقطعون رأسه فقط. أو إذا كانت امرأة لا ترتدي حجاباً، فإنهم يجلبون أحداً ما ليقوم بجلدها، أو إذا كان هناك أحد ما لا يصدّقهم فإنهم يقطعون أذنه".
ويقول السوريون الذين أجرى سبيكهارد ويايلا المقابلة معهم، إنهم صدموا بشكل خاص بسبب الفجوة بين ما كان "داعش" قد ادعى بأنه سيكونه، وبين الطريقة التي تصرف بها في الواقع. ويقول منشق آخر، أبو وليد: "في العام 2014، أدركت أن جماعة داعش كاذبون". وأضاف: "على سبيل المثال، كان هناك رجل من داعش اغتصب امرأة ولم يعاقب على ذلك".
وفق المنشقين، فإن حقيقة الحياة في أراضي "داعش" أفشلت محاولة المجموعة مواصلة التجنيد في سورية. وبينما انضم الناس في السابق إلى التنظيم مدفوعين بإحساس أن قضية "داعش" عادلة، وبأن المجموعة يمكن أن توفر لهم حياة أفضل، فإن هذا التصور آخذ في التحطم بسبب الفقر المدقع والبؤس اللذين يميزان الحياة في ظل "داعش".
ويقول المنشقون الذين أجريت معهم المقابلة، إن التجنيد قد تراجع نتيجة لذلك. ولا نستطيع معرفة ما إذا كان هذا صحيحاً على وجه التأكيد، في ضوء أن هذه الشهادة جاءت من بضعة سوريين وحسب، كما أننا نفتقر إلى البيانات الصلبة، لكن ما ينطوي على أهمية هو أن لدى مقاتلين سابقين في "داعش" شعورا بأن مستوى التجنيد يتضاءل.
وقال أبو وليد: "الأشخاص القلائل الذين ينضمون الآن يفعلون ذلك لأنهم يريدون أن يأكلوا. إنهم أولئك الذين لا يعملون... أما الآخرون فيحاولون الهرب إلى تركيا أو لبنان أو عبر البحر".
ماذا تقول لنا هذه المقابلات عن الكيفية التي يعمل بها "داعش" أو لا يعمل؟
ثمة محدوديات تحيط ببحث سبيكهارد ويايلا: فعيّنتهما صغيرة، على سبيل المثال، ومقصورة على سوريين. لكن الشهادة متلازمة مع بحث آخر عن منشقين عن "داعش"، بالإضافة إلى شهادات أوسع تشي بأن "داعش" لا يبلي حسناً في بناء حكومة تتمتع بدعم شعبي حقيقي من الناس الذين يحكمهم.
في وقت سابق من العام الماضي، وضع المركز الدولي لدراسة التطرف تقريراً يحلل شهادات من 58 منشقاً عن "داعش". وضم هؤلاء المنشقون مجندين ممن انضموا إلى المجموعة من شتى أنحاء العالم، وليس من سورية وحسب. ولذلك، أعطى التقرير وجهة نظر أوسع عن المسوغات التي تدفع مقاتلي "داعش" إلى اختيار المغادرة والفرار -وكلها متطابقة مع شهادة سبيكهارد ويايلا المجمعة.
عندما قابلت مدير المركز الدولي لدراسة التطرف، بيتر نيومان، في أيلول (سبتمبر)، شرح أن هناك أربعة أسباب رئيسية تكمن وراء مغادرة المقاتلين أراضي "داعش":
1 - انضم المجندون من أجل قتال بشار الأسد، لكن المطاف انتهى بهم بشكل ضخم إلى قتال ثوار سوريين آخرين، وشعروا بخيبة الأمل نتيجة لذلك.
2 - أعرب المنشقون عن اعتقادهم بأن "داعش" يتعامل بوحشية كبيرة مع المسلمين السنة.
3 - قال المنشقون إن قادة "داعش" فاسدون ومحابون.
4 - قال العديدون إن ظروف المعيشة في أراضي "داعش" سيئة: فقد وعدوا بخلافة مجيدة، لكنهم وجدوا البؤس فقط.
تتطابق حالات المعاناة والشكوى هذه مع تلك التي وجدها سبيكهارد ويايلا: من أن "داعش" متوحش جداً، وأنه لا يفي بوعوده التي كان قد قطعها في دعايته عن إقامة جنة دينية.
لعل ما يثير الاهتمام أن بحث نيومان يشير إلى أن وتيرة الانشقاق في نمو، ما يؤكد شهادة المنشقين بأن "داعش" يواجه مشاكل متنامية متعلقة بالتجنيد والاحتفاظ بمقاتليه.
وشرح نيومان بالقول: "ما نستطيع قوله بالتأكيد، استناداً إلى بياناتنا، هو أن الأعداد (الخاصة بالمنشقين) آخذة في الازدياد. وقد حدث ثلثا كل الانشقاقات المعلنة في هذا العام (2015)، والثلث في آخر ثلاثة أشهر فقط".
لكن هاتين الدراستين عن المنشقين تساعداننا على فهم إخفاق "داعش" كدولة، وتدلان على هشاشة حادة في التنظيم. ووفق زميلة معهد بروكينغز، ميغان ستيوارت، فإن حالات التمرد الأخيرة التي تحولت بنجاح لتصبح دولاً فعلية تميل الى إعطاء الأولوية لخدمة احتياجات سكانها. وكتبت أن هذه المجموعات "تستثمر بشكل معمق وموسع في نشاطات الحوكمة، ما يضفي عليها اعترافا بأنها مصدر حساس للشرعية".
لكن، يبدو أن "داعش" لا يقوم بذلك على نحو جيد جداً. وهذا صعب بشكل خاص بالنسبة لـ"داعش" ولأطروحة ستيوارت، لأن المجموعة تخسر أرضاً.
وتكتب ستيوارت: "بينما يتكثف الضغط العسكري على داعش، فإن من المرجح أن يسوء حكمه". وتضيف: "ومع ذلك، فإن هذا الحكم البائس والمقيد يضعفه، وكما قال إيلي بيرمن وجيك شابيرو، فإن من الممكن أن تكون الدولة الإسلامية فاشلة".
وعليه، وبينما لا تشكل الانشقاقات في حد ذاتها تهديداً رئيسياً لـ"داعش"، فإنها تشير إلى شيء يشكل في الحقيقة مشكلة خطيرة تواجه المجموعة -واحدة من غير الواضح ما إذا كان "داعش" يعرف كيف يعالجها.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why ISIS fighters quit

[email protected]

التعليق