بينما تركز أميركا على "داعش" وطالبان، تنظيم القاعدة يعاود الظهور

تم نشره في الخميس 7 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً
  • أنشوطة قرب معسكر سابق للقاعدة في أفغانستان في العام 2001 - (أرشيفية)

إريك شميت وديفيد سانغر - (نيويورك تايمز) 29/12/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

حتى بينما تتعثر إدارة أوباما في مواجهة مجموعة الدولة الإسلامية "داعش" وحركة طالبان التي استعادت نشاطها، يبدو أن عدواً قديماً أخذ يعاود الظهور في أفغانستان: حيث تتزايد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم القاعدة بسرعة هناك، مجبرة وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات الأميركية على تقييم ما إذا كان يمكن أن تصبح هذه القواعد مرة أخرى أرضية خصبة لتفريخ الهجمات على الولايات المتحدة.
ليست معظم هذه الحفنة الصغيرة من المعسكرات بمثل حجم تلك المعسكرات الكبيرة التي كان قد بناها أسامة بن لادن قبل هجمات 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2001. لكنها لو كانت عاودت الظهور مجدداً قبل أعوام عدة، لكانت قد قفزت وارتقت إلى قمة التهديدات المحتملة الماثلة أمام الرئيس أوباما في إيجازاته الاستخبارية اليومية. أما الآن، فإن تلك المعسكرات لا تعدو كونها من الكثير من التهديدات، أو أنها، كما يقول المسؤولون الأميركيون، ليست حتى من بين الأكثر إلحاحاً في قائمة وزارة الدفاع في أفغانستان.
مدى تشبث القاعدة المميت في أفغانستان أخذ المسؤولين الأميركيين والأفغان على حين غرة وضربهم بالمفاجأة. فحتى هذا الخريف، كان المسؤولون الأميركيون قد ركزوا وبشكل كبير على استهداف آخر أرفع قادة تنظيم القاعدة المتبقين والمختبئين على طول حدود أفغانستان الوعرة والجبلية مع باكستان.
وفي العلن، على الأقل، قالت الإدارة النزر اليسير فقط عن هذا التحدي الجديد، أو عن استراتيجيتها لمواجهة التهديد من تنظيم القاعدة، حتى وهي تهرول لمساعدة الحكومة الأفغانية في مواجهة ما اعتبر أنه التهديد الوشيك أكثر ما يكون، الصعود في وتيرة الهجمات العنيفة التي تشنها طالبان وشبكة حقاني ومنظمة تابعة لمجموعة "لدولة الإسلامية". وكان مسؤولون في الإدارة الأميركية السابقة أكثر انفتاحاً في الحديث أكثر -وخاصة أولئك الذين كانوا قد خدموا في الخطوط الأمامية من المعركة الأصلية لتدمير القيادة المركزية لتنظيم القاعدة.
وقال مايكل موريل، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حتى عامين سابقين: "أشعر بالقلق من عودة ظهور تنظيم القاعدة في أفغانستان لأن قائمة استهدافهم ستكون -نحن". وتجدر الإشارة إلى أن كتاب موريل "الحرب الكبرى في زماننا" يستحضر الجهود التي بذلتها إدارتا بوش وأوباما لتدمير قيادة القاعدة.
وأضاف موريل: "هذا هو ما يفسر قلقنا من عودة نجوم طالبان لأنه، تماماً كالسابق، ستؤمن طالبان ملاذاً آمناً للقاعدة".
لكن مسؤولاً رفيعاً في الإدارة عرض وجهة نظر مختلفة، فقال إن نشاط القاعدة المتزايد يجيء نتيجة للعمليات العسكرية الباكستانية التي تدفع بالمقاتلين عبر الحدود إلى داخل أفغانستان، أكثر منه ناجماً عن كون القاعدة تسجل مجندين أفغان جدداً في داخل البلد.
في تشرين الأول (أكتوبر)، هاجم جنود أميركيون وأفغان من القوات الخاصة، مدعومين بعشرات من الضربات الجوية الأميركية، معسكر تدريب تابعا للقاعدة في الجزء الجنوبي من البلد. قال المسؤولون العسكريون إنه كان من أضخم المعسكرات التي تم اكتشافها. وشمل الهجوم الذي تم في أيام عدة قصف منطقتي تدريب -واحدة تمتد لأكثر من 30 ميلا مربعاً- والتي ضمت أنفاقاً موسعة وتحصينات. وقال مسؤولون أميركيون إن ما وصل إلى 200 مقاتل قد قتلوا خلال الهجوم.
كما يقر مسؤولون رفيعون في الإدارة بأن هناك معسكرات وقواعد أخرى تابعة للقاعدة، بما في ذلك واحدة على الأقل في مقاطعة هيلمند، مع أنهم ليسوا متأكدين من العدد على وجه التحديد لأن مديريها جعلوا من أمر اكتشافها أكثر صعوبة يها في أعقاب هجوم تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. وتحدث المسؤولون الرفيعون -أربعة منهم من ثلاثة أجهزة فيدرالية مختلفة- شريطة عدم ذكر أسمائهم، عن تقييمات استخباراتية سرية.
ومن جهته، رفض الناطق بلسان الجيش الأميركي في أفغانستان، الكولونيل مايكل تي لوهورن، في رسالة بالبريد الإلكتروني بحث "أي معلومات استخبارية حالية قد نتوافر عليها بخصوص معسكرات التدريب التي تعود للقاعدة".
وكان المعسكران اللذان هوجما في الخريف يقعان في منطقة قليلة السكان في مقاطعة قندهار على طول الحدود الجنوبية لأفغانستان مع باكستان. ويبدو أن بعض المرافق كانت قائمة في المكان منذ نحو عام ونصف العام، ولم يتمكن الجواسيس الأميركيون ولا الأفغان ولا طائرات الاستطلاع من اكتشافها.
وقد علق الجنرال الأميركي الأعلى في أفغانستان، جون أف كامبل، على ذلك اجتماع مع مراسلين صحفيين قبل أسبوعين، فقال: "إنكم تعرفون أن الكثير من هذا يعود إلى أنها (المعسكرات) كانت في منطقة نائية جداً في قندهار".
على مدى أشهر، كان الجنرال كامبل يحذر من القاعدة في السياق الأوسع من بيئة التهديد المعقدة في أفغانستان؛ حيث قال للكونغرس في تشرين الأول (أكتوبر) "إن القوات الأمنية الأفغانية أثبتت حتى الآن أنها غير قادرة على القضاء على القاعدة بشكل كامل".
وأضاف في شهادته أمام الكونغرس: "لقد حاولت القاعدة إعادة بناء شبكاتها وقدراتها التخطيطية بهدف إعادة تأسيس قدرتها في ضرب الوطن الأم الأميركي والمصالح الغربية".
وقال الجنرال أيضاً إن الضغط الذي مارسته على مقاتلي القاعدة الولايات المتحدة وحلفاؤها الأفغان قد أجبرهم على "أن يكونوا أكثر تركيزاً على الاستدامة منه على التخطيط للهجمات المستقبلية وتسهيلها"، لكن ذلك التهديد كان ضرورياً لمنع القاعدة من كسب مواطئ أقدام جديدة.
وكان اكتشاف معسكر التدريب الكبير في تشرين الأول (أكتوبر) قد أثار أسئلة حول قدرة الجيش الأميركي على تعقب وتدمير حصن رئيسي للقاعدة في البلد، بعد أكثر من 14 عاماً من طرد الغزو الأميركي للقاعدة من أفغانستان وإسقاط حكومة طالبان التي دعمتهم.
وكان الجنرال كامبل قد قال في وقت غارة تشرين الأول (أكتوبر) على المعسكر، إن ذلك المعسكر كانت تستخدمه منظمة تابعة للقاعدة، تدعى القاعدة في شبه الجزيرة الهندية. وكان أيمن الظواهري زعيم القاعدة قد أعلن عن إنشاء المنظمة التابعة في أيلول (سبتمبر) من العام 2014 كرد -في الجزء الضخم منه- على صعود منافس القاعدة، تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". ويعتقد بأن الجناح الذي يقول المحللون الأميركيون إنه يضم مئات عدة من المقاتلين يتخذ من باكستان مركزاً له، كما يتركز أيضاً في الهند وباكستان ودول أخرى في جنوب آسيا.
وكان مقاتلو القاعدة في شبه الجزيرة الهندية قد بدأوا الهجرة من ملاذات في شمال وزيرستان وشرقي أفغانستان إلى مقاطعات هيلمند وقندهار الجنوبية في البلد في العام الماضي، بعد أن شنت باكستان هجوماً عسكرياً مضاداً كبيراً في المنطقة، وفق ما قاله سيث جونز، المتخصص في الشؤون الأفغانية في مؤسسة راند الفكرية. وتجدر الإشارة إلى أن قندهار وهيلمند لم تكونا، تقليدياً، ملاذات لتنظيم القاعدة. وقال السيد جونز: "إنه توسع حديث نسبياً إلى الجنوب".
من جهتهم، يقول مسؤولو الأمن الأفغان إن العديد من هؤلاء المقاتلين الأجانب يأتون من آسيا الوسطى، وفي العديد من الحالات لا تعرف انتماءاتهم. وفي الماضي، كانت بعض هذه المجموعات تابعة لتنظيم القاعدة، لكن هناك تقارير تقول إن بعض هؤلاء المقاتلين أعلنوا ولاءهم لمجموعة "الدولة الإسلامية".
لكن أحد مسؤولي المخابرات الأميركيين سعى إلى التقليل من شأن التهديد القادم من المنظمة الجديدة التابعة للقاعدة، واصفاً إياها بأنها "تهديد إقليمي يركز راهناً على التخطيط لهجمات في باكستان، وعلى تأسيس تواجد في جنوب آسيا. وعلى الرغم من ملاذها الآمن، لم تشن المجموعة هجمات ضد أهداف أفغانية أو غربية في أفغانستان".
يأتي ظهور معسكرات التدريب الجديدة التابعة للقاعدة في غمرة تآكل واسع النطاق للأمن في الكثير من أنحاء أفغانستان، كما قالت وزارة الدفاع الأميركية في تقرير صدر قبل أسبوعين وذكر قوات الدفاع والأمن الوطني الأفغانية.
وكان الجنرال كامبل قد قال للمشرعين في الكونغرس، إن المتشددين المتمركزين في باكستان، شبكة حقاني، تظل "ميسراً" مهماً للقاعدة في أفغانستان. وأضاف أن المجموعتين تتقاسمان أهدافاً تكمن في "طرد قوات الائتلاف، والإطاحة بالحكومة الأفغانية، وإعادة تأسيس دولة متطرفة".
وفي تفصيله للتهديدات القائمة في أفغانستان، قال الجنرال كامبل للمشرعين إن فرع "الدولة الإسلامية" في البلد يجتذب بوتيرة سريعة مقاتلين جدداً إلى "إيديولوجيته السمية والمتطرفة". ومستخدماً الاختصار العربي لمجموعة الدولة الإسلامية، قال كامبل: "بينما ما يزال العديد من الجهاديين ينظرون إلى تنظيم القاعدة على أنه يشكل الأساس الأخلاقي للجهاد الكوني، فإنهم ينظرون إلى داعش على أنه ذراع العمل الحاسم".
ومستشهداً بملاحظة للرئيس الأفغاني، أشرف غاني، قال الجنرال كامبل: "إذا كانت القاعدة "ويندوز 1، فإن داعش سيكون ويندوز 7".
 وكان فرع القاعدة في شبه الجزيرة الهندية قد خطط أيضاً لهجمات خارج أفغانستان. فقد حاول متشددون من القاعدة اختطاف فرقاطة باكستانية بحرية واحدة على الأقل في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 2014، واستخدامها لشن هجوم على قطعة تابعة للبحرية الأميركية أثناء قيامها بدورية لمكافحة الإرهاب في شمال غربي المحيط الهندي.
وقد تم إحباط الغارة على المركب البحري بعد اندلاع اشتباكات نارية. وتبين لاحقاً أن الهجوم نفذ في جزء منه من جانب جنود في البحرية الباكستانية كانت القاعدة قد جندتهم، طبقاً لما قاله مسؤولون باكستانيون وأميركيون. وكانت الغارة، التي قتل خلالها 10 متشددين، قد أثارت مخاوف من احتمال حدوث تسلل إرهابي إلى القوات العسكرية في باكستان، والتي تتوافر على أسلحة نووية.
وفي شهر أيار (مايو) الماضي، نشر قائد فرع القاعدة الجديد شريط فيديو يدعي فيه المسؤولية عن مقتل أفيجيت روي، المدون البنغلاديشي الأميركي الملحد، والذي كان قد قتل يوم 27 شباط (فبراير) على يد رجال مسلحين بمناجل بينما كان يغادر معرضاً للكتب في العاصمة البنغلاديشية، دكا.
وكان فرع القاعدة الجديد قد مني ببعض الانتكاسات. فقد كان نائب زعيم المجموعة هو أحمد فاروق، المتشدد الأميركي المولد الذي نظر إليه في بعض الدوائر الجهادية لبعض الوقت على أنه نجم صاعد. وفي رسالة كانت قد أرسلت إلى بن لادن في العام 2010 والتي ظهرت إلى العلن خلال محاكمة للإرهاب في نيويورك هذا العام، تم تخصيص متشدد يحمل الاسم نفسه باعتبار أنه يتوافر على إمكانات قيادية.
لكن السيد فاروق قتل مع خمسة قادة آخرين مشتبه بهم في الضربة الجوية نفسها التي شُنت في كانون الثاني (يناير)، والتي قتلت أيضاً -بالخطأ- موظف الإغاثة الأميركي، ووارن فاينشتاين، ورهينة إيطالياً أيضاً.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: As U.S Focuses on ISIS and the Taliban, Al Qaeda Re-emerges

التعليق